صدمة أحدثها شاب في العقد الثاني من عمره في العام 1950 م، حينما يتخيل فانتازيا سينمائية لها بعد اجتماعي وسياسي. تلك الفانتازيا (بابا أمين) والتي أبدعها ذلك الشاب مع رواد السينما المصرية (حسين رياض، ماري منيب وفريد شوقي) وظهور جديد لفاتن حمامة مع الفتى كمال الشناوي، والشاب الذي تخيل تلك الفانتازيا هو يوسف شاهين.

الفيلم يحكي عن رب أسرة متوسطة الحال يعيش حياة سعيدة، يحاول صديقه أن يغريه بالمال فيشير عليه باستغلال ثروته التي يدخرها في مشروع خيالي. تروق له الفكرة ويدفع له بكل ما يملك دون أن يأخذ منه إيصالًا بذلك، يتخيل أنه مات فجأة وقد نزلت بأسرته النكبات وحلت الديون واضطرت زوجته إلى بيع أثاث المنزل، ثم تعمل ابنته راقصة ومطربة في ملهى ليلي فيسعى خطيبها لإنقاذها من هذا المصير، فيفيق رب الأسرة من حلمه ويسرع لصديقه يطلب استرداد ماله ويوافق على أن تتزوج ابنته من خطيبها، وليس هذا فقط بل إنه سلمه الراية ليكون القائد والزعيم لهذا البيت من بعده بعد أن تيقن خلال حلمه بأنه يستحق تلك المكانة.

لن نتكلم عن البعد الاجتماعي لهذا الفيلم ولكننا سنتكلم عن البعد السياسي. يوسف شاهين كان يتكلم عن دولة الفرد، الفرد الذي يمتلك كل الصلاحيات والسلطات وهو الآمر الناهي في هذا الكيان، وهو صاحب النظام والسياسات العامة، فيتخيل شاهين ماذا سيحل بهذه الدولة بعد وفاة القائد، يتخيل بأنها ستتعرض للتقسيم وتحل بها الفوضى الهدامة. لذلك لا يعتبر حلا بأن يسلم القائد الراية لمن يخلفه، الحل هو صناعة سياسة عامة ودائمة تستمر باختلاف الحكومات.

لذلك علينا أن ننتبه جيدًا للفارق بين دولة الفرد ودولة المؤسسات، فدولة الفرد – كما قلنا سلفًا – تقوم على قائد وزعيم (آمر ناهٍ) صاحب النظام ومبتكر السياسات ولا يستطيع أحد أن يعارضه أو يناقشه في قراراته.

بعكس دولة المؤسسات التي تقوم على التعددية الحزبية والمساواة بين الحاكم والمحكوم ومناقشة قرارات السلطة التنفيذية ومحاسبة المسؤولين إلى آخره .

لذلك فالبقاء الأطول يكون لدولة المؤسسات بعكس دولة الفرد ولنرَ معًا مشاهد واقعية من عالم السياسة بعيدًا عن فانتازيا يوسف شاهين ولنبدأ من سوريا.

مشهد الخلاف بين حافظ الأسد وشقيقه رفعت الأسد

كان ذلك في العام 1984 حينما دخل الرئيس الأسبق حافظ الأسد في وعكة صحية، فاستغل شقيقه رفعت الأسد الفرصة للسيطرة على السلطة وحدثت اشتباكات بين القوات التابعة له والقوات الحكومية، حتى وصل به الأمر أنه هدد بإحراق دمشق، وعندما عاد الرئيس الأسبق حافظ الأسد من وعكته الصحية، اتفق هو وأخاه على الخروج من الأزمة ولكن اشترط رفعت الأسد على عدة شروط من ضمنها وهذا على عهدة الراوى (مصطفى طلاس وزير الدفاع الأسبق وأحد أبرز الوجوه في الحركة التصحيحية في 8 آذار (مارس) عام 1963). حيث يقول في كتابه (الأشهر التي هزت سورية) يقول:

تم الاتفاق بين رفعت الأسد وحافظ الأسد على الخروج الأول من سورية مقابل مبلغ ضخم من المال مقدمٌ من الثاني. فاتصل حافظ الأسد بمدير البنك المركزي ووجد أن كل ميزانية سورية لا تكفي هذا المبلغ الذي طلبه شقيقه رفعت فاتصل حافظ الأسد بمعمر القذافي وطلب منه تدبير هذا المبلغ ولما وصل تم تسليمه لرفعت الأسد وتم تسوية الأزمة. وهذا المشهد يبين مدى أن ميزانية دولة تمثل مصير وأحلام شعب تصبح لعبة ومسار تسوية بين أفراد نظام عائلي لا سياسي بالمرة.

يقابل هذا المشهد  مشهد آخر من ألد أعداء العرب (إسرائيل).

مشهد أومري نجل آرييل شارون

كان ذلك في العام 2003 حينما استدعت الشرطة الإسرائيلية أومرى آرييل شارون ووزيرًا بشأن قضية فساد متعلقة بالانتخابات ومتعلقة بتورط أومري في مسألة تمويل غير شرعي للحملة الانتخابية لوالده في العام 1999، وهذا المشهد يبين أنه على الرغم من إجرام رجالات دولة إسرائيل وعلى رأسهم شارون في الصراع العربي-الإسرائيلي إلا أنهم لا يتعدون الخطوط الحمراء للدولة (دولة المؤسسات) دولة تحكمها مؤسسة نيابية عن الشعب (الكنيست الإسرائيلي) والمؤسسة القضائية التي يلقى فيها الحاكم والمحكوم سواء أمام سدة القضاء.

ونسافر بعيدًا لنرى مشهدا مقابلا للمشهد الإسرائيلي في دولة لا تعترف بالحدود، دولة الآفاق البعيدة دولة الإخوان المسلمين والمشهد يأتينا كالآتي:

آراء الشيخ حسن البنا المرشد المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين في الحاكم

ففي العام 1946 وفي رسالة المؤتمر الخامس لجماعة الإخوان المسلمين قال البنا: “إن الإمام هو واسطة العقد ومجمع الشمل ومهوى الأفئدة”، ويتجاوز كل الحدود ويقول “و ظل الله في الأرض”.  والمقصود بالإمام هنا هو الحاكم.

وفي موقف آخر للأستاذ (صالح عشماوي) عضو مكتب الإرشاد الأسبق للإخوان وأحد أبرز وجوه الرعيل الأول للإخوان. حينما قال في جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية في 26/10/1946 أنه عند أول عهده بعضوية مكتب الإرشاد ثار البحث حول هل الشورى في الإسلام ملزمة أم غير ملزمة؟ أي هل يتقيد فضيلة المرشد العام برأي مكتب الإرشاد أم أن المكتب هيئة استشارية له أن يأخذ برأيها أو أن يخالفه إن شاء؟ وكان رأي فضيلة المرشد أن الشورى غير ملزمة وأن من حقه مخالفة رأي المكتب). وهذا على عهدة الراوي (صالح عشماوي).

ثم ننتقل بعيدا إلى مشهد مقابل في دولة تتسيد العالم بلا منازع في أمريكا (الولايات المتحدة الأمريكية) والمشهد كالآتي:

أزمة وترغيت التي عصفت بنيكسون عام 1974

وتتلخص تلك الأزمة حينما قرر الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون التنصت على مكاتب الحزب الديمقراطي في مبنى وترغيت وهي إحدى اللجان التابعة للحزب الديمقراطي الأمريكي، وحينها تم إلقاء القبض على خمسة أشخاص بمقر الحزب الديمقراطي في واشنطن وهم ينصبون أجهزة تسجيل مموهة وقد كان البيت الأبيض قد سجل 64 مكالمة فتفجرت أزمة سياسية استقال على إثرها نيكسون عام 1974 وتمت محاكمته على إثر هذه الفضيحة. ونرى في هذا المشهد مدى المؤسسية التي تسير بها الأمور في الولايات المتحدة فالحاكم ومنافسه سواء أمام سلطة الشعب (الكونجرس والشيوخ ) وسدة القضاء.

لذلك نرى أن لكل مشهد من المشاهد السابقة له نتائجه ففي المشهد السوري نرى أن الأمور تحولت من جمهورية إلى ملك عائلي اندلعت على إثره حرب أهلية لا يعلم نهايتها إلا الله، والمشهد الإخواني عندما سنحت لهم الفرصة بتولي السلطة في مصر وقطاع غزة – على سبيل المثال – فشلوا في إدارة أمور بلادهم وسقطوا سقطة مريعة.

وعلى النقيض في المشهدين الإسرائيلي والأمريكي نجد الثانية مازالت محافظة على سيادتها على العالم وتحكمها في مقاليد الأمور لحكم البشرية لأمد بعيد والأولى نجدها مازالت محافظة على مصالحها وتتوسع في استيطانها ومشاريع تهويدها.

لذلك نستخلص من هذا كله أنه استمرار وبقاء الأمم على قوتها يكمن في تعددية اتخاذ القرار واتخاذ سياسة موحدة للأمد البعيد باختلاف الحكومات والإدارات الحاكمة وانهيارها يكمن في فردية اتخاذ القرار وسيادة الفكر والتنظيم الواحد. قد يجيء البعض ويقول هناك أمم مستمرة على قوتها وحضارتها ويحكمها تنظيم سياسي واحد يتزعمه زعيم مفدي، فنقول لهم نعم ولكن هذا لن يطول وحتما ستسقط تلك النماذج  ولكنها مسألة وقت.

وننتهي بمشهد الإمام الحسين بن على – رضي الله عنه – في واقعة الطف وهو مدافع عن مبدأ الشورى والخلافة الراشدة ضد مبدأ الملك، المشهد يحكي أنه حينما تعثرت فرسه وهو على مشارف أرض كربلاء فسأل الإمام أحد رفاقه: “ما اسم هذا الموضع؟” فقيل له: “اسمه كربلاء”، فدمعت عيناه وراح يقول: “اللهم إنى أعوذ بك من الكرب والبلاء”.

ونحن نتمنى من الله أن يعيذنا من كرب وبلاء الديكتاتورية وينعم علينا بنعيم الديمقراطية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشمولية
عرض التعليقات
تحميل المزيد