من الخطأ أن نصرّ على أن حقيقة منطق المتعصّبين لم يذهب ضحيّته رجال ديننا وحدهم. بل حتى معتنقوه للأسف، فتجدهم يصنّفون الناس إلى مسلم وغير مسلم ويقضون أوقاتهم في وضع شروط شرف الانتساب إلى الإسلام. فهذا يقول لك إن لم تعش كما عاش السلف حيث زمن الجوع والتقشّف فلست مسلمًا كل الإسلام. والآخر يريد أن يخضع الحياة كلّها لمنطق التديّن فيرى أنه عليك أن تدمج كل مجالات الحياة في مجال واحد، وأن تجعل المرجعية الأولى والأخيرة لإدارتها المرجعية الدينية، ويقول لك إن ذلك هو «صحيح الإسلام» وكأنه لم يقرأ كيف اقتتل المسلمون فيما بينهم قرونًا وقرونًا حول ما يسمّونه «صحيح الإسلام».

 ومن باب الاحترام لديانة العظيم «محمد بن عبد الله» كان عليه أن يقول هذا ما ظهر لي من صحيح الإسلام. ومع ذلك يأتي شخص يتجاهل كل هذا ويعجب من عدم اتبّاع الناس لأفكاره وطريقة فهمه للدين ويبدأ في المزايدة على الناس في دينهم ويضع اللوم عليهم وينسى نفسه ويشكو من قلّة إيمان الناس ولا يشكو من قلّة اطّلاعه وناسيًا أن الدين عند البشر ليس واحدًا لأن الله خلق البشر متفاوتي الأفهام والمشارب.

ويجب أن أشير للقراء الكرام أننا لسنا من سبق البشرية بفكرة الشمولية وأسلمة جميع مظاهر الحياة من علوم وفنون وسياسة واقتصاد. بل كان الشعب الهندي أوّل من دعا إلى ذلك أيّام الاستعمار البريطاني إلى ما كان يسمّى بـ«تهنيد العلوم»، فقد كان يرى العلم دسيسة استعمارية بريطانية، ولو استمرّت الهند على تصلّبها هذا من الممكن أن لا نراها أبدًا اليوم في حلبة السباق نحو الفضاء.

هذا يوضّح لنا حقيقة مهمّة وهي أن هذه التصرّفات ما هي إلا ردود أفعال وليست أفعالًا بحدّ ذاتها، وهو ما يحدث في العالم الإسلامي منذ 80 سنة. لذلك الداعون إلى الأسلمة وتديين الحياة، ليسوا أناسًا بكوا من خشية الله حتى ابيضّت عيونهم من الدمع، بل تيّار إسلاموي يمثّل أفكارًا ونظرة خاصة للدين والحياة تقوم على الانغلاق والتعصّب الأعمى للطائفة.

إن الحياة مبنية على التشعب والتعدد وهذه حقيقة وصلنا إليها بتقدّم العلم وتطوّر أساليب التفكير عند المجتمعات، وازدياد وعي الإنسان بمصالحه. فيكفينا فقط أن نعود 80 سنة إلى الوراء لنجد أن منطق «تديين كل شيء» كان هو المنطق السائد في المجتمعات الإسلامية. بل كان الإنسان سواء في العالم الإسلامي أو الغربي يهوى الشمولية آنذاك. فكان الفلاسفة يحلمون بإيجاد نظريّة شاملة تفسّر الكون، وفي أوروبا ازدهر الفكر الشمولي كالنازية والفاشية والشيوعية وغيره الطامح لكي يجمع كل شيء بين يديه، بل لو نجري مقارنة بين الأحزاب الإسلاموية فسنجد أن حتى هيكلتها الداخلية لا تختلف أبدًا عن هيكلة الحزب النازي أو البلشفي، في طريقة التنظيم وعقلية الإخلاص للزعيم… إلخ. لكن بعد زوال هذا الفكر الشمولي الذي أذاق البشر جرعات حادة من الويلات، أصبح إنسان اليوم يخشى الشمولية والأحادية في كل شيء.

ويبدو أن المسلم والإسلام السياسي بالخصوص لم يتعلّم جيّدًا الدرس، وما زال يرى الحياة من جهة واحدة وهي «الدين» وما زال يردد أن الإسلام دين شمولي لم يترك مجالًا إلا دخل فيه. ويستدلّ بالآية الكريمة «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين». محمّلًا الآية أكثر مما تحتمل وملقيًا وراء ظهره تفسيرات الفقهاء المسلمين التي يطبّل لها بالغدو والآصال ويتّهم بالكفر كل من يخرج عليها. فالنسك عند جمهور الفقهاء هو الذبيحة ومحياي ومماتي لله تعالى تعني أن حياتي وموتي بيد الله وحده لا شريك له. فلماذا يقوّل الآية ما لم تقل أصلًا ثم يذهب بعض الحمقى إلى استخدامها في غير محلّها ظانين أنهم يحسنون صنعًا وكل حزب بما لديه فرحون؟

إن المسلمين يضربون عرض الحائط كل النصوص التي تقر بأن للدين مجالات محدّدة يعمل فيها وجاء من أجلها، وأنا أعجب من أناس يقولون إن الدين يعلّمك كيف تنظّم حياتك أو كيف تحكم الدّولة وكأن الإنسان قبل الدين لم يعرف كيف ينظّم حياته، وكيف يحكم الدّولة وغيرها من الادعاءات التي يسهل الرّد عليها. إن الدين جاء ليربط الإنسان بمصدره الأصلي وهو السماء ووضع نهاية لطغيان المادّة عليه. جاء لينظم الفوضى الحاصلة في العلاقة بين العبد وربّه، جاء لكي يقضي على الذين يتاجرون باسم الله وينسبون إليه الخزعبلات ويستغلّونه من أجل الدفاع عن مصالحهم ومصالح المترفين.

فالدين هو وضع حدّ لطغيان الإنسان بإصلاحه بمخاطبة عقله ووجدانه وليس أيديولوجيا تحكم رقاب الإنسان مثلما يصوّره البعض. إن الدين عبارة عن مجموعة قيم كان الإنسان يعرفها من قبل كالعدالة والمساواة والحريّة. لكن الفرق هنا أن القيم اكتسبت القدسية وزاد تأثيرها بسبب هذه القدسية وهذه أكبر خدمة أسداها الإسلام للبشرية بأن قدّس القيم التي بذل الدم من أجلها تيّار التنوير. لكن لا يستطيع أن يأتي متحذلق يقول إن الدين يعلّمنا الأخلاق. فهذا يعني أنك بلا هذا الدين لا تساوي أي شيء بل لست بإنسان أصلًا. كما أنه لا يمكن للإنسان الشرّير أن ينقلب بين عشية وضحاها إلى إنسان صالح ضربة واحدة بمجرّد اعتناقه للدين.

كما أسجّل ضحكة صفراء على من يقول إن الإنسان إن لم يدخل الدين في كلّ شيء فهو علماني. فمن يتشدّق بهذا القول عليه أن يتذكّر أن الرسول كان يقول «أنتم أدرى بشؤون دنياكم» ولم يقل «بعثت لأسلمة دنياكم». إن الكثير من الحوادث التاريخية في تاريخ الدعوة الإسلامية كمثال تبرهن لنا أن النبي يحدد القرار الدنيوي السياسي حسب الصواب والخطأ؛ لأن موضوعه كان سياسيًا وليس دينيًا، وهذا ما نسمّيه في السياسة بفصل الدعوة الدينية عن العمل السياسي، ولم يكن هذا الوعي بالفصل بين المجالين شيئًا جديدًا على المسلمين؛ لأنهم رأوه في نبيهم وفي قراراته، وقولته الشهيرة بشأن الدنيا: أنتم أدرى بشؤون دنياكم. فأعطى الأولوية والقيادة لمن رآه جديرًا بالثقة العسكرية، فأمر بتعيين أسامة بن زيد قائدًا لجيش المسلمين لغزو الروم، كان أسامة ابن سبعة عشر عامًا، وعينه النبي قائدًا على جيش فيه الصحابة الأكارم، مثل أبي بكر وعمر برتبة جنود، فلو كانت القيادة تقوم على التقوى لسلم القيادة لأحد الشيخين، إذًا فالتقوى والتدين والقرب من الله ورسوله لم يكونوا عند النبي مؤهلًا للقيادة في الشأن السياسي، كما كان النبي في قراراته الدنيوية يستشير خبراءها كالحباب بن المنذر في بدر الكبرى.

 وأزعم أن لولا هذه النظرة الثاقبة من الرسول لما اعتنق الإسلام أكثر من ألف شخص حتى إن كتب التاريخ تحكي أن لولا انتصار النبي محمّد في معركة بدر الشهيرة لما اهتمّت العرب بدعوته أصلًا، فمن حسن الحظ أنه لم يتعامل بنفس منطق المتحذلقين الحالي الذي ينكر ضرورة جعل الدين متماشيًا مع البيئة والزمن التي يتواجد فيها فكيف تنتظر انتشار الدعوة الإسلامية بين بدو أجلاف لا يعرفون إلا لغة السيف والحرب بمجرد وعظ أفلاطوني إسلامي؟ وهل نلوم النبي على استعارته لأسلوب قريش لإيصال دعوته؟ وعندما يتّهم المسلم الآخر بأنه يحاول فصل الإسلام عن التعاملات الدنيوية فسيكون نفس الاتهام موجّهًا إلى من يراهم القدوة الحسنة في حياته، من خلفاء وصحابة تعاملوا مع الدنيا حسب متطلّباتها وظروفها، وأزعم أنه لو كان عمر بن الخطّاب مثلًا حيًّا بيننا وعطّل حد السرقة اجتهادًا منه، مثلما فعل في عام الرمادة لاتّهموه بالكفر والعلمانية!

فيا عزيزي المسلم فكرة أن الإسلام شامل لكل شيء لا نجد لها أي سند واقعي في التاريخ الإسلامي فضلًا على أنه فكرة متأثّرة بالأيديولوجيات الفاشية، التي حلمت أن تحكم كل صغيرة وكبيرة من حياة الإنسان. كما أنها لا تستقيم عقلًا، فكيف يكون الإسلام شاملًا لكل شيء والصحابة والفقهاء أنفسهم تقاتلوا بينهم بسبب أمور لم يفصّلها لهم القرآن والنبي؟ بل قسّموا المسلمين إلى شيع وفرق متناحرة لقرون بسبب أمور لم يفصّل فيها الدين. فهل يعقل أن يخرج السلف الصالح عن أمر ربّه في زمن خير القرون؟ وهل أنكر الفقهاء الكبار الأولون الذين كفّروا بعضهم البعض ما هو معلوم في الدين بالضرورة وهم عن شمولية الإسلام لغافلون؟

ومن المقولات الشائعة التي يردّدها الكثير من المسلمين من دون وعي عن شيوخهم هي «القانون الوضعي» و«القانون البشري» و«القانون السماوي». متجاهلين أن مهما كانت طبيعة القانون سواء سماوية أو غير سماوية فهو سينقلب عاجلًا أم آجلًا إلى قانون بشري عند إخضاعه للتطبيق وسيتصارع عليه البشر في طريقة تطبيقه، ومن الأسف أن يغفل أصدقاؤنا المسلمون عن هذا الأمر، فهم يضيّعون الوقت في تسفيه المنجزات البشرية الحالية ولا يبالون أن تكون أفكار الفقهاء التي يهلّلون لها صالحة لزماننا أو غير صالحة.

 وأحيانًا ينتابني العجب منهم ومن مفكّريهم الذين عندما تحدّثهم عن منجزات الغرب في مجال العلوم وحقوق الإنسان وغيرها وضرورة الأخذ منهم، يقولون لك إن تلك موالاة لهم وتشبّه بهم ودعوة إلى التغريب. وعندما تضيق عليهم الظروف وتدور عليهم الدائرة ويصبحون مضطرين للخضوع للأمر الواقع يقولون إننا سبقنا الغرب إلى كذا وكذا وأن هناك «علومًا إسلامية» و«اقتصادًا إسلاميًا» و«الدولة الإسلامية» ونبدأ بشم رائحة التبرير واللفلفة والتدوير. فالبارحة كان ينهى عن التشبّه بهم، واليوم يأخذ عنهم كلّ شيء ثم يغلّفه بغلاف إسلامي ليرضي غروره. ولو كان الغرب مسكونًا بهذه العقلية المتخلّفة وأصر على الانغلاق على نفسه واحتقار علوم «ابن سينا» و«ابن رشد» و«عمر الخيّام» التي أوصلت الإسلام إلى العالمية والنظرة إليها على الطّريقة المتأسلمة، لما تقدّم أصلًا ليكشف لنا مدى ضعفنا وهواننا أمامه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد