في عالمنا العربي، بدأنا نشعر بالمهانة الحضارية، والتخلف الحضاري منذ حملة نابليون لمصر عام 1798م، حاول العقل العربي عندها بناء تراكمات معرفية وفكرية؛ لانتشال الأمة، والمجتمع من حضيض التخلف الذي وصلت إليه، وكان هناك كثير من الحركات التنويرية، إلا أن هذه الحركات خمدت في مهدها؛ لأسباب مختلفة، ومع بداية القرن العشرين وسقوط الدولة العثمانية بدأت تظهر أفكار تدعو للنهوض تحت لافتات وحركات قومية عربية وإسلامية، هذه الحركات  تأثرت بالحركات التاريخية المتولدة في ذلك الوقت، سواء الحركة الشيوعية في روسيا، أو الفاشية في إيطاليا، أو النازية في ألمانيا.

كانت كل هذه الحركات، سواء كانت الحركات ذات الفكر الشمولي في أوروبا، أو الحركات العربية، دافعها للتحرك واحد، هو التخلص من التبعية والشعور بالمهانة، والتخلف تجاه الدول الاستعمارية الكبرى حينذاك (بريطانيا وفرنسا).

واللافت أيضًا هو أن جميعها اتسمت بأفكار شمولية ترى أن التخلص من ذلك التخلف والمهانة يكون عبر بناء منظومة حركية حزبية شمولية، فهي انطلقت من تصورات كلية للحياة، وترى أن الدولة يجب أن تهيمن، وتشكل كل مسارات حياة أفرادها؛ حتى تضمن التقدم والازدهار، وتتخلص من التبعية والتخلف.

ولهذا فإن هذه الحركات لم يقتصر عملها على المسار السياسي، بل امتد للمسارات الأخرى، وبدأت تدعو لتصورات كلية ذات علاقة بجميع مجالات الحياة، ولكي تتمكن من ذلك بدأت في تشكيل تشكيلات ذات طابع متعدد، فأصبحت هذه الحركات ذات أجنحة متعددة، فيها الجناح السياسي، والجناح العسكري، والجناح الفكري الأيديولوجي، وارتبطت بجميع فئات المجتمع، فهناك تشكيلات للناشئة، وهناك للطلائع، وللشباب، وأخرى للنساء، وأيضًا للعمال، والطلاب، والمحامين، والمهندسين، وهكذا… وبالتالي أصبحت هذه الحركات شمولية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

هذا الأمر قد يعتبره بعض الناس شكلًا من إشكال القوة التنظيمية، لكنه أمر خطير وسلبي؛ إذ إن هذه التنظيمات تهدد وحدة المجتمع، وتؤدي إلى تقسيم المجتمع إلى تشكيلات منفردة بذاتها، فكل حركة شمولية لديها مؤسساتها المدنية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية كذلك، ويصبح الارتباط والانتماء والولاء والبراء مرتبط بالارتباط بهذه الحركات. وبالتالي فإن المجتمع يفقد قوته الكلية، حيث تسود التنظيمات الشمولية ومؤسساتها التي تفرق بين أفراد المجتمع  على أساس الأيدولوجيا، فيتم قبول الأفراد للانضمام لتلك التنظيمات والمؤسسات على حسب توافق أيديولوجيا الأفراد مع الأيدولوجيا الشمولية لهذه التنظيمات والمؤسسات.

طبعًا لم تصمد هذه الحركات كثيرًا، وبدأت تتساقط، وخصوصًا في أوروبا، وآخر هذه الحركات هي الحركة الشيوعية، ومع انهيارها انهارت منظومة الفكر الشمولي من الفكر الإنساني بسبب تعارضه مع الفطرة الإنسانية التواقة للتعدد المتسامح، والمتماهي مع غيره.

إلا أنه في عالمنا العربي لم تزل تلك الأفكار والحركات الشمولية موجودة عندنا، أغلبها وصل للحكم وفشل في تحقيق إنجازات حقيقية بقدر مستوى الشعارات والأيديولوجيا التي يحملها، بل في كثير من الأحيان كانت هناك إخفاقات كبيرة، ومريرة سواء على المستوى الفكر القومي أو الفكر الاشتراكي أو حتى الإسلامي. وأدت تلك التجارب إلى تقسيم المجتمع إلى طوائف ومجتمعات صغيرة داخل تلك الدول، وهو ما نجنيه الآن من صراعات أهلية مستمرة منذ سنوات في العراق وسوريا واليمن وليبيا، هذه الصراعات سببها الرئيس وجود حركات ذات فكر شمولي سيطرت على مقاليد الحكم في الأربعين سنة الأخيرة، وما زال كذلك حتى مع سعي الشعوب إلى إسقاط تلك الأنظمة، حيث إن الجميع فوجئ بوجود تراكمات لتلك الانقسامات، أعاقت عملية التغيير، وزاد الطين بلة أن الحركات والأفكار البديلة – وأغلبها ذات اتجاه إسلامي –  لتلك الأنظمة هي أيضًا حركات ذات فكر شمولي.

لهذا ما لم تكسر الشعوب العربية حلقة الشمولية التي تحكم سيطرتها على العقل العربي منذ عقود – فإنه حتى يحين ذلك الوقت – ستبقى الشعوب العربية في دائرة الصراعات الأهلية والانقسامات الداخلية التي حولت المنطقة إلى جحيم لا يطاق العيش فيها. كل ذلك مع أن الشمولية غادرت التاريخ، إلا إنها لم تغادرنا بعد.

ولهذا يبقى التساؤل المفتوح – الذي سيتكفل الزمن بالإجابة عنه – متى ستغادر الشمولية عقولنا وأفكارنا وتنظيماتنا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشمولية
عرض التعليقات
تحميل المزيد