تكمن قدرة أي كاتب في سرد الحكاية بتشويق، حتی لو كانت حكاية عادية أو مملة، وهذا ما فعله «كاواباتا» في نصه الأخير، أظن أن تلك الرواية كانت ستنال مكانة مميزة في أعماله.

«ياسوناري كاواباتا» كاتب ياباني حائز علی جائزة نوبل للآداب عام «1968»، انتحر في ظروف غامضة وغريبة بدون ترك أي رسائل انتحار في «1972»، لم يترك لنا غير «هندباء برية»، رواية غير مكتملة عبارة عن مقطع واحد طويل تتداخل فيه المجازات وتدور حول الجنون والعمی.

«أحيانًا يرغب الناس في ترك علامة تخصّهم أينما كانوا، كي يثبتوا لأنفسهم أنهم كانوا موجودين هناك في تلك اللحظة».

من الصعب رؤية نية «كاواباتا» في الانتحار بوضوح في أعماله، وخاصة في رواية «هندباء برية» بما أنها آخر أعماله، ولكن الرواية تتناول مواضيع عن الاختفاء، العمی، الجنون، الأسئلة الكثيرة التي قد لا نجد إجابة لها، والأسئلة التي نجد لها أكثر من إجابة، تلك بالذات قد تكون شوكة في حلق المرء طوال الحياة.

«حين تنزل فاجعة بالإنسان، لا خيار أمامه سوی مواصلة السير في الطريق إياه، مصممًا دون أن يلتفت يمينًا أو يسارًا».

الكاتب الياباني عبقري في السرد، يحكي الحكاية في يوم وليلة، والحوار كله يدور بين «أم إيِنكو» والسيد «هيسانو» خطيب «إيِنكو» الفتاة التي تفقد القدرة علی الرؤية للحظات مما يؤدي في نهاية المطاف لإيداعها في مصحة نفسية في بلدة ريفية حتی يتم فحصها، والحصول علی نتائج دقيقة حول ما يُعرف بعمی الجسد.
«كاواباتا» الراوي العليم الذي يعلم ما في صدور أبطاله ويری ويسمع ما يقولونه وما يودون قوله في الحقيقة، أعتقد أن رواية كهذه كانت ستؤول لمصير أروع من التي وصلت إليه في حالة إتمامها من قبل «ياسوناري كاواباتا»، أعتقد أن هذه الحكاية كادت تلامس الكمال الأدبي من حيث اللغة، أو السرد الساحر الذي لا يُصيبك بالملل، بالرغم من تشابك المواضيع، وإعادة الكلام بين الأم وخطيب ابنتها لأكثر من مرة؛ لإثبات وجهات النظر وصحة الآراء وتخفيف عقدة الذنب التي يشعر بها «هيسانو» بسبب إيداعه خطيبته في مصحة نفسية أو شعور الأم بالذنب بأنها قد قتلت والد ابنتها!
«عندما نعرف الوحدة نفهم أن حزن الإنسان لا حدود له، عند معاناتِك هذا الشعور، سوف ترين أناسًا كثيرين في هذا العالم حزانی ووحيدين أكثر منك».
تعمد الكاتب الحفاظ علی نسق الراوي العليم، دون أي تداخل في الرؤی، والمحافظة علی حيادية النص ومشاعر الأم والخطيب تجاه الفتاة التي تنتابها نوبات عمی مؤقتة تمنعها من رؤية أشياء بعينها عن غيرها، أشياء من المفترض أن تنتصب رؤيتها عليها فقط دون سواها مثلما عجزت عن رؤية كرة تنس الطاولة في مباراة لها أو عجزها عن رؤية خطيبها أثناء العلاقة الحميمية.

«ما الطائل في العلاقات الإنسانية من انتقاد الآخرين علی مثالبهم وعيوبهم الأخلاقية والنفسية»؟
بما أنها رواية «ياسوناري» الأخيرة فربما يتعلق الشعور بعقدة الذنب واللوم الدائم الذي يقع تحت طائلته أبطال العمل، ربما يتعلق الأمر بالكاتب نفسه، قد يكون شعور مماثل كهذا هو ما أدی بالياباني لإنهاء حياته، وقد يكون هذا الرجل لم ينسی شعور المرارة الذي خلفه انسحاب اليابان من الحرب العالمية الثانية، ذلك الشعور بالخذلان، أو التضاؤل، الذي قد يجعل حياة المرء في لحظة شيء غير مهم.

رواية علی طراز القطعة الواحدة والحديث الطويل الذي تقطعه ذكريات «أم إيِنكو» عن طفولتها وذكريات الحرب التي عانی فيها والدها وصولًا لموته بطريقة مأساوية كادت أن توقف حياة المرأتين، أتساءل عن مصير «إيِنكو» وخطيبها وأمها، كنت أتمنی معرفة ما سيقوله الأطباء عن حالة الفتاة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رواية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد