كثيرا ما تجتاحنا أحاسيس نستطعم من خلالها النعم ونتأمل أنفسنا في حضور غيرنا بنوع من الرضا.

نقرأ عن أنفسنا من خلال صفحات ذكرياتنا، نسطرها كما سطرت نفسها في أذهاننا الموشومة بلحظات من الألم والمعاناة، لكنها لم تكن لحظات يأس وسخط. وكأننا نتكلم عن موعد فرح محتوم وقد علق بأذهاننا انتظار ليسر بعد كل عسر، بل كلما اشتد العسر ندرك أكيدًا أنها ستفرج من ينابيع الأمل.

تعلمنا أن الألم من صفات الحياة ووجه من وجوهها، بل إنه صفحة من صفحاتها المطوية، والأكيد أنه لم يكن يوما أبديا.

تعلمنا أن في الحرمان مناعة، وأنه سر وجود الأماني والأمنيات، بل إنه كلما اشتد الحرمان كانت الرغبات أشد وعلى قدر الحرمان تأتي العزائم.

كنا نرى في لحظات الألم وقفة تأمل وتريث ومعالجة وتحليل .كان يختلط الفكر بالعواطف لتنتج كتابات قد نسميها هواجس أو خواطر. تمر السنون لنقرأها فنحس بأحاسيسها ولكن بلغة اليوم وبأحداث اليوم وبهمسات اليوم، لقد كان صمودًا في وجه المستقبل المجهول، بل هو نوع من الاستمرارية بين الماضي والحاضر باعتباري أنا هو هو.

وكأنه نوع من التوازن النفسي، نستطيع من خلاله أن نستطعم كل جميل ونبحث عن جمال أكبر، وفي ذلك إقرار لكل الممكنات وإقرار لاستحقاقنا لنصيبنا من السعادة.

لقد اجتمع الفكر والإحساس ليخلق تناغمًا فريدًا من خلال التواصل الإيجابي مع الذات وتقبلها وحسن تقديرها. إنه التصالح مع الذات الذي منحتها، فأعطتك قدرة على مواجهة التحديات وتقبل فكرة التغيير المستمر على صفحات حياتك. لقد كنت مقتنعًا باستحقاقك لسعادة أكبر، ليتمظهر ذلك في سلوكاتك من ود للآخرين وحيوية في الإقبال على الحياة والتفاؤل عند المصائب والمرونة في الفعل والقدرة على التكيف مع البيئة المحيطة. إنها سمات الشخصية السعيدة كما نتمناها، إنها القدرة على النهوض وعلى التحكم في مجرى حياتنا باعتبار كل واحد منا فاعلًا فيها وليس منفعلًا بها.

هل تعلم أنني أنا أنت، إنه المجال المشترك، نحن نتذوق جميعا أحاسيس الحب والكره، الألم واللذة، اليأس والسعادة، العطاء والحرمان، الخوف والطمأنينة. هذا ما نجده بداخلنا ككهف يسوده الظلام، والغريب أن كل شرارة تنير المكان وتمنحنا الرغبة في الكشف عن المزيد.

ولأن السعادة هي غاية الوجود الإنساني، بوجودها تتغذى آمالنا وتؤجج مشاعرنا الإيجابية وتتقوى رغبتنا في الحياة بل وتعطي معنى لها من أجل الاستمرار ومن أجل غد أفضل.

نتكلم عن الإحساس بالسعادة كما عشقناه وعشناه وكما تعلمنا أن نعيشه بالكثير من الإيمان بالقدر دون تغييب لقدرات البشر.

ألا ترى معي اليوم أننا لم نستطع تحقيق المعادلة الصعبة، وأصبحت السعادة أمرًا مستعصيًا؟

ألا ترى معي أنه يحق لنا أن نقف عند مشروع أهم هو صناعة الإنسان، باعتباره مشروعًا يخدم الإنسانية بدل الضياع في البحث عن مصادر خارجية لإسعاده؟

نسمع من بعض الفقراء شكواهم أن المال يحل كل مشاكلهم وسبب في سعادتهم، مع أنه قد يكون سبب معاناة البعض وتخبطهم في الكثير من المشاكل. كما قد ينهار العاطل باحثًا عن فرص العمل باعتبارها مصدرًا لسعادته مع أنه قد يكون مصدر تعاسة بعض العمال وسبب للضغوطات النفسية والروتين اليومي. وقد يتألم العاقر باحثًا عن ذرية تحمل اسمه من بنين غير أن الكثير يعتبرهم مصدر هم وغم وشقاء.

وكأننا نعرّف السعادة بأنها هي ما نحتاج إليه لينقلب من جديد إلى مصدر للشقاء، فكيف يخرج الإنسان من مأزق السعادة المستعصية؟ ألا يمكن أن يكون جوهرها هو الرضا والتقبل للذات باعتبارها نوعًا من المصالحة معها بحسن التواصل والإنصات لأحاسيسها وذبذبات الحياة بداخلها بصوت الأمل والإيمان بالقدر ومواجهة الامتحان بالصبر والعمل باستمرارية وانضباط؟

كان على الذات أن تعرف أنها مصدر آلامها كلما تشبثت بمعتقداتها السلبية عن نفسها وعن مصيرها، وعن كونها مفعولا بها وأن الحظ يقفل أبوابه في وجهها.

لقد جعلت صفات الذات إذن من السعادة أمرا مستعصيا، فكان عملها عليها شهيدًا، عندما استكانت للأحداث وجعلتها توجهها حيث أرادت ولم تترك مجالا لإرادتها وقدراتها لتوجيه الأحداث، ولم تتعجل الفرج بالعمل المستمر، ولم تطرق باب الأمل ليزودها بحب الحياة وحب الذات وضرورة الاستمرار.

لقد اعتقد الإنسان أن البحث عن السعادة هو بحث عن قطعة ماس في الأعماق، والحقيقة أن بدرة الماس موجودة بذواتنا، هي ما يجعنا نصمد أمام الأمواج العاتية ونشعر بنشوة الغطس في أعماقها ونجيد السباحة ونطفو فوقها ونصل لبر الأمان بالكثير من الأمل وبالتحقيق الدائم للسعادة الموعودة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السعادة
عرض التعليقات
تحميل المزيد