تمتلئ شاشات التلفاز يوميًّا بالعديد من الأخبار والحلقات الحوارية، الجميع يصارع من أجل إثبات وجهة نظره، الجميع يقاتل من أجل إظهار مدى وطنيته، ولكن في النهاية الجميع يتحدثون ولا يدللون على أقوالهم، وأصبحت الوطنية بالنسبة لكثيرين منهم هي السب واللعن في من يخالف وجهات نظرهم.

الحديث عن المؤامرات أصبح كثيرًا، والضيوف الذين يحملون مسمى “خبراء استراتيجيين” هم طرف حاضر في كل الحوارات، لا أعلم من أين يأتون، فأصبحوا يحيطوننا من كل اتجاه ولا تخلوا جملة من كلامهم من كلمة المؤامرة، فهم في مصر يعرفون كل من يتضامن مع ضحايا الاعتقال والتعذيب والقتل الجماعي بالمتآمر على مصر، وكل من يعارض هو خائن ولا بد من سجنه أو حتى قتله، لا أظن أن نظامًا استمر كثيرًا بعد أن علق فشله وخيبته على معارضيه، ولا أعتقد أن مشاكل مصر ستحل إذا اختفى المعارضون.

“اثنا عشر ضلعًا مكسورًا ولسان مقطوع وكدمات متفرقة بالجسم نتيجة الضرب بأداة صلبة”، هذا هو مجمل تقرير الطب الشرعي الخاص بضحية القتل العمد نتيجة التعذيب بقسم المطرية، الأمر مفزعًا. أي بشر هؤلاء الذين يرتكبون مثل هذه الفعلة النكراء!!

أي بشر الذين يستمتعون بممارسة السادية!! الأمر لم يكن فرديًّا بل ممنهجًا ومكررًا، ولم تكن هذه الضحية الأولى التي تموت بالتعذيب داخل الأقسام، وأيضًا هذه ليست المرة الأولى التي يحظر النائب العام النشر فيها، فالأمر أصبح اعتياديًّا، الجريمة تحدث والنائب العام يحجب عنا حقنا في معرفة تفاصيل التحقيقات وتموت القضية مثل سابقاتها!

المؤامرة الحقيقية التي لن تسمع تفاصيلها من الخبراء الاستراتيجيين، هي تلك التي تحدث مع سقوط الضحية تلو الأخرى، إنهم يدفعون الناس إلى الثأر، يدفعونهم إلى اللا دولة، فإذا كانت الدولة التي يجب أن تحميهم هي التي تقتلهم فماذا تنتظر إذا أتيحت الفرصة؟!

اسرح بخيالك ولن تجد نتيجة غير اللا شيء، اللا دولة، الفوضى، فهل هناك مؤامرة أفظع من هذا؟!

حديثكم الآثم عن تصنيف الضحية هو تأصيل لانتقائيتكم، وتبرير غير مقبول، فلا حق لأحد أن يرتكب جناية قتل، لأن القتيل مختلف معه سياسيًّا وحتى لو كان جنائيًّا، فمن المفترض هناك قانون يصدر بمقتضاه حكم، والأكثر إجرامًا في القصة أنه لا يحق لأجهزة الأمن أن تختلف سياسيًّا مع أي سجين!

وإن كانت تبريراتكم لأجل خوضنا لحرب ضد الإرهاب، فلما لا تحثون وزارة الداخلية على أن تكف عن الظلم والتعذيب احترامًا لما نحن فيه، لما على الشعب أن يموت مرتين، مرة من مَن يدعون حمايته، ومرة من مَن يحملون السلاح في وجهه!

لا صوت فوق صوت المعركة، ولكن أية معركة؟

هل هي معركة النظام مع شركائه القدامى، أم معركة الداخلية ضد المعارضين، أم معركة الحرب على الإرهاب؟

لا أحد يعلم أي معركة يجب أن نخوضها الآن، فلدينا كتّاب اختاروا معركة التطبيل للنظام ويجدون أن مطالبتنا بالحياة هي مؤامرة أو رفاهية لا نستحقها! ولدينا خبراء استراتيجيين لا يعرفون شيئًا إلا المؤامرات التي تحاك من الإخوان بل وكل المعارضين، الأمر أصبح كوميديا سوداء!

الحروب تحتاج لتوحيد الجبهات والصدق، وما تفعله الأجهزة الأمنية من جرائم تتلوها جرائم ولا أحد يعاقب يهدم أي فرصة لتوحيد الجبهة الداخلية، وكلام النظام عن سعيه للاستقرار هو كذب بواح، فمنظومة التشريع التي لا تعرف إلا أن تصوغ قوانين مشكوك في دستوريتها وإنسانيتها هي خير دليل.

صمت النظام على الجرائم يجعله في مقدمة المدانين، واستمرار تستره على القتلة في صفوفه لن يحميه، والأمور أصبحت تخرج عن نطاقها بالتدريج، ونظرية “حبيبك يبلعلك الظلط” غير معترف بها في قيادة الشعوب، ومن رقصوا لك أمام اللجان هم من سيكسرون “قلة” يوم رحيلك، والأيام دول، ولتعلموا أن جميع ما يندرج تحت مسمى مؤامرات تحاك ضد مصر لا يساوي شيئًا فيما تفعله الداخلية من أفعال ستنتهي بنا في نهاية المطاف إلى اللا دولة، حيث الغابة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد