يقول علي عزت بيجوفيتش في كتابه هروبي إلى الحرية: “الطغيان يحتاج إلى الكذب بشدة؛ فهو ينتج الكذب تمامًا كما تُنتج الحرية السخرية. وبهذا التحليل يمكن للمرء أن يبدأ من الطرف الآخر؛ ليستنتج أن الطغيان لا يمكنه أن يتحمل السخرية”.

والمتأمل للمشهد المصري يلاحظ المحاولة المستميتة المبذولة في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة؛ لفرض فكرة بعينها (الاستقرار والأمن الداخلي، والعدو المتربص من الخارج، والإلحاح على خطر داعش… إلخ) بشكل صارخ. وإذا كان الإعلام الرسمي المملوك للدولة يعمل على هذا النسق كآلية من آليات الدولة القومية الحديثة في خلق وعي زائف، وإنتاج الثقافة الجماهيرية من خلال العمل بمثَل “الزن على الودان أمر من السحر”، فالإعلام الخاص القائم على فلسفة المصلحة والمال وخضوعه لسياسات الدولة بشكل أو بآخر لن يختلف كثيرًا. قد يعلن بعض المعارضة الجزئية لبعض ممارسات الفساد ولكنها معارضة أشبه بقرع الطبول في نغمة منسجمة فيكون الطبل فيها تكملة لنسيج النغمة وإثراءً لعذوبتها.

وفي المقابل وُلدت السخرية من ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، مما يدل على كونها كانت انتفاضة فطرية للاحتياج الكامن في الإنسان للحرية، وتكدست مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وتويتر بهذا اللون الجديد من نقد الواقع؛ تجلت ذروتها في وجود برامج خاصة لغرض السخرية أشهرها على الإطلاق برنامج البرنامج لباسم يوسف. وهذا يُؤكد من خلال مقولة بيجوفيتش أن الثورة هي محاولة لإنبات الحرية التي طال عليها الأمد، ولم يسعَ أحدٌ لبذرها في الأرض، فظلت كامنة تصرخ في صدور شباب هذا الجيل خاصة.

وبغض النظر عن الاتفاق والاختلاف مع السخرية كوسيلة لاذعة في انتقاد الواقع وبيان عوره على شاكلة “هم يضحك وهم يبكي”، فالمقصود هو بيان العلاقة بين السخرية والحرية. ومن هنا يُعد ميلاد ظاهرة برامج السخرية مع ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 تعبيرًا عن وجه الحرية، وجذورها المدفونة في الأرض. وبالنظر إلى ما قاله بيجوفيتش يمكن الفهم أيضًا أن النظام السياسي الذي جاء بعد الثورة متمثلاً في د.محمد مرسي لم يكن نظامًا طاغيًا. وهذا أيضًا لا يعني أنه لم يكن نظامًا بلا أخطاء، قد يكون به من الأخطاء والمشكلات ما لا يوصف، ولكن لا يمكن أن يوصف بالطغيان؛ والدليل تربع عرش السخرية متمثلة في كثير من برامج السخرية، وعدم وجود أي نوع من الرقابة على ما كان يُقدم.

وبالمثل تُمثل ظاهرة اختفاء برامج السخرية في النظام السياسي الحالي – كمنع برنامج البرنامج – مؤشرًا جليًا على كونه من الطغيان بمكان حتى وإن كان به من المحاسن ما به. ولكنه لا يُوصف إلا بالطغيان؛ لأنه كما قال بيجوفيتش أن الطغيان لا يتحمل السخرية. وكذلك يُعد اختفاء السخرية من المشهد خاصة مع إبقاء كل أشكال المعارضة الأخرى دليلاً على أفول الحرية بقدر كبير، ولكن استمرارها على شبكات التواصل الاجتماعي حتى الآن يبشر أن جذور الحرية لم تقتلع من النفوس، ويمثل هذا الفعل مقاومة سلبية لمفهوم الحرية المركوز في الفطرة.

فمن خلال مقولة بيجوفيتش، يمكن فهم ظاهرة ميلاد السخرية مع ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، وتمثلها في العديد من مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وتويتر وغيرها، ثم انتقالها إلى القنوات الفضائية ثم أفولها بعد ذلك في كل من الإعلام الرسمي للدولة والإعلام الخاص. ومن خلال العبارة المذكورة لبيجوفيتش يكمن فقه العلاقة بين الحرية والطغيان، وموقف النظم السياسية التي تتبنى هذه أو تلك من السخرية، ومن ثم يمكن قياس مقدار الحرية المتاحة في الأنظمة السياسية من خلال رصد نمو أو ذبول السخرية في كنفه.

والله من وراء القصد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد