مسئولية الحاكم كما حددها الفقه السياسي الإسلامي في إحدى مهامها؛ تكون في حسن التدبير والتصرف الحكيم تجاه ما يلزم الأمة في شئونها كلها، يعبر الماوردي (450هـ) وغيره عن هذا بقوله: (أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور، وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض …) [الأحكام السلطانية، صـ41]

إذا.. الحاكم في الإسلام ليس هو ذاك الذي تقتصر مهام عمله على قيادة الجيوش، وحماية الثغور، بل التدبير الداخلي، وحسن سياسة الناس، والنظر فيما يصلح معايشهم ومتطلبات دنياهم، موكول إليه ومنوط به، كما أن تصديه ومواجهته أي حصار يمكن أن يستذل الأمة أو يوقعها تحت رحمة من يتحكم فيما لا غناء لها عنه من لوازم الحياة الضرورية هي إحدى مهامه، والضرورات اللازمة لأي مجتمع تتطور مناحيها باختلاف الأزمنة، فرب ما كان بالأمس القريب نافلة، أصبح اليوم ضرورة لازمة لا يمكن العيش بدونها.

في هذا السياق لا بد أن نشير إشارة عابرة إلى ما يتملك المتأملون في حال الأمة اليوم من الحيرة الشك والأسى من قدرة القائمين -على شأنها وشأنهم – على الفكاك من الحصار الذي بات يملأ عليها وعليهم الحياة؛ إذ صارت محاصرة في معظم نواحي حياتها، وأصبح الجماء الغفير من أبنائها يوقنون أنه لا فكاك من هذا الحصار الناشب بأظفاره في كل نواحي معيشتهم. وأضحت فكرة سيطرة المنتوج الغربي خاصة الصناعي والتقني لا فكاك منه البتة عندهم، فلا سبيل لمجاراته، ولا طريق للتفوق عليه.

تسيطر هذه الروح غالبا حين تغيب روح الإبداع، وتتلاشى ملكة الابتكار بفعل الاستسلام للهزيمة والرضا بالدون والهوان ؛ فإحدى مشكلات عقل زمن الانكسار -الذي نحياه- عند بعضهم هو نظرته المستريبة لمجموع الفكر السياسي لإدارة الدولة في أزمنة التمكين التي حصّنت الأمة عشرة قرون كاملة.

يبدر معنا سؤالان، يترتب الثاني منهما على الأول، هما: هل تعرضت الأمة في أزمنتها المختلفة لنوعٍ من الحصار؟ وهل قدم القائمون عليها نماذج صالحة للفكاك من هذا الحصار؟

من مجموع المصادر الإسلامية التي تحدثت عن بواكير الحياة الأولى لمجتمع النبوة تكاد تطبق على أن المدينة التي نشأت فيها الدولة الإسلامية – كان المتحكم في الماء الذي يشربه أهل المدينة هو رجل يهودي يسمى ( رومة) ( المعارف، صـ 42، الاستيعاب: 1/320، تهذيب الكمال: 19/450) والماء بالنسبة للكائن البشري العنصر الأهم لحياته وبقائه، فالحضارات قديما نشأت على ضفاف الأنهار، وعزَّ أن تجد حضارة نمت وترعرعت بعيدًا عن ضفاف الأنهار ومصادر الماء الغزيرة . و(رومة) هنا شخصية يهودية شأنها شأن بني ملتها؛ مجبولة على الحرص،بعيدة عن الرحمة، تجيد المكر واهتبال الفرص، وانضاف لهذا أنه كان متحكمًا فيما لا غناء عنه في المحلة التي تشهد ميلاد دولة التوحيد الوليدة.

أدرك (رومة اليهودي) قيمة ما يملكه فأحسن استغلاله على الوجه الأتم، وكان على النبي – صلى الله عليه وسلم– الحاكم للمدينة ؛ أن يتصرف تجاهه بموجب المنازلة البعيدة عن الظلم والانتهاب وأخذ ما لا يحق، مع توافر القدرة والدواعي، فأطلق كلمته -صلى الله عليه وسلم- قائلا: (من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين) فاشتراها عثمان رضي الله عنه [البخاري تعليقا].

تمدنا بعض كتب السير والتاريخ ببعض تفاصيل الشراء، فلقد طلب عثمان –رضي الله عنه– من (رومة صاحب البئر) شراء البئر، لكنه رفض البيع أولا، وتحت إلحاح عثمان وطول المفاوضة رضي ببيع نصف الحصة لعثمان –رضي الله عنه– بثمن غالى فيه كثيرًا، وبعد تمام شراء الحصة جعل عثمان له يومًا ولـ(رومة) يوما، فكان الناس يستقون من يوم عثمان، ويحتفظون بالماء فلا يحتاجونه في يوم اليهودي، حتى باتت سلعته بوارًا، فجاء لعثمان صاغرًا قائلًا: (أفسدت على ركيتي فاشتر النصف الآخر، فاشتراه بثمانية آلاف درهم) [المعارف صـ42]

وهناك أقاصيص عديدة فيما حدث بعد شراء عثمان لحصته، تفتقر للضبط، لكنها بالغة الطرافة في تحول اليهودي واضطراره، لكن يبقى خلاصتها أن البئر كاملة صارت ملكًا لعثمان، ومن ثم ملكًا للأمة بمعزل عن تحكم غيرها فيها.

لقد كان هذا النموذج النبوي الابتكاري الذي قام به ذو النورين لفك الحصار عن احتكار ضرورات المجتمع، ضرورة لا غناء عنها، وتصرفا هادئا للخروج من تحكم خصم في ضرورة لازمة للأمة، لم يقف فيه النبي حائرًا ولا داعيًا يبتهل إلى الله أن يهيئ له رافدًا عذبًا يشرب منه، ويكون لاغيًا لما يملك ذاك اليهودي، بل حنكة ومنازلة، وإدارة وتصرف، وتوظيف لكوامن القدرة، واستغلال الطاقات، وتوجيهها الوجهة الفاعلة.

يأخذنا صاحب (الأحكام السلطانية) لزمن عبد الملك بن مروان، لنرى نموذجًا آخر للخروج من الطوق والاستقلال الإداري، الذي يصبح فريضة الوقت التي لا تحتمل النسيئة أو التسويف، فلقد كانت الدواوين موضوعة على لغة كل بلد فتحها المسلمون، وظل ديوان العراق بالفارسية حتى زمن أميرها الحجاج بن يوسف (95هـ)، وظن كاتب الديوان أنه يملك من القدرات ما لا يمكن للدولة ممثلة في شخص حاكمها من الاستغناء عنه، يقول الماوردي (450هـ): (وأما ديوان الفارسية بالعراق، فكان سبب نقله إلى العربية؛ أن كاتب الحجاج كان يسمى زاذان فروخ، كان معه صالح بن عبد الرحمن يكتب بين يديه بالعربية والفارسية، فوصله زاذان فروخ بالحجاج، فخفّ على قلبه فقال: صالح لزادان فروخ: إن الحجاج قد قربني، ولا آمن عليك أن يقدمني عليك، فقال: لا تظن ذلك، فهو إلي أحوج مني إليه؛ لأنه لا يجد من يكفيه حسابه غيري، فقال صالح – والله – لو شئت أن أحول الحساب إلى العربية لفعلت، قال: فحول منه ورقة أو سطرا؛ حتى أرى. ففعل، ثم قتل زاذان فروخ في أيام عبد الرحمن بن الأشعث، فاستخلف الحجاج صالحا مكانه، فذكر له ما جرى بينه وبين زاذان فروخ، فأمره أن ينقله فأجابه إلى ذلك وأجلّه فيه أجلا، حتى نقله إلى العربية، فلما عرف مردان شاه بن زاذان فروخ ذلك بذل له مائة ألف درهم ليظهر للحجاج العجز عنه فلم يفعل، فقال له: قطع الله أوصالك من الدنيا كما قطعت أصل الفارسية، فكان عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان يقول لله در صالح ما أعظم منته على الكتاب) [الأحكام السلطانية: 401].

هذا هو الشعور الذي سيطر على كاتب الديوان الفارسي أنه لا قدرة للدولة على الاستغناء عنه، ثم أعجب منه ولده الذي ساوم الكاتب بما يسيل لعاب أي رجل ينظر لنفسه دون أمته، ويغلب ما يريد على ما تريده منه الأمة.

هذا عن ديوان الدولة المكتوب بالفارسية، أما نقل الديوان من الرومية للعربية فكان بسبب ما فعله الكاتب من البول في محبرة الكتابة عوضا عن الماء الطاهر. الأحكام السلطانية: 400].

وهكذا لا تأمن الأمة أي أمة من انتهاك غيرها خصوصيتها وعدم اكتراثه بمحرماتها ما دام هو المتحكم في ما لا تقدر على الفكاك منه.

من هنا كان تحرير الأمة في مواردها اللازمة لمعيشتها ممثلا في فعل عثمان -رضي الله عنه– نموذجًا نبويًّا يجب أن يُحتذى دائما، كما أن تحريرها في وسائل إدارتها وضرورات شئونها نموذجا لتصرف الحجاج.

وفي هذا يمكن القول: إن الجماء الغفير من أفراد الأمة اليوم يتصورون أنه لا يمكنهم الاستغناء عن وسائل الاتصال والتواصل الحديثة التي تتحكم فيها القوى الغربية المناوئة في عمومها لنهضة الأمة وتبوئها دورها في الكون، وليس بإمكانهم تركها، ولم يقل لهم أحد إن تحرير الأمة بالاستغناء

عن تلك المنجزات، بل بابتكار ما هو أعلى نفعًا وأكثر فائدة وتقدمًا، وتمثل النموذج العثماني في قطع الاحتكار.

وخذ على هذا كل منجزات الحضارة الغربية في كل مناحي الحياة التي يجب التفكير فيما هو أبعد مما وصلت إليه.

وألا يقف التفكير عند حدود ما وصلت إليه، فقبل مائة سنة لم تكن تلك الأدوات تخطر على خاطرة أحد، وبعد مائة مثلها ربما أخذت الأرض زينتها وازينت، ووصلت لمرحلة القدرة عليها، وليس الإسهام في هذا وصناعته حراما، بل المحرم هو استغلال هذا في الطغيان، واعتباره دليلا على القدرة المطلقة.

وفي الختام فإن الأمة لا تحتاج للمتفوقين المميزين، بقدر ما تحتاج للعباقرة الذين يجيدون وضع أبسط الحلول لأعقد المشاكل بأبسط التكاليف، وهو ما سنعود إليه فيما بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الاستقلال
عرض التعليقات
تحميل المزيد