يصادف يوم الخميس 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021م، الذكرى 66 لاسْتِقلاَل المَغرب مِن الاحْتِلال الفرَنسي وَالإسباني، وهي محطةٌ بارزةٌ من محطات تاريخ المملكة العريق الذي امتدَّ لقرون عديدة، ناضل فيها الشعب المغربي لطرد الاحتلال الغاشم للبلد سُمي بـ: «الحماية» زورًا، وشكَلت، أي الذكرى، عنوانًا بارزًا لقيم النضال والوطنية التي تميز بها الشعب، استطاع بها أن يسترجع حقه المسلوب في النهاية.

إنَّ مِن المُهم جدًّا أَن نَدرسَ هذِه المحطّة التِي طَبَعَت مَرحلةً مهمةً مِن تَاريخنَا العَريقِ، لَيس مِن زَاويةٍ سياسيةٍ فقط، بل أيضًا منْ زَاويةٍ فكريةٍ وتأْرِيخية، لِمَا لذَلك مِن أهمية كُبرى فِي استِجْلاء نَظرة المفكرين المعاصرين لها، فنظرة المفكر تختلف كثيرًا عن نظرة السياسي صاحب القرار الذي يقارب الأحداث على مقتضى التكهن السياسي المبني على المصلحة، بينما يقاربها المفكر على مقتضى التأمل الفكري/ الفلسفي المبني على القيم، أي قيمة الحدث نفسه.

سَنقَاربُ هذِه الذِكرى حَسبَ رُؤية عبدُ الله العَروي لَهَا، الذِي عَايشَ أَطوَارَها، وَسَاهَم مِن مَوقعهِ الفِكري فِي تَأْريخِها وَالنضَال مِن أَجلِها، وَلَعَلَّ أَهَم كتَابٍ يُبرز لنَا نَظرته إلى هذِه المحطّة هو سيرته الذَاتية، التَي عَنونَها بِـ: «أوراق» الصادرة عن المركز الثقافي العربي، التي تحولت إلى مادة مقررة في المنهاج التعليمي المغربي، لذلك سنحاول من خلالها أن نتتبع تفاعل المؤرخ مع هذه الأحداث وفقًا لما جاء على لسانه في هذه السيرة الذاتية.

نبذة يسيرة عن عبد الله العروي

هو مفكر ومؤرخ وروائي مغربي، ولد يوم 7 نوفمبر 1933، فِي مدينة «أزمور» المغربية، لعائلة كان لها سلطة ونفوذ بالمنطقة في القرن 19، سافر إلى فرنسا لدراسة العلوم السياسية بمعهد الدراسات السياسية في باريس، وتزامن حصوله على الإجازة (البكالوريوس) مع حصول المغرب على الاستقلال، وواصل دراسته العليا ونال دبلوم السلك الثالث في التاريخ عام 1958، وحصل عام 1963 على شهادة «التبريز» (أستاذ مبرّز) في الإسلاميات، ثم حصل عام 1976 في السوربون على دكتوراة الدولة عن أطروحة «الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية: 1830-1912»، عاش تجربة سياسية بدأت في صفوف اليسار، ورافق المهدي بن بركة فترة غير قصيرة، وسافر معه في إطار حركة عدم الانحياز إلى عدد من الدول الغربية، ثم تركها وتفرغ للفكر والتدريس حتى تقاعد عنها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس في الرباط عام 2000، وتفرغ للتأليف والفكر. له مؤلفات كثيرة، من أهمها والتي لها صلة بموضوعنا: «مجمل تاريخ المغرب» سنة 1984، «أوراق» سنة 1989 وغيرها.

«أوراق.. سيرة إدريس (العروي) الذهنية»

اختار عبد الله العروي أن يسرد أحداث حياته على شكل قالب أدبي عبارة عن سيرة ذاتية غير مباشرة، وهي مجموعة أوراق خطَّها في مراحل مختلفة من حياته، فعمل على جمعها بخيط ناظم معلقًا عليها ومفصلًا في كثير من نقاطها، بل منتقدًا لبعض أفكاره الأولى التي تشكلت في بداياته الفكرية، لم يخضع في ذلك للتعاقب الخطي الزمني المنتظم، لكنه اعتمد ترتيبًا آخر «موضوعيًّا للأحداث» بدلًا عن «تأريخ زمني للأحداث» يبدأ بـ: «شبح شعيب»، ثم «العائلة»، ثم «المدرسة»، ثم «الوطن»، ثم «الوجدان»، ثم «الضمير»، ثم «الهوية»، مرورا بـ«العاطفة» و«الذوق» و«التعبير» انتهاء بـ«التأبين». وقد قدم عبد لله العروي نفسه في شخصية مركبة تتمازج فيه شخصيات رئيسية وهي: (شعيب- إدريس-الراوي) وسبب ذلك كما ذكر هو تحري الموضوعية في استعراض أحداث حياته، قال: «أراد إدريس (العروي) أن ينفصل على نفسه ليتأملها منعكسة في مرآة».

شعلة الوطنية المتقدة

لقد كان عبد الله العروي نموذجًا للشباب الحامل لهموم وطنه، المنتصر لقضايا بلده، الذي لم يقبل الاحتلال ولو كان بدافع «الحماية» كما يروج لذلك المستعمر الفرنسي، المكافح من موقعه في سبيل التحرر العسكري والسياسي والاقتصادي والفكري، لذلك لم يتوانَ وهو في سن صغيرة عن تتبع أحداث الوطن، وقد كانت بداية اتقاد الشعلة الوطنية الحقة لديه حينما أدرك خطورة الاستعمار الفكري للبلد، وسلبية مقولة إن الاحتلال الذي يصنع التقدم للبلد أفضل من الاستقلال الذي يعيده خطوات إلى الوراء، وتبلورت أكثر، أي الوطنية، عندما سافر إلى فرنسا لاستكمال دراسته، يحكي عن نفسه كيف شعر لأول مرة بقيمة «الأنا» التي تضخمت عنده بمجرد أن وطئت قدماه وطنًا لا ينتمي له، فأدرك معنى أن يقول: «أنا مسلم مغربي له خصوصية ثقافية وحضارية»، التي أجبرته على الاختلاف عما كان يفعله الطلبة المغاربة في دار المغرب بجناح الحي الجامعي بفرنسا من اتباع اللهو والانغماس في الملذات التي وجدوها في فرنسا، دون أن يهتموا بقضايا بلدهم الذي كان يرزح تحت الاحتلال، هم أنفسهم المجموعة الانتهازية التي ستهرول جريًا وراء المناصب المهمة في الدولة بعد حصوله على الاستقلال، النخبة الفاسدة، كما وصفها العروي.

كان يشغله سؤال: كيف يمكن التحرر من الاستعمار وبناء مغرب جديد على أفكار حداثية تيمنًا بالدول المتقدمة؟ فاختلف عن زملائه الذين كان يطغى عليهم الفكر المادي في اختيار مسار حياتهم، فاختار عبد الله العروي بحسه الوطني دراسة العلوم السياسية بدل الطب كما كانت تتمنى عائلته لأن لها مستقبلًا ماديًا زاهرًا، فاختار أن يكون وطنيًّا بدل أن يكون انتهازيًّا، فالوطنية عنده من الإيمان يقول: «.. يقال حب الوطن من الايمان، في هذه المقولة ما يكفي من الإبهام، لو لم تكن الوطنية فكرة لما كان الوطنيون قلة.. كالمؤمنين».

ظهر حسه الوطني أكثر في حدث رئيسي سيغير معادلة المستعمر في المغرب، وهو؛ ثورة إبراهيم بن الجلاوي على السلطان محمد بن يوسف لتنحيته من الإمامة والملك 14 أغسطس (آب)، وتنصيب نفسه مكانه متخذًا مراكش عاصمة له، أثر فيه هذا الحدث كثيرًا، فكتب عنه: «أين الأبهة؟ أين الملوكية؟ يعيش المسكين في نفس الديكور ولكنه سلطان زائف قزم. لا شيء يربطنا به.. المحمد الوحيد هو المعبر عن ضمير المغاربة، هو الذي يقول لا للغرب. وهذا الزائف الدمية يتكلم عن صداقتنا الدائمة لفرنسا..»، تشبث العروي بالسلطة الشرعية، واعتبر أن الواجب على المغاربة هو الكفاح ضد المستعمر من أجلها، وسببًا في توحيد النضال ضده في كل ربوع المملكة.

مساهمة عبد الله العروي في الاستقلال فكريًّا

انكب عبد الله العروي على الاهتمام بالقضية الوطنية دون أن يقيد نفسه بالحزبية الضيقة، وجه نقدًا لاذعًا اتخذ منحى فكريًّا على شكل مقالات، للمؤسسات التقليدية التي تتعاون مع إدارة الحماية، وعلى رأسها أتباع الطرق الصوفية، الذين لا يتحلون بالوطنية حسب رأيه، كونهم يرضون بما وقع من احتلال تحت مقولة أنه قدر الله الذي لا انفكاك منه، الشيء الذي جعله ينادي بثورة اجتماعية على النسق الفكري الذي كان يسود البلد وعقلية أبنائه آنذاك.

كما انتقد فكريًّا ما كان يروجه الكتاب المغاربة الذين يعيشون في الغرب، المعادون للتطورات التي كان يعيشها المغرب إبان نيله الاستقلال، خصوصًا الكاتب المغربي: «إدريس الشرايبي» الذي أصدر روايته «le passe simple» التي استغلتها – حسب العروي- الإدارة الفرنسية لتبرير سياستها الرجعية، اعتمدت على محتواها للقول بأن الحركة الوطنية حركة تمثل مصالح الطبقة البرجوازية المغربية، بالإضافة إلى المفكرين المعاصرين له، الذين انشغلوا بالميدان الذي اشتغل به، وعلى رأسهم المفكر الجزائري «مالك بن نبي» الذي انتقد مقولته عن: «القابلية للاستعمار» التي كانت تحكم نفسية شعوب شمال أفريقيا، وكانت سببًا في وقوعهم تحت الاحتلال الغربي.

وفي المقابل أعجب برجال الحركة الوطنية وعلى رأسهم «علال الفاسي»، رحمه الله، الذي قدم مساهمة كبيرة في طرد الاحتلال الفرنسي وإعادة الحيوية لحزب الاستقلال من خلال كتابه: «النقد الذاتي»، هو الكتاب الذي جعل عبد الله العروي يفكر لما بعد مرحلة الاستقلال التي يراها أهم من مرحلة الاستقلال نفسه؛ لأن على المغرب أن يبني ما خربه الاحتلال، ولا يتأتى ذلك إلا بامتلاك مشروع متكامل قابل للتطبيق، الشيء الذي وجده في كتاب علال الفاسي الذي اشتمل على برنامج للنظام الذي يقترحه لقيادة البلاد بعد الاستقلال، وفي هذا السياق عاب عبد الله العروي على المفكرين والفاعلين السياسيين المتحزبين عدم امتلاكهم مشروعات مختلفة تضمن في الأخير إغناء النقاش السياسي والفكري الوطني الذي سيتولد عنه نظام سياسي للمرحلة المقبلة.

كانت مساهمة عبد الله العروي الفكرية أيضًا، محاولته ترجمة رواية «الساعة الخامسة والعشرون» لكونستانس جيورجيو التي كان ينوي تصديرها بخطاب موجه للشباب المغربي بضرورة التشبث بالهوية الشرقية الإسلامية العربية وعدم تقليد الغرب كما فعلت روسيا في ثورة البلاشفة سنة 1917.

لحظة الاستقلال.. فرحة أم خيبة؟

كتب العروي في لحظة إعلان الاستقلال بعودة الملك من المنفى: «عيد العرش عيد انتصار الحق على الباطل.. انتصرنا على خصومنا دعاة الباطل وأنصار العنصرية المقيتة. وترجمنا انتصارنا إلى إصلاحات حققنا منها في بحر سنة واحدة ما عجزت عن تحقيقه فرنسا طيلة أربعين سنة..»، شعر كغيره من المغاربة بسعادة عندما انتصر الشعب على كل الصعوبات، وبيَّن أنه متحرر بطبعه فحصل على استقلاله، لكن هذه السعادة مؤقتة، بوعيه أن الاستقلال الحقيقي يتطلب وقتًا طويلًا، للانتقال من عهد الإقطاع إلى العصر الحديث، هذه السعادة امتزجت بخيبة الأمل لإدراكه للوهم الذي كان يعيش فيه وهو في فرنسا، حينما تخيل كغيره في عهد الحماية أن كل ما يوجد في الوطن هو ملك للمغاربة، فظن أنه أكثر تقدمًا، لكن خاب ظنه عندما أدرك أن كل ذلك ملك لفرنسا، كتب قائلًا: «وعند الاستقلال أدركنا بغتة أن كل ما كنا نشاهده هو ملك لفرنسا. بدت لنا الهوة السحيقة بين الواقع والأماني. فهمنا أن الانطلاقة ستكون من نقطة وطيئة جدًّا جدًّا».

خيبة الأمل هذه بالإضافة إلى تخبط حكومة ما بعد الاستقلال، المتمثلة في حزب الاستقلال الذي كان يقودها آنذاك، جعلته يفقد الثقة بالسياسة، فاختار أن ينغمس في حياته الخصوصية عندما طرد من الساحة العمومية فاتجه نحو التعبير، نحو الأدب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد