الأصل في الإنسان ألا يحيف على أخيه الإنسان ولا يظلمه، ولا ينظر بحسد أو غلٍ لما في يده من نعم، لكن النفس تجمح بأصحابها، وربما مالت بهم، بل كثيرًا ما تميل بهم، ولقد تحدث القرآن عن طبيعة الإنسان وما فيه من طباع تحيف به وتميل عن الجادة والحق، من هنا نشأ الفصل بين المتخاصمين على حسب طبيعة كل مجتمع، يختار في طريقة التقاضي بين أصحاب الادعاء ما يتناسب وطبيعته التي يحياها.

ولقد أولى الإسلام القضاء مكانة سامقة مرموقة، وضبط في ذات الوقت أركان التقاضي، فحذر من استقطاع الحق بمعسول الحجج ومهارة الجدل، كما حذر من شهادة الزور، وحذر القاضي من الميل في الحكم، أو أن يحكم في حالة نفسية أو مجتمعية تمنعه من القضاء بالحق.

ولقد ضبط الإسلام التقاضي بأركانه ضبطًا يمنع بمراعاته وقوع الظلم أو الحيف بطرفي الخصومة أو أحدهما، واعتبر حكم القاضي هو حكم الشريعة واجب النفاذ، ولا يجوز تعطيله، ولم يعتبر بالقناعات النفسية التي لا تتأيد بالشهود والأدلة في إلغاء الأحكام أو تأكيدها، فمهما كان الحكم الذي صدر وفقًا لقواعد التقاضي فهو واجب النفاذ.

كما ضمن الإسلام للقاضي مكانة تجعله يحكم بلا خوف، وينظر للقضية بلا وجل، فجعل ساحة التقاضي أعظم الساحات التي لا يجوز أن يتدخل فيها صاحب ولاية بأي تدخل يؤثر في سير الحكم أو يعطل العدالة، ومنع القاضي من الحكم مع المشوش كأن يحكم مع الغضب أو شدة الجوع، أو تحت وطء الخوف من أحد طرفي الخصومة.

ولقد فهم القضاة هذا تمام الفهم، وصانوا مكانتهم الاعتبارية من التحكم فيها أو التلاعب بها.

كما استقر في ذهن كثير من العلماء أن الأمير لا ولاية له في إلغاء حكم القاضي أو تعطيله، ولم يقبلوا بهذا ممن حاول من الأمراء مهما كان سبب التعطيل أو الإلغاء.

تدل هذه الواقعة على تلك المقدمة، فقد أوصى أنس بن مالك أن يغسله محمد بن سيرين، فقيل له في ذلك – وكان محبوسًا – فقال: أنا محبوس. قالوا: قد استأذنا الأمير فأذن لك في ذلك. قال: فإن الأمير لم يحبسني؛ إنما حبسني الذي له الحق، فأذن له صاحب الحق فخرج فغسله. [الأولياء: 2/267]

فرغم ما في وصية الميت من الجلال والهيبة، ورغم أنها كانت من أحد الصحابة الكرام، ورغم أنها وقتية لا تقبل التأجيل، إلا أن ابن سيرين لم يعتبر إلا بما هو أحق، فوصية الميت لا يترتب على تفويتها خلل شرعي يوازي التعدي على حكم القاضي، وإلغاءه بغير طريقه المعروف، وهو إذن من له الحق من خلال القاضي نفسه الذي أمر بالحبس.

هذا على مستوى الفرد العادي المحكوم عليه، أما كيف طبق القضاة هذا في سيرتهم، برفضهم عمليًّا تدخل سلطة الحاكم التنفيذية في أعمالهم وتصديهم لتعطيل الأحكام الشرعية، فتكشف عنه هذه القصة التي أوردها ابن حيان في أخبار القضاة: قَالَ عُمَر بْن هياج: أتت شريكًا امرأة من ولد جرير بْن عَبْد اللهِ وهو في مجلس الحكم فقالت: أنا بالله ثم بالقاضي، أنا امرأة من ولد جرير ورددت الكلام فقال: إيها عنك الآن، من ظلمك؟ قالت: الأمير موسى بْن عيسى، كان لي بستان على شاطئ الفرات ورثته عَن آبائي وفيه نخل، فقسمته بيني وبين إخوتي وبنيت حائطًا وجعلت فِيْهِ فارسًا يحفظ النخل، فاشترى الأمير من إخوتي حقوقهم وسامني أن أبيع فأبيت. فلما كان في هذه الليلة بعث بخمسمائة فاعل فقلعوا الحائط فأصبحت لا أعرف من محلتي شيئًا. فختم طينة، ثم قَالَ لها: امضي إِلَى بابه حتى يحضر معك، فجاءت المرأة بالطين، فأخذها الحاجب ودخل على موسى فأعلمه، فبعث بصاحب الشرطة إليه وقال: يا سبحان الله، امرأة ادعت دعوى لم تصح، أعديتها علي؟! فقال له صاحب الشرطة: اعفني، فأبى فخرج وأمر غلامه أن يتقدم إِلَى الحبس بفراش وغيره، فأدى الرسالة إِلَى شريك، فَقَالَ: خذوا بيده، فَقَالَ: قد تقدمت بما أحتاج إليه وعلمت أنك ستفعل، وبلغ الخبر موسى، فوجه حاجيه فقال: هَذَا من ذاك ما على الرسول؟! فألحقه بصاحبه فبعث إِلَى إسحاق بْن الصباح وجماعة من الوجوه فَقَالَ: امضوا إليه فقد استخف بي، فمضى وهو جالس في مسجده بعد العصر فلما أدوا الرسالة قَالَ: ما لي لا أراكم جئتم في غبرة من الناس، مَن ههنا من فتيان الحي يأخذ كل رجل بيد رجل إِلَى الحبس قالوا: أنت جاد؟ قال: حقًا، حتى لا يمشوا برسالة ظالم، فركب موسى إِلَى الحبس ليلًا فأخرجهم فبلغ شريكًا، فختم القمطر وتوجه إِلَى بغداد، فركب موسى في موكبه فلحقه بقنطرة الكوفة فجعل يناشده الله ويقول: تسببت وانظر إخوانك تحبسهم! قال: نعم لأنهم مشوا لك في أمر لم يجب أن يمشوا فِيْهِ ولست براجع أو يُردوا إِلَى الحبس جميعًا، وإلا مضيت إِلَى أمير المؤمنين فاستعفيته، فأمر بردهم إِلَى الحبس وجاء السجان، فأخبره ثم أمر أعوانه أن يردوا موسى إِلَى مجلس الحكم وجلس له وللجارية، ثم أخرج أولئك من الحبس وحكم عليه برد حائطها. [أخبار القضاة:3/171]

هنا تجلت سلطة القاضي في أبهى صورها، فلم يقبل شريح القاضي من الأمير التدخل بأي شكل في عمله، ولم يقبل الشفاعة ممن قام بها، وصمم على موقفه، ولما تجاوزت السلطة حدها خلع نفسه من القضاء وتركه بالكلية، فتدخل السلطة الحاكمة في القضاء أكبر مضيعة له، وهو البداية الحقيقية لأخذ الضعيف، وترك الشريف، كما أنه مدعاة للجور والحيف في الأحكام، وفوات الحقوق وضياعها، وكله مؤذن بالعقوبة العامة التي قد تمحو المجتمع بالكلية، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» [متفق عليه].

وبعد أن انتصر شريك للقضاء وحقه ووفى الحق لصاحبته، أصبح الأمير ذا حق لازم فوفاه له بعد انتهاء القضية، فأجلسه ودعاه بما يستحق من شرف الولاية، تقول الرواية: (ثم قام فأجلسه إِلَى جنبه وقال: السلام عليك أيها الأمير). [أخبار القضاة:3/171]

هكذا عرف القضاة الفرق بين حق التقاضي والخصوم، وبين حقوق أصحاب الولايات، فالكل في الخصومة عند القاضي سواء حتى إذا تم الوفاء عرف القاضي لكل ذي قدر قدره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد