أرى الإخوان وفق مواقفهم فريقين: «إخوان ثوريين»، و«إخوان نظاميين»؛ وأسميتُ الأولين ثوريين بصرف النظر عن نوع ثوريتهم أهي سلمية أم جهادية، إسلامية أم توافقية، وأسميت الآخرين نظاميين دون أن أسميهم إصلاحيين! لأن فكرة «الإصلاح» الأصلية أن تتحاشى الصدام مع النظام، وليست أن تقف مع النظام في خندق التخذيل ضد إخوانك المتصادمين معه.

في الحقيقة لم نر أعمال فريق الثوريين بعد بشكل كامل وإن كنا رأينا بعضها؛ مثل الأعمال النوعية في حلوان والفيوم وغيرها – أعمال تثبت فعلًا في حق الإخوان وليست التي يدعيها النظام عليهم – بينما رأينا أفعال فريق النظاميين طوال عقود وعقود.

ينبغي أن نستبشر بفريق الثوريين وإن خالفناهم في قضايا، وينبغي أن نكفر تمامًا بفريق النظاميين وإن اتفقنا معهم في قضايا.

أولًا لأن من طلب الحق فأخطأه هو خيرٌ ممن طلب الباطل فأصابه: وفريق الثوريين يطلب الحق (التحرر) وإن أخطأ والفريق الثاني يطلب الباطل (التعايش مع الظلم) وإن أصاب.

ومهما نادى الفريق الأول من توافق مع الجاهلية سأقبل بعض الحق الذي عندهم، ومهما نادى الفريق الثاني من إبقاء مصالح متوهمة سأرفض بقية الباطل الذي عندهم.

وأرى لكل الإخوان ولكل من هو ليس من الإخوان أن يؤيد فريق الثوريين ويدعو له ويقف لهم ناصحًا ومقومًا ورقيبًا، ويقف في وجه فريق النظاميين كاشفًا ومصادمًا وعنيدًا، فكل عاقل يرى مآلات ما يدعو له كل فريق! الأول يدعو إلى الأمام ولو بخطوة عرجاء، والثاني يدعو إلى الخلف بخطوات ثابتة أكيدة!

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو شهد في الإسلام حلفًا مثل حلف الفضول لأجاب إليه؛ وكان حلفًا لنصرة المظلوم من الظالم، فما بالنا والحلف في الإسلام من مسلمين.

ويبقى أنني أرى أيضًا تلاقح فكر فريق الإخوان الثوريين بالتوافق والاصطفاف مع الجاهلية، وهذا ما ننكره ولا نرضاه وعلينا منعه وتقويمه، لأننا لسنا في حاجة للاصطفاف مع الجاهلية بل نحن في حاجة إلى تصفيف الثورة بمشط ضيِّق لنستخلص من بين صفوفها قمل الجاهلية المتطفل اللعين الذي لن يلبث أن يبيع ويشتري في دماء الإسلاميين ويركب الثورة إذا نجحت؛ كما هو الحال في كل ثورات المسلمين في العصر الحديث!

وقد شهدت جماعة الإخوان انشقاقات شهيرة وعنيفة على طول تاريخها عندما تضربها الأزمات، انشقاقات يصنعها الطاغوت صنعًا أو تكون طبيعية يستفيد منها الطاغوت، منها سنة 1954 انشقاق الإخوان في سوريا: بين مؤيد للمراقب العام آنذاك «السباعي» وبين معارض له، ومنها قبله بسنة في 1953 انشقاق الإخوان في مصر بين مؤيد للمرشد العام «الهضيبي» وبين معارض له. وكان الانشقاقان بترتيب وقيادة عبد الناصر ومخابراته! والحقيقة أن انشقاقات الأزمات المصيرية ينبغي أن تصب كلها في صالح الطاغوت لأنه المستفيد الوحيد من اضطراب الجماعة في وقت لا بد أن تكون فيه على أتم الاستعداد وفي أقوى حالات الائتلاف والاستقرار.

ورغم أن الانشقاقين انتهيا بثبات القيادات الموجودة (على خلاف ما أدعو إليه في مقالتي هذه) إلا أن السبب لم يكن مجرد أنها قيادات تاريخية شرعية! لأن القاعدة الأصلية هي أن (العبرة بمن صدق لا بمن سبق) ولكن كان ثبات القيادات القديمة حينها بسبب انكشاف ميل الثائرين عليها إلى الطاغوت وقيادته لهم وتحقيقهم لمصالِحه وأغراضه؛ عن وعي منهم وعن غير وعي، فكان منهم المجتهد المخطئ وكان منهم الزنيم الأثيم. لكن الطاغوت لعب بالصنفين على أية حال وكما قال «محمد قطب»: (العميل المُستَغفَل يؤدي نفس دور العميل المأجور).

فمن الذي ترى الآن أخي القارئ أنه يخدم الطاغوت بوعي منه أو بغير وعي؟!

لقد كان «عصام العطار» حاضرًا فتنة سوريا وهو من هو في مواجهة الطواغيت بكلماته وبدماء أهل بيته بكل صدق ووضوح فكان مع «السباعي»، وكان «سيد قطب» حاضرًا فتنة مصر وهو من هو في مواجهة الطواغيت بكلماته وبدمائه ودماء أهل بيته بكل فداء فكان ضد الانقلاب على «الهضيبي»، وأنا هنا أدعوك لترى من خلال منظار «العطار» و«قطب» وتحكم بين الفريقين المتصارعين الآن على قيادة الجماعة من خلال ذلك المنظار! مَن مِنَ الفريقين أقرب إلى الحق والحرية والعدل؟ من أقرب إلى الإسلام الذي تغنَّى به الإخوان قرنًا من الزمان عملًا: دعوةً وجهادًا؟ مَن مِن الفريقين كان ليكون العطار وقطب معهم إذا كانوا حاضرين الخلاف؟ وأي الفريقين يخدم السيسي كما كان أحد الفريقين يخدم عبد الناصر بوعي أو بغير وعي؟!

الأمرُ إليك في الحكم سواء كنت من الإخوان أو مستقلًا، لكنني قد حكمت!

وختامًا يجدرُ بي أن أوجِّه رسالتين؛ واحدة لكل فريق، وليس من كلامي بل من كلام الأستاذ عصام العطار الذي خاض في مرحلة من حياته صراعًا على القيادة كهذا وكان هو خارج سوريا ضعيفًا وفي داخلها إخوانه يعملون، فتنحّى مفسحًا المجال لمن على الأرض وفي الميدان.

أما الرسالة الأولى فكأنه صاغها للإخوان الثوريين، وقد قال: “نحن لا نقارع الباطل بسيف الباطل ولكن بسيف الحق، ولا نحارب الباطل من أجل باطل آخر، والحق هو الوسيلة وهو الغاية وهذا ما يميزنا عن كثير ممن يخوضون المعارك ويحملون السلاح”.

وأما الثانية فكأنه صاغها للإخوان النظاميين، وقد قال: “ما أشجع الدليل الذي يترك القافلة لسواه إن فقد القدرة على القيادة، أو كان على القافلة أن تقطع أرضًا جديدة يجهلها وقد علمها سواه أو خبرها أكثر منه”.

والله يهدي المخلصين إلى سواء السبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد