من المفارقات العجيبة أن تعيش في بلد يُصنف بوصفه الثاني عالميًّا في الكثافة السكانية، والأول عالميًّا في احتضان المئات من الأديان المختلفة فضلًا عن التنوع الأيدلوجي المنحدر داخل الدين الواحد نفسه، كما أنه يُعد من أكثر المجتمعات المستوطنة بالثقافات والأعراف والتقاليد المتنوعة، والأكثر تنوعًا في الألسن واللغات والطبقية، وعلى هذا الصعيد فقد تناولت بعض الدراسات الإحصائية أن عدد اللغات المتواجدة على الجغرافيا الهندية ما يزيد عن 400 لغة منطوقة ومستخدمة، ومما يلفت الدهشة أنك قد تزور ولاية أو مدينة هندية، فتُفاجأ بأن قاطنيها لايفهمونك عند محادثتهم بلغتهم الرسمية والشائعة في معظم ولاياتهم، فحينها يخيب ظنك، ويراودك الشك أنك خارج إطار خارطة الحدود الهندية، ولكن سرعان ما تعيد النظر عن تاريخ وجذور الحضارة الهندية حينها ستدرك حتمًا أن هذا أمر طبيعي للغاية أن لا يفهمك أحد، وأن ذلك يُعد من الأمور البديهية لدى الهنود نتيجة التنوع الجغرافي والثقافي المحاط بهم.

هنا يأتي التساؤل، ما السر الذي يكمن في بناء وتشييد هذه الثقافات واللغات والأديان العريقة تحت سماء وتراب واحد، وجغرافيا يُطلق عليها القارة الهندية؟!

السر لن يخرج عن إطار التفسير الذي تسنه أو تقرهُ النواميس والأديان السماوية بأن ثقافة التعايش المعززة بالاندماج الاجتماعي تخلق عالمًا في رحم العالم الذي نعيش فيه، وأن خلاف ذلك ينافي وجود بقاء البشرية على قطعة أرض سكنية تستوطنها أبدان وأرواح بشرية تحمل الكم الهائل من الأفكار والمعتقدات واللغات والرؤى المتفاوتة.
إلا أنه من المرجح منطقيًّا أن تعداد السكان بمختلف العوامل الذي تشوبه من اختلاف عقائدي وعرقي وديني ولغوي، وأيدلوجي بشقية – الديني والحزبي – يولد إرادة صارمة من قبل الحكومة الهندية في جدية سن دستور وقوانين تسعى في تنظم شؤون الحياة، والعمل على غرس ثقافة التعايش بكل اللغات، إذ لا بقاء للجنس الهندي إلا إذا تجسدت روح التعايش لدى المواطن الهندي أيًّا كان انتماؤه، وأن لا سبيل للعنصرية والطائفية الدينية بين ظهراني قانون فعلي يحتكم إليه الكبير والصغير، وأن لا قيمة ولا اعتبار لنظرية أن القوي يأكل الضعيف أو بمعنى آخر أن الأسماك الكبيرة تأكل الأسماك الصغيرة.

في الحقيقة نعيش بين مجتمعاتهم المتنوعة، فلا نستطيع بكل بسهولة معرفة تمييز انتماءاتهم الدينية عن بعضهم بعضًا إلا في المناسبات والأعياد الدينية من خلال الزي الملبوس، والعلامات أو الرموز التي يحملونها على أبدانهم، وبحسب تقديري لا أبالغ إن قلت: إن الانتماء الديني بالنسبة – للأجيال الأخيرة – صار شبيهًا بالانتماء السياسي، والذي تناضل من أجله الأحزاب السياسية من أجل الوصول إلى سدة الحكم وإدارة شؤون البلد دون صراع سياسي يخلف آثارًا دامية فيما بينهم.

الجدير بالذكر من خلال القراءة الأولية لهذا العالم المليء بالتنوعات الدينية والسياسية والثقافية والطبقية، أن الدستور الذي يستندون إليه دستور شبه علماني، يحمي الأديان ولا يفرض على نفسه دعمها بأي شكل من الأشكال.

ومع كل هذ الاعتبارات المتغلغلة بين الوسط السكاني المتعدد الأعراق بين اليونانيين والآربيين والمغول والشعوب المنحدرة من وسط آسيا، والى من تعود أصولهم إلى السلالة العربية والترك والأفغان وغيرهم إلا أنك تجد للتعايش اعتبارًا يستحق أي يُذكر في قاموس البشرية؛ فعندما تتأمل على ملامح الجنس الهندي ستجد من تميل بشرته إلى اللون الفاتح والملامح الدقيقة وهؤلاء من ينتمون إلى إقليم كشمير، بينما تنعدم هذه الصفات مثلًا في ولايتي «تاميل نادو وكيرلا» بجنوب الهند، حيث هذا التنوع متعدد الأشكال، ولم يقتصر بالعرقي واللغوي فحسب؛ بل من أشهر التنوعات التي تحتوي القارة الهندية هو التنوع الديني؛ نظرًا لكثرة الأديان المتواجدة على أراضيها، والجذور التاريخية العريقة التي مرت بها، وحتى تتضح الرؤية الإحصائية لهذا الأخير، فإن الديانة الهندوسية تفوق الديانات الأخرى عددًا، إذ تصل نسبة منتميها إلى 80% تقريبًا، بينما تليها الديانة الإسلامية 13.4% ثم تليها بقية الأديان من مسيحية وسيخية وبوذية وغيرها من الأديان وفقًا للتقارير الإحصائية المنشورة على الشبكة العنكبوتية .

وعلى سياق الحديث عن التعايش إلا أن – ثمة – اختلالات سبق وأن حصلت بين جماعتي – الهندوس والمسلمين – في إثرها خلفت الكثير من الآثار التي تنافي مبدأ التعايش بينهم منها إفزاع السكينة ونشر القلق بين أوساط المجتمعات الهندية، وتعطيل بعض الأسواق التجارية ترقبًا لما سيحصل، ولكن سرعان ما قامت به الحكومة الهندية من جهود حثيثة في إخماد فتيل الكراهية، و تهدئة الصراع بين الطرفين، إيمانًا بمبدأ التعايش والتسامح والحرية الدينية المتعارف عليها دستوريًا منذ عشرات العقود، وتقرير العقوبة اللازمة لمن يتعدى على الآخر كما هو منصوص عليه في المادة في المادة (295): «كل من يحاول بسوء نية وبقصدٍ مبيَّت المس بالمشاعر الدينية من المواطنيين سواءً بالكلمة المكتوبة أو المنطوقة، أو باستخدام علامات معينة، أو سب ومحاولة القيام بذلك، سيكون تحت طائلة القانون الذي يعاقب إما بالسجن لمدة 3 سنوات على الإساءة للمشاعر الدينية أو الغرامة، أو هما معًا»
وتعزيزًا لنص المادة المذكورة سلفًا ما لمسناه مؤخرًا من جهود ممثلة من قبل الحكومة الهندية من
منع تداول الصور المسيئة للنبي الأعظم محمد (ص) على منصات المواقع عندما نشر الفيلم المسيئ لنبينا في السنوات الأخيرة، كما بادرت باتخاذ التدابير اللازمة في حجب موقعي «فيسبوك» و«يوتيوب» لمنع إثارة النزاعات الطائفية والدينية المؤدية الى تقسيم النسيج الهندي، وبث الكراهية بين المجتمع الهندي، ولم تتوقف هذه الجهود إلى هنا فحسب، بل استنكرت بأشد العبارات ما جاء فيها من إساءة للدين الإسلامي، والتي تمس بمشاعر مليار مسلم على وجه المعمورة، بالمقابل أدانت أيضًا بعض من الطوائف الدينية مثل هذه الاستفزازات الحاصلة بحق المسلمين.
وتفسيرًا لهذه الجهود المبذولة من الحكومة الهندية في ترسيخ هذا المبدأ فبحسب تقديري يمكنني القول حتى وإن تخلل بعض القصور من اضطهاد بحق الأقلية نتيجة الجذور التاريخية للتوتر الطائفي الحاصل مثلًا بين المسلمين والهندوس في شبه القارة الهندية، فإن خناق الاضطهاد يختلف زمانًا ومكانًا حسب طبيعة القائم بسياسة البلد، وإن كلتا الطائفتين حافظتا على نمط التعايش بينهما، وهو أقرب إلى «التعايش السلمي المنشود» فلم يدخل الطرفان في صراع طائفي ممتد أفقيًّا أو زمنيًّا، ومع ذلك ما زالت هناك «هوة نفسية» بينهما ناتجة من عدة عوامل من أهمها: سياسات الاستعمار البريطاني، والإرث التاريخي المتمثل في آلام انشطار شبه القارة الهندية إلى بلدين على أسس دينية كما هو حاصل حتى اللحظة التي نعيشها .

وبطبيعة الحال فإن لكل شخص ولكل كيان بشري تكوينه وخصائصه ومنطلقاته وأهدافه وجوهره وشكله وفهمه وتشريعاته ومنهجة وقوانينه الخاصة به، وإلهه الذي يعترف به حتى لا يتحتم الصدام بين البشر بعضهم ببعض، مع ملاحظة أن هناك فارقًا كبيرًا بين الاعتراف بالوجود والحقوق، وبين الموافقة والاعتقاد حتى يتم تجسيد مبدأ «نحمي الأديان، ولكننا لا نتبنى دعمها».

ختامًا وأخيرًا؛ يمكنني القول إن منهج العلمانية المتبع في القارة الهندية هو الأنسب والأصلح لبلد تكتنفه التعددية الدينية والعرقية، إذا مُورست بشفافية، وفي ظل رقابة داخلية وخارجية، وأنه كفيل بأن يجسد مبدأ التعايش بشتى معانيه – لاسيما – بحق الأقليات مدعمًا بتضافر الجهود بين كل قيادات ومرشدي الأديان والأحزاب السياسية على الساحة الهندية، كما أتمنى حق التمني أن يعتبر زعماء وقيادات وشعوب الأنظمة العربية، وبالأخص أبناء بلدي – اليمن – بهذه التجربة ليحل على بلدنا الأمن والسلام رغم وجود التقارب الجوهري بيننا دينًا ولغةً وقوميةً واحدة، وأن نغلب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية أو الطائفية بأي حال، حتى يحتذى ويضرب فينا المثل بعد صراع مرير عشناه، ونكون عنوانًا بارزًا يتصدر أي حديث يتناول التعايش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد