(1)
تشكل العمالة الهندية في الخليج الرقم الأكبر بين الجاليات الأخرى؛ فوفق تصريحات الحكومة الهندية عبر الإحصاءات التي قدمتها البعثات الدبلوماسية الهندية في دول مختلفة، فإن مجموع العمال الهنود في السعودية يبلغ مليوني عامل، تليها الإمارات بعدد عمال هنود يبلغ 1,8 مليون عامل، أما في الكويت فقد بلغ عدد العمال الهنود 641,062 عاملا، في عمان 581832 عاملا، في قطر 500 ألف عامل، في البحرين 400 ألف عامل، وبذلك فهي تشكل 85% من مجموع العمالة الوافدة في الخليج، بينما في العراق يوجد بها 16000 عامل هندي، لبنان عشرة آلاف عامل، الأردن تسعة آلاف عامل، وأخيرًا ليبيا 1800 عامل فقط.

ووفقًا لتقديرات سعودية يقدر عدد العمالة الهندية في السعودية بمليون وخمسمائة ألف هندي مقيم بالسعودية وذلك بحسب إحصاءات عام 2000 وكانوا يشكلون 7٪ على الأقل من سكان المملكة في تلك الفترة، وفي عام 2013 بلغ عدد الهنود في السعودية مليونين وأربع مائة وخمسين ألفًا ويعتبر الهنود من أكبر الجاليات في المملكة العربية السعودية.

العمالة الهندية ونشاط سفارتها في تلك الدول مع نشاطات الجالية الهندية تشكل جزءًا كبيرًا من حيز المهتمين بالعمالة الوافدة لتلك الدولة، هذه الأنشطة التي وصفها البعض في بعض دول الخليج بأنها تشكل أكبر اللوبيات تأثيرًا على الوظائف ومجال الأعمال في الخليج، فمن المعلومات الغريبة على البعض أن الهنود شكلوا “لوبي” مسيطرًا على مفاصل اقتصاد دولة عُمان، بل يعاني الشعب العُماني أمر الشكوى بسبب تزايد أعداد العمالية الهندية والباكستانية بشكل كبير وملحوظ مما أثر على البطالة لسكان البلد الأصليين، مما أنشأ حالة من حالات الكره لهذه السيطرة، ومما أدى إلى ذلك هو تجنيس بعض العمالة الهندية الوافدة من الهندوس الذين قاموا بعمل مساعدات ضخمة لصالح أبناء جلدتهم مقابل المواطن العماني.

وحول تجنيس العمالة الهندية في الخليج، هذا الموضوع الذي فتح عاصفة من الجدل وسط مطالبات هندية بتجنيس العمالة الهندية ومنحها حقوقًا سياسية وعدم تحديد مدة لبقائها في الخليج باعتبارها عمالة مهاجرة لا عمالة وافدة، وهو ما صرح به جهات رسمية هندية، لاقت هذه الطلبات عاصفة من الرفض الخليجي الذين يرون بأن مثل تلك الخطوات تُعد ضربًا للهوية الثقافية والفكرية والمجتمعية في الخليج، وكانت أكثر الدول التي تمت فيها طلبات التجنيس بصور رسمية بصفة مستمرة البحرين، عمان، والإمارات.

وعلى سبيل آخر تقوم السفارات الهندية بالخليج باتخاذ إجراءات تخص العمالة الهندية، وخاصة العمالة الخدمية – الأكثر معاناة -، ففي بعض دول الخليج اتخذت السفارات الهندية إجراءات بحظر سفر مواطنيها بمهنة سائق خاص إليها ما لم يكن راتبه يتعدى راتبًا مقبولًا مع بدلات إضافية حسب ما أفاد متعاملون في مكاتب الاستقدام في تلك الدول، فيما لم يتبين بعد ما إذا كان الإجراء الجديد يخص فئة السائقين فقط أم يشمل جميع المهن المتعاقد عليها.

وحسب العقد الجديد الذي أبرمته السفارة الهندية لعمالتها في بعض دول الخليج فوضت السفارة الهندية نفسها أن تتفقد بيوت المواطنين وشركاتهم للقاء جاليتها وتفقد أحوالهم مع أرباب العمل، وامتدت إلى المطالبة بتحمل الكفيل تبعات أخطاء مكفوله الجنائية أو السلوكية بما في ذلك دفع الدية تجاه الغير نيابة عنه، وتلك الإجراءات نالت استهجانًا خليجيًا كبيرًا على الوسائط المجتمعية أو في وسائل التواصل الاجتماعي، مما دفع البعض إلى عدم الاهتمام باستقدام العمالة الهندية، والبحث عن عمالة أخرى نكاية بهذه الأخبار المتداولة والتي وصفها البعض بأنها استفزازية، ولكن الشاهد من هذه الشواهد بعيدًا عن بعض التفاصيل، كل ذلك يدل على مدى اهتمام الهند ووزارة خارجيتها وشئون سفارتها بالعمالة الهندية الوافدة.

وعلى سبيل الجالية الهندية نفسها (المجتمع المدني الهندي)، تقوم الجالية الهندية بالسعودية بعمل اجتماع للجالية سنويًا، يهدف الاجتماع إلى تذليل العقبات أمام العمالة الهندية الوافدة وتدريبها وتطويرها وعلاج مشاكلها، الاجتماع يتكون من عدة محاور منها مؤتمر عام وورش عمل وحلقات نقاش وعلى هامش بعض أجزاء المؤتمر يحضر وفد رسمي حكومي سعودي من عدة جهات حكومية للتواصل معهم، يقام الاجتماع في أحد الفنادق الشهيرة، ومنذ أكثر من عام كان الاجتماع مقره فندق إنتيركونتينتتال بمدينة جدة أحد أفخم فنادق السعودية.

الاجتماع السنوي الذي يضم الآلاف من الجالية الهندية بتنوع لشتى المجالات التي تعمل فيها العمالة الهندية في السعودية بكثافة (المقولات، البرمجة، المنزلية، القطاع الطبي والصحي، المحاسبين، الهندسي، تكنولوجيا المعلومات، والأعمال الخدمية مثل السائقين وغيرهم…) ويساعد الاجتماع على تذليل العقبات أمام العمالة الهندية وتحديد رؤية معينة إلى القطاعات التي تهدف الجالية إلى تنمية عدد العمالة فيها لتصبح على الأقل توازي عدد العمالة الخدمية، وذلك لتقديم صورة جيدة عن الهند، ومحاولة تذليل العقبات أمام الموظفين ومشاكلهم مع أرباب الأعمال، ويهدف رؤساء الشركات الهنود ومن يتولون مناصب عليا في شركات بالسعودية إلى زيادة نسبة العمالة الهندية كل عام وتدريبها وتطويرها.

بالطبع تعاني الجالية الهندية معاناة كبرى أيضًا بالرغم من ذلك الاهتمام فالتحديات التي تواجهها كبيرة، ومهما قامت بعض المنظمات التي تمثل الجالية بأي نشاط لتطوير وحل تلك المشاكل تظل عوائقها كبيرة، وعلى الأقل فالجالية الهندية مهتمة بالقطاعات الحساسة وعدد من العمالة الهندية يستفيد من تلك الأنشطة، ولكن الاهتمام بحد ذاته والنجاحات لحل بعض المشاكل يعد نجاحًا في ظل حالة من عدم الاهتمام التي يعاني منها عددٌ من الجاليات في السعودية وغيرها.

وذلك ليس غريبًا على الهند والتي تلقب بأنها أمة من العباقرة والكادحين والمهرة. فنحو واحد من كل خمسة من جميع العاملين في حقل الرعاية الطبية وطب الأسنان في المملكة المتحدة من أصل هندي، وواحد من كل ستة علماء موظفين يحملون درجة الدكتوراة في العلوم أو الهندسة في الولايات المتحدة آسيوي، بل إن هناك من ادعى مع مطلع الألفية الجديدة أن ثلث المهندسين العاملين في منطقة وادي السيليكون هم من أصل هندي، كما يدير الهنود 750 شركة من الشركات التقنية هناك.(1)

(2)

وفي سبيل آخر مختلف تمامًا تقبع الجالية المصرية في أي دولة دون أدنى اهتمام أو رعاية، بل على العكس عندما تقوم الجالية المصرية في أي دولة بعمل أي تجمع يهدف إلى تطوير وتذليل عقبات الجالية المصرية يكون أول تخوف في السفارة المصرية هو امتداد واتساع تلك الكيانات والاهتمام بالقضاء على تلك التكتلات، لكي لا تكون أداة ضغط أو توجيه النشاط توجيهًا سياسيًا أو فكريًا معينًا، فدائمًا إما تضرب أو يتم تفشيلها أو أن تتحول تلك الكيانات لتكون موالية تمامًا فيصيبها داء البيروقراطية المصرية الموجودة في سفارتنا.

بل معظم النجاحات التي رصدت للجالية المصرية في الخارج نجحت خارج إطار علاقة السفارة بهذا النجاح، ولو اشتركت السفارة في وقت ما يكون بسبب التوجه الفردي للسفير أو العاملين بالسفارة وليس كسياسة عامة للسفارة أو توجه للخارجية المصرية.

ويكفي ما يحدث في إدارة الأزمات في وزارة الخارجية حين حدوث أزمة أو كارثة مثل إجلاء الرعايا المصريين في أي دولة فلا تجد الجالية أي مجيب أو معين من الجهات الرسمية، ولا تجد حتى مراجعة عقود العمالة المصرية ومعرفة أزماتهم ومشاكلهم مع أرباب العمل.

وما هو السبيل للمصري الذي يتعرض لمشكلة قانونية وكيفية حفاظ حقوقه، مئات المصريين السجناء بسبب خلافتهم مع الكفيل ومع أرباب العمل وتغلق السفارة الأبواب في وجوههم ووجوه ذويهم بل تطرد البعض منهم، بل يتعدى الأمر إذا كان رب العمل من الشخصيات النافذة فيقف حجر عثرة ضد وقوف الخارجية أو إطلاعها على الأمر في شأنٍ يخص مواطنًا مصريًا.

وفي ذلك حالات كثيرة طغت على السطح الإعلامي وكانت مثار جدل إعلامي وصحفي كبير، وما خفي من قصصٍ لمصريين لم تصل قصصهم للإعلام كثير جدًا، لا نقول رعاية وتطوير وتدريب وإرشاد ومساعدة الجالية مثل ما تقوم به الجالية الهندية ولكن حتى أقل القليل والمفترض أن نقوم به لا نقوم به من الأساس.

ذلك من الناحية الرسمية بينما من الناحية الأخرى تعامُل المصريين مع بعضهم في الخارج، للأسف صنعوا أسوأ انطباع للعمالة المصرية، وللأسف هذه الصورة أصبحت صورة عامة إلا ما رحم ربي، ففي بعض التقديرات وصلت إلى أكثر من 150 ألف مصري بالسعودية يعملون بطرق غير مشروعة بسبب التخلف عن العمرة أو الهروب من كفلائهم، والقصص المنتشرة للمصريين الذي من الممكن أن يصل بهم الحال بأن يشي المصري بمصري آخر في عمله، ويقوم بالضغط على أرباب العمل لترحيل زميله المصري بزعم أنه لا يقوم بعمله على أتم وجه، ويزعم أن باستطاعته هو أن يقوم بذلك في مقابل أن يزيد راتبه ريالات أو دراهم قليلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد