أكبر ديمقراطيات العالم، على المحك، إذ تجري عمليات تقليص المعارضة إلى أدنى حد، بينما تغذيّ الأغلبيّة، الانقسامات الطائفية. في أي وقتٍ مضى، من تاريخ الهند القريب، لم تكن الشكّوك حول الديمقراطيّة العلمانيّة في الهند، مكشوفةً أكثر مما هي عليه الآن.

لقد أدتْ عودة حزب «بهاراتيا جاناتا» أو «حزب الشعب» القومي الهندوسيّ العام الماضي، تحت قيادة رئيس الوزراء القوي ناريندرا مودي، إلى استقطابٍ سياسي حاد. ومن الواضح الآن، أنّ مودي يشعر بأنّه مخوّل فوق العادة، لمواصلة سياساتٍ رجعيةٍ وطائفيّة، في مسرحه الهندوسي بلا كلل.

إلغاء الوضع الخاصّ بـجامو وكشمير، وتطبيق حالة الطوارئ، في دلهي العاصمة، واعتقال المعارضين وعسكرة الدولة، وصولاً لإصدار «تعديل» قانون المواطنة (CAA)، الذي يميّز صراحةً ضدّ المسلمين، وإطلاق العنان للمخربين، والعصابات الفاشستيّة في الشوارع، وضد الصحافيّين، والنخب الأكاديمية بصورةٍ سافرة، لترهيب المنشقين، شاهد على هذه السياسة.

في الوقت نفسه، اكتشف معارضو حزب «بهاراتيا جاناتا» صوتًا جديدًا في الأسابيع الأخيرة، حيث خرج الملايين إلى الشوارع للاحتجاج، متحدّين العنف، الرسميّ والشعوبيّ.

من السهل رؤية وتحليل هذا الاضطراب باعتباره؛ نتاج السياسة المحليّة بالدرجة الأولى. بعض الأسباب الجذرّية، ليست خاصةً بفرادة المجتمع والتاريخ الهنديّ، ولكن، الكثير منها له صدىً أوسع.

تم تخفّيف الصعود الانتخابيّ لحزب «بهاراتيا جاناتا» من خلال الاتجاهات المألوفة عالميًا: كالاستياء من النخب الليبراليّة، والانهيار في النظام القديم (الذي يمثلّه هنا حزب المؤتمر الهنديّ)، والغضب من تأثيرات العولمة، وعدم المساواة، وصعود القوميّة الراديكاليّة، واستغلال الانقسامات الطائفيّة.

في العقود التي تلت الاستقلال عام 1947، كان حزب المؤتمر، الذي قاد النضال من أجل التحرّر من الحكم البريطانيّ، يحكم الهند تقريبًا، باعتبارها إقطاعيّةً عائليةً، لسلالة نهرو غاندي. حتى التسعينيات، لم يجد السخط الشعبيّ صوتًا وطنيًا.

لقد كان حزب «بهاراتيا جاناتا» الطائفيّ، المتأصل في فلسفة «هندوتفا» أو الشوفينيّة الهندوسيّة، التي أصبحت في نهاية المطاف، أداة الغضب المناهضّ للمؤتمر الهنديّ.

أدى تحرّير السياسة الاقتصاديّة من التسعينيات إلى زيادة النمو. خرج أكثر من 270 مليون هنديّ، من الفقر بين عامي 2005 و2015، لكنّ ثمار النمو ترّكزت بشكلٍ متزايدٍ في أيدي الأوليجارشيّة الحاكمة.

في الثمانينيّات، حصل أغنى 1٪؜ من الهند على 6٪؜ من الدخل القومي. اليوم، نجد أنّ 1٪؜ من السكان يملكون ما يزيد عن نصف الثروة، تاركين النصف الأكثر فقرًا من سكان الهند يحصل على ما يساوي 4.1٪؜ فقط من الثروة الوطنيّة.

لقد اغتنم حزب «بهاراتيا جاناتا» الغضب من هذه التباينات، حين قدم نفسه مخلّصًا للمواطن العادي، ضدّ النخب الثريّة والسياسات العالميّة، بينما يخوض غاضبًا في الكراهية الشوفينيّة.

قبل وقتٍ طويلٍ من وصول حزبٍ «بهاراتيا جاناتا» إلى السلطة، أظهر حزب المؤتمر استعداده لاستغلال السياسة الطائفية لتحقيق مكاسب انتخابية.

كانت نقطة التحوّل، كما يلاحظ المؤرخ ديليب سيميون، عام 1984، وهو العام الذي اغتيلت فيه رئيسة الوزراء أنديرا غانديّ، على أيدي اثنين من المعارضين السيخ، الغاضبين بسبب اقتحام المعبدّ الذهبيّ في أمريتسار. أدى اغتيال السيدة غانديّ إلى مذابح ضدّ السيخ، وأثار فتنةً لم تنخمد، وأغضب سياسيّي المؤتمر الهنديّ، الذين وضعوا تحت الرحى. قتل ما لا يقل عن 3000 من السيخ.

يلاحظ سيمون أنّ العنف، وضع معيارًا جديدًا لتطبيع الوحشيّة، والخروج عن القيم الهنديّة والقانون في النظام الهنديّ، وكان بمثابة مضاعف القوة لحزب «بهاراتيا جاناتا».

بعد مرور ثلاثة عقود، يواصل العديد من السياسيّين في حزب المؤتمر الهنديّ، متابعة ما يسميّه أحد الأعضاء، شاشيثارور، بسياسات «الهندوتْڤا- لايت». وبعيدًا عن دعم حزب المؤتمر، فقد ساعد في تقوية حزب «بهاراتيا جاناتا».

في حال أثارت اضطرابات الهند أسئلةً حول الديمقراطيّة والعلمانيّة في الداخل، فإنها تحمّل أيضًا دروسًا في المعارك السياسيّة في أماكن أخرى. والسؤال الرئيسيّ اليوم يدور حول من يصنع شكلاً سياسيًا من السخط الشعبيّ؟

الاغتراب عن النظام السياسيّ القديم ظاهرة عالميّة، سواء تم التعبير عن هذا النظام، في حركات التحرّر، التي أثبتّت فسادًا إداريًا واسعًا كما في الهند وجنوب أفريقيا، أو من خلال الأحزاب الديمقراطيّة والاجتماعيّة المحافظة المتعثرة، كما في أوروبا.

غالبًا ما تكون حركات المعارضة التي تعبّر عن السخط طائفيّة الشكل – وهي طائفية قد تكون متجذرةً في الهوية الدينيّة أو العرقيّة، كما هو الحال، في الهند أو تركيا، أو يتم التعبير عنها في معاداة المهاجرين والمسلمين والأقليات، كما هو الحال، في معظم الدول الغربيّة.

في كل مكانٍ، هناك سبيل يجب أن تسير عليه الحركة التقدميّة الوطنية.

يجب أنّ تكون الاضطرابات في الهند أيضًا، تحذيرًا من أي محاولةٍ لاستعادة الدعم من الشعوبيّين الرجعيّين بسرقة ملابسهم غير الليبراليّة.

ما تحدى حزب «بهاراتيا جاناتا» حقًا، ليس استرضاء المشاعر الطائفية، ولكن، الاحتجاجات على مستوى البلاد ضدّ القوانين التميّيزية المتعصبة والعنف الشوفينيّ المرتبط بمليشيا الحزب. إنه درس بالنسبة لأولئك في الغرب المغريّين لوقف نمو الشعوبيّين اليمينيّين من خلال خطابٍ أكثر قسوةً عن المهاجرين والأقليات أو المسلمين.

إذا كنّا نريد حقًا تحدي سياسة اليمين المثيرة للانقسام والتشظي، فهذا إغراء للنضال والمقاومة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد