لا يـبالي بشيء، إذا قطعوا الماء عن بيته قال: لا بأس! إن الشتاء قريب.
وإن أوقفوا ساعة الكهرباء، تثاءب: لا بأس، فالشمس تكفي.
وإن هددوه بتخفيض راتبه قال: لا لا بأس! سوف أصوم عن الخمر والتبغ شهرًا.
وإن أخذوه إلى السجن، قال: ولا بأس، أخلو قليلاً إلى النفس في صحبة الذكريات.
وإن أرجعوه إلى بيته، قال: لا بأس! فالبيت بيتي.
وقلت له مرة غاضبًا: كيف تحيا غدًا؟، قال: لا شأن لي بغدي.. إنه فكرة لا تراودني.
وأنا هكذا هكذا: لن يغيرني أي شيء، كما لم أغير أنا أي شيء.. فلا تحجب الشمس عني.
فقلت له: لستُ إسكندر المتعالي، ولستَ ديوجين فقال: ولكن في اللامبالاة فلسفة، إنها صفة من صفات الأمل!

كانت تلك كلمات محمود درويش، شاعر المقاومة الفلسطينية، بعنوان «اللامبالي»، وجدتها معبرة لما وصلنا إليه في الذكرى السابعة لثورة 25 يناير المجيدة، فدائما ما تستحضرني فكرة المبالاة مع كل ذكرى لثورة يناير، فقبل الثورة كان هناك بعض الشباب يبالي بمستقبل هذه البلد، وكان هذا السبب الرئيسي للخروج في الميادين، إذ كان هناك أمل في التغير، والانتصار على الأغلبية التي لا تبالي بأي شيء وتتعايش مع أي شيء، ولكن مع الأسف لم تنجح هذه الثورة، وانتصر اللامبالي.

شخصيًا صنعت مني الصدمات التي تلقيتها خلال هذه السنوات السبع، شخصًا غير مهتم بأشياء كثيرة كانت ضمن أولوياتي قبل الثورة، وفي الواقع فإن عدم انتصار هذه الثورة، وتحولها إلى نكبة على كل من شارك فيها مدد حزب «اللامبالي» – وهو الحزب الذي يسميه البعض بحزب «الكنبة» -، لدرجة أننا أصبحنا جميعا لا نبالي.

وهذا الأمر حتى وإن لم نعترف به، فهو واضح جدًا من مناقشتنا وتعاملنا مع كل أنواع الأخبار التي نقرؤها يوميًا، فغالبًا نتناولها بشيء من السخرية، وكأننا لا نتكلم عن أمور تعنينا، ووصل الأمر إلى أننا نرصد أخبار الموت والقتل دون أن نتأثر، إما لأن بعضنا فقد أغلى أصدقاءه، فلم يعد يهتم، أو أن شعوره بالعجز جعله يبتعد عن الحديث في هذا النوع من الأخبار.

منذ نحو ثلاثة أعوام كتبت مقالًا بعنوان «الاقتصاد.. هل يُسقط نظامًا؟!»، كنت أتحدث وقتها عن فكرة أن التركيبة السكانية والاقتصادية في مصر لا تسمح ربما بقيام ثورة حقيقة على النظام الحالي بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية فقط، واتهمت حينها الجهل وعدم الوعي بأنه سبب اجتماعي يجعل غالبية الشعب لا يثور لأجل الغلاء أو ضيق المعيشة، ولكن في الواقع بعد مرور هذه السنوات وجدت أن الجهل ليس السبب، ولكنها اللامبالاة التي أصابتنا جميعًا.

نحن لم نتعرض فقط لقمع سياسي، ولكن أيضًا قمع أحاسيس، فما حدث منذ ثورة يناير وحتى الآن، جعلنا لا نهتم بالنواحي العاطفية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، وربما بات الكسل داء الكثير منا أو على الأقل بات هذا شعوري، فلا شيء مهم، لن أغير شيئًا، لن يفهموا حديثي، هكذا أقول لنفسي كلما هممت بالدخول في نقاش أو جدال سياسي، فمنذ تلك اللحظة المشؤومة التي رأيت فيها دم صديقي يسيل أمامي، حينما تجمدت الدموع داخل عيني، لم أعد أهتم، فعلى أي حال لن استطيع تغيير شيء.

اقتصاديًا، اللامبالاة، ظاهرة خطيرة جدًا ليس فقط لمساوئها النفسية على أفراد المجتمع، ولكن لدورها في خلق حالة من الشلل في الحياة العامة، كما أنها مناخ مثالي للفساد، وصناعة الخوف، ودائمًا ما تقود إلى الهروب من الواقع، والتبلد أمام المشاكل، وتقتل الابتكار، وتساعد على انتشار البطالة، وذلك بسبب شعور الشخص بأنه لا قيمة للعمل، فكل ما يدور حوله لا يحفزه على العطاء.

بالإضافة إلى أنها تساهم في نقص عدد القادة في المجتمع، فالشخص اللامبالي غالبًا لا يتخذ قرارات، ولا يهتم بالمشاكل البيئية والتي هي آفة مجتمعنا، فلامبالاتنا تجاه البيئة في سلوكنا اليومي مع التخلص من القمامة، أظن أنه مر بتغيرات خلال السنوات السبع الماضية، فبعد أن كان هناك اهتمام مجتمعي بهذه القضية بعد الثورة مباشرة اختفى هذا الاهتمام مع مرور الوقت، ومع خسارة كل مكتسبات يناير.

عموما أصبحنا في حاجة ماسة الآن لثورة على اللامبالاة، وهذا من خلال محاربة هذه الظاهرة عبر الندوات في الجامعات، والاهتمام الإعلامي بهذه الظاهرة وإبراز الطرق الفعالة التي يمكن الاستعانة بها لمحاربة اللامبالاة، ونشر الوعي بين الشباب والتحذير من خطورتها وضرورة التخلص منها، ولكن من يبالي؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد