هل الحياديّ هو حيادي فعلًا أمْ إنّه يساند المنتصر؟

في زمن الاستقطاب الحادّ الذي نعيشه اليوم، ومع كلّ مناسبة جديدة وكلّ خبر سياسيّ أو اقتصادي أو ثقافي أو علمي أو رياضيّ.. ينقسم الجمهور إلى طرفين على الأقلّ، من الطبيعي أن ينقسم الناس إلى رأي ورأي معارض بل إنّ الإجماع قد يكون هو الحالة المَرَضيّة وليس العكس (كما يحدث في الدول الديكتاتورية ذات النسبة 99% للفوز بالانتخابات)، لكن نحن نتكلّم الآن عن حدّة الاستقطاب والتطرّف إلى أقصى إحدى الجهتين وانعدام فرص التقارب أو الالتقاء بين كلّ فريقين يتشكّلان عقب تلك الأحداث التي تتراوح على سلّم الجدّيّة من الأكثر جدّيّة فيما يتعلّق بمصير أرواح الملايين وربّما مصير الكوكب إلى أدناها جدّيّةً والتي قد تكون إعلانًا أو حلقة برنامج كاميرا خفيّة.

بين هذا وذاك انبثقت فئة جديدة، ربّما هي ليست جديدة تمامًا لكنّها أخذت تحتلّ مكانًا بارزًا وباتت تشرئبّ بقامات أعضائها الذين غالبًا ما يكونون من الطبقة الأكثر ثقافةً وحضورًا في المجتمعات، هذه الفئة تدّعي الحياديّة وتدعو للحياديّة، قد لا تجد دعايتها للحياديّة صريحةً لكن كما أسلفنا هم من علية القوم ومثقّفيها وأكثرهم حضورًا وظهورًا في وسائل الإعلام، فهم ما فتئوا يستنكرون ويستهزئون بأصحاب المواقف والآراء الصريحة، بدعوى التطرّف والرجعيّة والعقليّة الخشبيّة.

إنّي أرى بعد كلّ هذا أنّ هذه الفئة الثالثة هي الشكل الجديد من التطرّف، لقد انتقلوا بعالم الآراء من البُعدَين إلى الأبعاد الثلاثة، إذ إنّه من المفروض على أصحاب الحضور المتميّز والثقافة العالية العبور بمجتمعاتهم إلى برٍّ أكثر استقرارًا، لا تأجيج النيران وحفر الخنادق.

يُقتَل مئات الأطفال بغازاتٍ كيماويّة ويُدفنون في مقابر جماعيّة ويُبثّ ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعيّة فيردّ أصحاب النظرة الحياديّة بأنّ التحقيق جارٍ في العمليّة ويجب أن لا نتسرّع في إطلاق الأحكام القضائيّة كما أنّنا لم نسمع وجهة نظر قاتل الضحيّة.

يموت أحد ذوي القَتَلة أعلاه فنشمتُ نحن البشر بطبيعتنا الانتقاميّة والذين لم نجد عدالةً أرضيّة تقتصّ من مجرمي الإنسانيّة، ونضحكُ ضحكةً صفراويّة قد تُشفي الغليل مؤقّتًا بانتظار العدالة السماويّة.

يمرض أحد ذوي القَتَلة أعلاه فنعيدُ الكَرّة ونضحك ونشمت ونحكي النكات علّنا ننسى ما فعلوا بنا عندما كانوا في كامل صحّتهم.

وفي كلّ مرّة يطلّ علينا أصحاب النظرة الحياديّة قائلين لا تجوز الشماتة في الأقدار الإلهيّة، كما لا يجوز البكاء والشكوى من مفارقة أرواح أحبابكم لأجسادهم على أيدي أعداء الإنسانيّة لأنّ نتيجة التحقيق لم تظهر في هذه القضيّة.

هل تريدوننا أنبياء أم صحابةً نعفو عمّن ظلمنا وندير خدّنا الأيسر لمن صفعنا على الأيمن؟!

لماذا لا تتعاملون بحياديّة معنا وتتركونا وشأننا؟

في معركة بدر الكبرى التي مكّن الله المسلمين فيها من الكفّار، لم يستطع بلال الحبشي وهو الصحابي الجليل والمؤذّن صاحب أعذب صوتٍ عرفه الإسلام، لم يستطع التحلّي بالحياديّة وترك أميّة بن خلف يمرّ أمامه دون الانتقام لسنوات العذاب التي أذاقه إيّاها.

الرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم الذي كان أكثر خلق الله تسامحًا وأكثرهم معرفةً بثواب التسامح، لم يستطع النظر في وجه قاتل عمّه.

أصحاب النظرة الحياديّة المزعومة، لن أكون حياديًّا معكم وسأصفكم بالوصف الحقيقي، فأنتم أصحاب النظرة الحربائيّة وأنتم أصحاب النظرة الرماديّة في أحسن الأحوال، وهيهات أن تنالوا شرف اتّخاذ موقفٍ صلب في يومٍ ما من أيّة قضيّة.

الخلاصة، إنّ عدم اتّخاذ موقف واضح ومحدّد تجاه قضيّةٍ ما، هو أسوأ أنواع الجُبْن، كما إنّه يُصَنّف على إنّه موقفٍ معادٍ لأحد الأطراف والذي يكون عادةً الطرف الضعيف وصاحب الحقّ، فيصمت صاحبنا الحرباء تجنّبًا لإثارة العداء مع الطرف الظالم، أليست هذه مساندةٌ للظالم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد