في الوقت الذي كانت الحرب العالمية الثانية لاتزال مستعرة اجتمع 730 مندوبًا من جميع دول الحلفاء الـ44 في فندق ماونت واشنطن ببلدة بريتون وودز في نيو هامبشير الأمريكية للمشاركة في المؤتمر النقدي والمالي للأمم المتحدة، توافد المشاركون من 1-22 يوليو عام 1944 ووقعت الاتفاقية في اليوم الأخير للمؤتمر.

كانت الملامح الرئيسية لنظام بريتون وودز هي إلزام كل بلد بوضع سياسة نقدية تحافظ على سعر الصرف بربط عملتها بالدولار الأمريكي.

أما ما قبل بريتون وودز فقد كانت قاعدة الذهب هي السائدة، وقد بدأت قاعدة الذهب في الانتشار في الثلث الأول من القرن التاسع عشر باتخاذ بريطانيا لها كقاعدة نقدية بقانون صدر في عام 1819 وأصبح ساري المفعول في عام 1821، وبحلول عام 1870 لحقت بها بعض الدول الأخرى مثل ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة حتى جاء عام 1900 الذي أضحت فيه جميع الدول تقريبا تأخذ بقاعدة الذهب باستثناء الصين والمكسيك اللتان فضلتا قاعدة الفضة.

لقد كانت هذه القاعدة خلال الفترة التي سادت فيها ترسم إطارًا مستقرًا لتغذية قوى النمو للنظام الرأسمالي العالمي الذي كان يشق طريقه صاعدًا في تلك الفترة.

ولقد كانت الملامح الرئيسية لنظام قاعدة الذهب تقوم على توافر شروط معينة أهمها:

  • وجود علاقة ثابتة بين قيمة الوحدة النقدية وبين كمية معينة من الذهب من عيار معين: وهذا لا يعني أن تكون النقود الذهبية متداولة فعلا داخل الاقتصاد القومي وإنما يكفي لسيادة هذه القاعدة أن تكون النقود الورقية قابلة للتحويل إلى الذهب في أي وقت يشاء حاملها إما للاستعمال في تسوية المعاملات داخليا وخارجيا وإما للاستخدام فقط في تسوية المعاملات الخارجية.
  • يجب أن يكون ذلك مقترنا بحرية استيراد وتصدير الذهب: إذ أن وضع القيود على تجارة الذهب استيرادا وتصديرا سوف يعمل على تفاوت توزيعه بين الدول بعدالة وبالتالي تفاوت قيمته مما يوفر الفرصة لعدم إمكانية استخدامه كمقياس محايد للعملات.

وحينما سادت قاعدة الذهب بهذه الشروط في معظم دول العالم ترتبت لهذه الدول ميزة هامة تتعلق بثبات سعر الصرف بين عملاتها المختلفة وبهذا تحدد سعر الصرف عند التوازن طبقا لنسبة كمية الذهب الموجودة في عملة كل دولة إلى كمية الذهب الموجودة في بقية عملات الدول الأخرى، ففي ظل قاعدة الذهب قامت كل دولة بتحديد عملتها بمقدار من الذهب أي معادلة قيمة العملة مع قيمة وزن معين من الذهب الخالص بحيث يمكن مبادلة هذه العملة بالذهب أو العكس بسعر ثابت يطلق عليه (حد التعادل)، فمثلا حدد المشرع الأمريكي أن الوزن الصافي للدولار الأمريكي الذهبي هو (1.50467) جم من الذهب الخالص والجنيه المصري الذهبي يعادل (2.55187) جم من الذهب الخالص. وكما هو واضح فان هذا يترتب عليه وجود علاقة ثابتة بين قيم العملات وبعضها البعض التي ترتكز على الذهب.

انهيار قاعدة الذهب

ولكن نتيجة للتطور الكبير للرأسمالية خلال عصر قاعدة الذهب نشأت تناقضات بين الدول الرأسمالية فالتطور لم يكن متساويا فيما بينها وكذلك السيطرة على المستعمرات وأشباه المستعمرات. فمثلا في بريطانيا كان حجم إنتاجها نسبة للإنتاج العالمي 7.1 بينما كانت تسيطر على 50% من مساحة المستعمرات بينما الولايات المتحدة والتي كان إنتاجها حوالي 36% لم يكن لديها مستعمرات أو أسواق لتصريف منتجاتها وكذلك الأمر بالنسبة لألمانيا ونتيجة لهذه التطورات بدأت الاستعدادات للحرب مع مطلع القرن العشرين والتي أعلنت عام 1914م، وانهار نظام قاعدة الذهب في أعقاب الحرب بسبب زيادة الإنفاق العسكري وتمويله عن طريق التمويل التضخمي (زيادة إصدار النقود الورقية) وبالتالي خرجت كل بنوك الإصدار المتحاربة (عدا الولايات المتحدة الأمريكية) عن القيود التي كانت تربط بين إصدار النقود وبين نسب التغطية الذهبية. ونتيجة لعلاقات التبعية والسيطرة المباشرة فقد دفعت المستعمرات جزءا كبيرا من تكاليف هذه الحرب.

وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى جرت محاولات حقيقية من بعض الدول للعودة إلى قاعدة الذهب حتى تسترد استقرار أسعار الصرف لديها وعلى رأس هذه الدول إنجلترا ولكن نتيجة للتغيرات الاقتصادية التي سادت هذه الفترة لم يتم العودة كاملا إلى قاعدة الذهب بل كان أقرب ما يكون إلى نظام الصرف بالذهب حيث أصبح الذهب إلى جانب العملات الأخرى غير القابلة للتحويل تستخدم كغطاء للعملات وتدخل ضمن الاحتياطيات الرسمية.

نظام بريتون وودز (1945-1971)

قبل أن تنتهي الحرب العالمية الثانية كانت علامات النصر بدأت تلوح في الأفق فبدأ التفكير باعادة ما دمرته الحرب وتوفير الأنظمة النقدية والمالية والتجارية لإعادة الحياة لاقتصاديات الدول الرأسمالية بعد الخراب والفوضى التي لحقت بها أثناء الحرب.

وفي هذا المؤتمر برزت هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية وسيطرتها على أعماله إذ اعتمد المؤتمر في مقرراته اعتمادا أساسيا خطة الأمريكي (هاري دكستر هوايت – وكيل وزارة المالية بالولايات المتحدة الأمريكية آنذاك)، وقد توصل المؤتمر إلى وضع اتفاقيات تم بموجبها إنشاء صندوق النقد الدولي وكذلك إنشاء البنك الدولي للإنشاء والتعمير.

وقد جاء إنشاء صندوق النقد الدولي من أجل تحقيق استقرار أسعار الصرف والإشراف على تنفيذ قواعد النظام الدولي الجديد حيث قام هذا الصندوق بمباشرة مهامه بعد عام 1947. أما إنشاء البنك الدولي للإنشاء والتعمير فقد كان الغرض منه هو مساعدة الدول الأوروبية التي دمرتها الحرب ثم مساعدة الدول الأخرى على التنمية الاقتصادية.

أما فيما يتعلق بالدول النامية فقد كانت عبارة عن مستعمرات وأشباه مستعمرات وبالرغم من حضورها لهذا المؤتمر إلا أن موقفها الضعيف لم يسمح لها أن تعبر عن وجهة نظرها وعن أمانيها، فقد صدرت وثيقة الخبراء وهي خالية من أي إشارة إلى المشاكل الحادة التي تعاني منها هذه الدول.

لقد كان هذا النظام الذي تم إقراره في بريتون وودز قائم على قاعدة صرف الدولار بالذهب حيث التزمت الولايات المتحدة الأمريكية بقابلية تحويل الدولار الورقي إلى ذهب (كل دولار=0.888671 من الذهب) ونتيجة لذلك تحول الدولار ليكون عملة الاحتياط الدولية وبالتالي ثبات أسعار الصرف بين مختلف العملات واستهدف هذا النظام أساسًا حرية التجارة الدولية وإلغاء القيود على المدفوعات الدولية، وبهذا يكون الدولار قد ربح مركزا بعلاوة كعملة مرجعية.

هكذا رسمت اتفاقية بريتون وودز خارطة الوضع النقدي العالمي وآليات العمل واستمرت هذه الاتفاقية في العمل حتى عام 1971 م حيث انهارت الاتفاقية.

فقد بدأت في منتصف الستينيات الضغوط تواجه نظام بريتون وودز بسبب حالات العجز المستمرة في ميزان المدفوعات الأمريكي والتي تحول على إثرها نقص الدولار في أعقاب الحرب إلى تخمة دولارات فقد كان التضخم بدأ يشتعل في الولايات المتحدة بسبب الإنفاق العسكري المتزايد لحرب فيتنام، وفي ظل تثبيت قيمة الدولار مقابل الذهب كانت المشكلة الرئيسية من منظور الولايات المتحدة في وضع بلدان الفائض على مسار التصحيح (ألمانيا واليابان) وبالنسبة لبقية العالم كانت الأزمة تكمن في أن العجز الأمريكي هو مصدر السيولة النظامية، وقد أدى تزايد حجم الدولارات في خزائن البنوك المركزية الأجنبية إلى زعزعة الثقة في قدرة الولايات المتحدة على توفير غطاء من الذهب لهذه الدولارات، حيث بدأت دول غرب أوروبا وبالذات فرنسا تنتبه للآلية التضخمية التي انطوى عليها نظام النقد الدولي المؤسس على قاعدة الصرف بالدولار، وبدأت فرنسا تطالب وزارة الخزانة الأمريكية بصرف الدولارات الورقية التي بحوزتها ذهبا، كما أعقبها موجة عارمة لسحب الذهب من الولايات المتحدة الأمريكية من مختلف دول العالم مما أدى إلى انهيار الثقة بالدولار.

ووصل الأمر في عام 1968 (شهر أزمة الذهب) أن كانت الأرصدة الذهبية التي تمتكلها الولايات المتحدة الأمريكية تقدر بحوالي 11 بليون دولار في حين أن الأرصدة الدولارية الورقية في الخارج مقدرة بحوالي 35 بليون دولار مما يعني أن الغطاء الذهبي قد انخفض إلى أقل من الثلث بعد أن كان هذا الغطاء يزيد عن 100% وأكثر في أعقاب الحرب. وكانت المفاجأة عندما أعلن الرئيس الأمريكي نيكسون في عام 1971 في خطاب شهير له بوقف قابلية تحويل الدولار إلى ذهب. وهكذا انهار نظام بريتون وودز رغم ما تم اتخاذه من محاولات يائسة لترقيع النظام من خلال خطوط تبادل النقد الأجنبي بين البنوك المركزية. يقول الاقتصادي (صموئيل باولز) في هذا الخصوص: كانت الولايات المتحدة مثل الرجل الغني المرفه الذي يتسامح البقال والخياط والتاجر …. إلخ في تراكم ديونه لأنهم يؤمنون بأنه سيدفع لهم عاجلا أو آجلا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بريتون وودز

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد