إن أمتنا العربية الإسلامية تعيش أزمات متتابعة، ومشكلات متصاعدة، وهمومًا متعددة؛ فأزمات في العقيدة والفكر، ومشكلات في السياسة والعلاقات الدولية، وإشكاليات في المجالات التقنية وكذا الاجتماعية، ومن تلك الأزمات والمشكلات التي شبت عن الطوق، وتفاقمَ الحديث عنها: المشكلات الاقتصادية في المجتمعات الإسلامية.

ولا ريب أن لكل زمن مشاكله الاقتصادية الخاصة به، وكذا لكل دولة وقطر من الأقطار همومه الاقتصادية، إلا أن بصمات المشكلات الاقتصادية في عالمنا الإسلامي لائحة واضحة، وأزماته التي يعاني منها قد كثرت وتعددت، وخصوصًا في عصر العولمة الاقتصادية.

عندما تحاول الدول النامية أن تختار منهجًا لعملية التطور الاقتصادي الاجتماعي وبناء الاقتصاد الوطني لا بد أن تهتم بعملية تفاعل شعوبها مع هذا المنهج، وتعبئة كل الطاقات في معركتها ضد التخلف وتحقيق أعلى وتائر للنمو فيها.

ويظل الاستعمار بشكليه الجديد والقديم هو المسؤول عن حالة التخلف الاقتصادي الاجتماعي التي تعيشها الدول العربية. ولن تستطيع الدول العربية الخروج من هذه الحالة إلا عن طريق استخدام الموارد البشرية والموارد الطبيعية المحلية المتاحة لزيادة كمية السلع والخدمات التي تنتجها في سبيل تلبية احتياجات مواطنيها، وهذه هي التنمية الاقتصادية المطلوبة، وتواجه التنمية الشاملة في الوطن العربي عددًا من المشاكل والصعوبات أهمها:

– ارتفاع معدل تزايد السكان في الدول العربية.

– النقص في الكوادر الوطنية.

– التبعية وأهمية قطاع النفط.

– التفاوت في مستوى التطور الاقتصادي الاجتماعي.

– انخفاض مستوى الادخار وتراكم رأس المال.

– التجزئة وإعاقة التنمية في الوطن العربي.

لا يمكن السير في طريق التنمية الصحيح من دون وجود نظام معرفي قيمي عملي يمكنه دفع وتحريض وتحفيز أجمل وأرقى ما في داخل الفرد العربي من طاقات ومواهب وإمكانات هائلة، فالإنسان العربي يمتلك قدرات وطاقات خلاقة ومبدعة إذا ما تم استثمارها على طريق العمل والبناء والتطوير بعد معرفتها ووعيها من الداخل أولاً، وثانيًا بعد خلق الأجواء المجتمعية الملائمة لنموها وتكاملها على مستوى الخارج والفعل العملي التجريبي.

ونحن عندما نتحدث هنا عن التنمية نعني بها بدايةً تنمية الفرد، وتنظيم مهاراته، باعتباره حجر الزاوية في بناء أي مجتمع وتطويره ومن ثم تنميته، حيث إنه لا يمكن لأي بلد أن ينمو ويتنامى ويتقدم على طريق الرقي الحضاري العلمي والتقني من دون تنمية أفراده ثقافيًّا وعلميًّا ومعرفيًّا، وهذا شرط أساسي لازم، وكذلك العمل أيضًا على رفع مستواهم ودخولهم عبر زيادة إنتاجية الفرد من خلال تهيئة مختلف قطاعات الدولة وبنائها لخدمة ذلك الهدف الكبير وإنجازه.

وحتى يشارك الفرد في اجتماعنا العربي والإسلامي في تنمية مجتمعاته، بصورة فعالة يمكن من خلالها تحقيق نتائج مثمرة على صعيد التنمية والبناء المجتمعي ككل، لا بد من وجود قناعة فكرية، وحالة رضى وطواعية ذاتية في داخل نفس هذا الفرد عن طبيعة العمل الذي يريد الاضطلاع به وتنفيذه؛ لأن الفرد الذي يعمل في ظل مناخ ثقافي ونظام معرفي يقتنع به عن وعي وإدراك كاملين، لا بد وأنه سيصل مع باقي الأفراد المقتنعين والمتفهمين إلى إنجاز غايات تنموية صحيحة ومنتجة وفعالة، والعكس صحيح أيضًا، وهو أن الفرد الذي يعمل تحت ظل بيئة ثقافية مناقضة ومعادية – إلى حد ما- لما يختزنه في داخله من قيم وأفكار ومشاعر وتراكيب نفسية وشعورية وتطلعات وغايات هو بالضرورة فرد غير قادر على العطاء والإثمار الحضاري، وغير قادر أيضًا على تحقيق أبسط شروط التنمية الحقيقية، مما ينعكس سلبًا على حركة المجتمع وتنميته ككل.

إذن، نقول وبصورة أكثر تركيزًا وضبطـًا، إنه حتى تنمو مواهب الأفراد وتنمو مقدراتهم وقابلياتهم الذاتية لا بد من وجود مناخ اجتماعي وثقافي وسياسي مناسب يشكل حاضنة ملائمة لنمو تلك الاستعدادات والقابليات الفردية وبروزها واستثمارها، وهذا بدوره يحتم توفر فضاء سياسي قانوني دستوري يمارس الناس فيه حقوقهم في التعبير عن معتقداتهم وآرائهم وقناعاتهم السياسية والثقافية والمعتقدية بصورة صحية وسلمية تداولية، يكون فيها المشترك العام هو خدمة الناس والأفراد تحت سقف القانون والنظام العام الذي يتفق عليه كل أفراد المجتمع ضمن آليات ديمقراطية سلمية بعيدًا عن توسل واستخدام أدوات العنف الرمزي والمادي.

وحتى يحدث في أي مجتمع نوع من التشارك والاندفاع الجماعي الحقيقي المؤثر في اتجاه خدمة عملية التنمية الهادفة إلى تطوير واقع الفرد والمجتمع على مستوى بناء أسس ومعايير اقتصادية صحيحة تساهم في زيادة الإنتاج والدخل الفردي والوطني، لا بد من تعميم ثقافة التنمية بين جميع مكونات المجتمع، وعلى مختلف المستويات، بدءًا من أصحاب القرار، إلى مختلف البنى الاجتماعية والاقتصادية البشرية، حيث إن التنمية المنظمة والشاملة، التي تشارك فيها كل المؤسسات والهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويساهم فيها الجميع طوعيًّا لا قسريًّا هي الشرط اللازم الحقيقي للنهوض الذي لا يمكن أن يتحقق فجأة، وإنما عبر سلوك طريق طويل منظم من العمل والتعب والجهد والمثابرة والكدح والإيمان بأن الوطن لا يقوم إلا بمحبة كافة أبنائه له، وبمشاركتهم الفاعلة والمنتجة في العمل الميداني المسؤول.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن عملية التنمية باتت حاليًا ثقافة عمومية ومسؤولية عامة، لا تختص بفئة أو شريحة معينة، كما أنها لم تعد حصرًا وحكرًا على نخب اقتصادية أو غير اقتصادية بذاتها، لأنه إذا كان مطلوبًا رفع دخل الفرد وزيادته، فلا بد من رفع إنتاجيته وفاعليته عبر توفير المناخ السياسي والاجتماعي الأنسب والأفضل لتبلور طاقاته ومواهبه، وهذا المناخ الصحي التداولي التشاركي هو الذي يمكن أن يسمح للفرد ذاته بالمشاركة المبدعة في عملية التنمية وعيًا وثقافة وعملاً.

ومن أهم أسباب الفشل الذريع الذي لحق بكل مشاريع التنمية في عالمنا العربي حتى الآن، الذي ما يزال مجرد حقل تجارب لأفكار اقتصادية تأتي من هنا وهناك من دون وجود أدنى قناعة ووعي علمي صحيح بها داخل نفوس وعقول الناس عندنا، يكمن في ابتعاد الفرد وتغييبه قسريًا – بالرغم من كونه أساس عملية التنمية ولبها وجوهرها – عن المشاركة الواعية والفاعلة في العملية التنموية الفردية والمجتمعية.

وهذا يقودنا لإعادة التأكيد على أن نجاحنا في تحدي التنمية الاقتصادية للتخلص من ألبسة التخلف المهترئة التي تلف واقعنا العربي والإسلامي عمومًا، لا يمكن أن يكون مضمونًا، إلا إذا اكتسبت التنمية العربية الفردية والمجتمعية إطارًا يستطيع أن يدمج الأمة ككل ضمنه، وقامت على أساس ثقافي قيمي يتفاعل معها؛ فحركة الأمة كلها شرط أساسي لإنجاح أية تنمية، لأن حركتها تعبير عن نموها ونمو إرادتها وانطلاق مواهبها الداخلية، فالتنمية للثروة الخارجية والنمو الداخلي للأمة يجب أن يسيرا في خط واحد.

من هنا نعتقد بضرورة تهيئة الأجواء الثقافية والإعلامية والاجتماعية المناسبة لإطلاق المبادرات الجادة الهادفة إلى دفع الفرد باتجاه الانخراط الجدي والحقيقي في مختلف مشروعات التنمية، وذلك عبر التوجيه الصحيح الدائم، والاستمرارية في العمل الدؤوب والصادق؛ لأن الواقع العربي العام صعب ومعقد وينذر كوارث حتمية أكثر مما هو قائم حاليًا على مستوى السياسة من خلال سيطرة الاستبداد ونزع ممارسة السياسة – وما ينتج عنها من حقوق وواجبات وحريات فردية وعامة مسؤولة- من المجتمع، وعلى مستوى الاقتصاد من خلال وجود ما يزيد على 140 مليون مواطن عربي يعيشون تحت خط الفقر المدقع، وارتفاع معدلات البطالة حيث تصل نسبة الشباب العاطل عن العمل إلى ما يزيد على 50% من نسبة عدد السكان بالنسبة لمعظم الدول العربية، مما يجعل معدل البطالة بين الشباب في الدول العربية الأعلى في العالم كله، وهنا يتمثل التحدي العربي الأكبر – كما تؤكده كل تقارير التنمية- في ضرورة توفير 51 مليون فرصة عمل جديدة خلال السنوات العشر القادمة أي بحلول عام 2026.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد