محمد لطفي 11
محمد لطفي 11

تساءل أحدهم ذات مرة: لماذا يحتفي المُشاهد بالبلطجي في الأعمال السينمائية عندما يرفع السلاح في وجه الدولة، ويعتبره بطلا، ويتخذه قدوة؛ في حين يرفض الإسلامي لو رفع حتى طوبة ليدافع بها عن نفسه؟

وعلى الفور توالت الردود المعهودة، والتي تدرجت من وصف المجتمع بالإجرام والتخلف والبعد عن الدين (أو حتى معاداته)؛ إلى غيرته من الإسلاميين الذين يُذَكِّرونه بدونيته؛ انتهاء بالحرب على الإسلام، والتشويه الإعلامي المتعمد لكل ما هو إسلامي.

فهل الأمر كذلك بالفعل؟ وهل إجرام المجتمع وحده هو السبب لهذا التناقض، أم أن هناك أسبابًا أخرى قد لا يكون المجتمع فيها مجرمًا أو متناقضًا مع نفسه؟

حسنا.. دعونا نتفق أولًا أن المجتمع مريض، ويعاني في كل المجالات، سواء الثقافة أو التعليم أو الصحة أو الاقتصاد (ومؤخرا الدين والأخلاق نفسها)، وأنه يقف على درجة متدنية جدًا في سلم التقدم والرقي!

وفي مثل تلك المجتمعات المتدنية، تبرز الأنا بقوة كحصن أخير أمام الفرد للحفاظ على وجوده؛ فيسعى كل فرد في المجتمع لتأمين احتياجاته بنفسه بمعزل عن الآخرين، وتنزوي القضايا العامة أمام المصالح الخاصة، ويتشكل انحيازٌ لا إرادي في ضمير الفرد لكل ما هو خاص ضد ما هو عام.

وبالرجوع إلى الأعمال السينمائية (محل التساؤل)، نجد أن البلطجي يمثل الخاص بامتياز؛ فهو فرد يسعى لمنفعته الشخصية دون النظر لأي اعتبارات أخرى، ويسلك لتحقيق ذلك كل السبل المتاحة بلا ضوابط أو قيود؛ والدولة – التي يُشار إليها بالحكومة، ويتم تجسيدها عادة بقوات الشرطة النظامية، ذات الزِّي الموحد، والعربات الكثيرة، والأسلحة الفتاكة – تمثل العام بامتياز.

وبالتالي فمن الطبيعي جدًا أن ينحاز المُشاهد للخاص ضد العام، وأن يتعاطف مع البلطجي ضد الدولة (الحكومة)، وأن يحتفي به ويتخذه قدوة يسعى جاهدا ليحاكيها في الواقع، عسى أن ينال من المكاسب في واقعه بعض ما حصده البلطجي في الفيلم، سواء كانت تلك المكاسب مادية أو معنوية (البطولة والمهابة ونظرة الخوف في عيون الآخرين على سبيل المثال).

أما بالنسبة للإسلامي فالأمر مختلف تمامًا. فالإسلامي لا يقدم نفسه للمجتمع على أنه شخص مستقل قائم بذاته (نموذج للأنا)، وإنما فرد في جماعة! والجماعة نفسها لا تطرح على المُشاهد قضايا فردية أو حتى مجتمعية، وإنما قضايا شاملة عابرة للحدود؛ ولا أعني هنا حدود الفرد التي تهم المُشاهد، ولا حتى حدود المجتمع التي لا تهمه غير أنه يعرفها ويتعامل معها مضطرا، وإنما حدود الإدراك والمكان والزمان ذاتهم! مثل الخلافة والتمكين وسيادة الإسلام وأستاذية العالم!

وهنا.. عندما يقارن المُشاهد بين العام الذي تمثله الدولة، والعام الذي يمثله الإسلامي، يجد أن الدولة أكثر خصوصية – بالنسبة له – من الإسلامي، وأنها الأقرب له بمفرداتها وهيكلها وقواعد التعامل معها؛ فيفعل بالضبط نفس ما فعله في الحالة الأولى، وينحاز بكل تلقائية وصدق للخاص ضد العام؛ فيأخذ صف الدولة ويعادي الإسلامي!

ولا أريد أن أمضي خلف النتائج المترتبة على ثنائية العام والخاص تلك، فهي كثيرة ومتشعبة جدًا، وقد يكون من الأنسب أن يتصدى لتفصيلها خبراء علم الاجتماع؛ ولكن إحدى تلك النتائج لا يمكن تخطِّيها، إذ ترتقي بنفسها لتصبح سببًا مستقلًا (ذا إشكاليتين) يقف جنبًا إلى جنب مع الثنائية لتفسير سلوك المُشاهد؛ وهي جاهزية النموذج للمحاكاة!

فعندما تبحث عن نموذج تقتدي به، فبلا شك ستنظر في الخاص وليس العام. فمشجع الكرة مثلا لا يتخذ فريقه المفضل قدوة، وإنما لاعبا بعينه؛ والوطني المغرق في وطنيته لا ينظر لوطنه كقدوة، وإنما لأحد القادة أو الزعماء؛ والمتفانون من أجل دينهم لا يدَّعون أن الدين هو القدوة، وإنما أحد الصالحين أو حتى الأنبياء!

وهنا تبرز الإشكالية الأولى وهي: غياب النموذج من الأساس! فالبلطجي يقدم نفسه للمُشاهد في صورة فردية، جاهزة للمحاكاة والاقتداء؛ في حين يتقدم الإسلامي – كما قلنا – كفرد في جماعة، غير واضح المعالم والسمات، وممسوخ الشخصية إلى حد كبير؛ فلا يسع المُشاهد هنا إلا تعاطي السلعة الجاهزة والانحياز للبلطجي!

وحتى لو افترضنا أن المُشاهد يمتلك من الوعي والإصرار ما يجعله يسعى بنفسه لاستخلاص نموذج الفرد الإسلامي من تلابيب جماعته (وهو افتراض تخيلي ليس له ما يبرره)، فستبرز الإشكالية الثانية، وهي: قابلية النموذج للتكرار والمحاكاة!

فعندما يريد المُشاهد محاكاة نموذج البلطجي، فليس عليه إلا ارتداء ملابس معينة لا تكلفه إلا بضعة جنيهات، وقص شعره بطريقة مغايرة لا تستغرق إلا دقائق معدودة، واستخدام بعض الكلمات النابية، وحركات الجسد الفجة (وهو ما يعرفه المشاهد من قبل بكل تأكيد)، والتخفف قليلًا – أو كثيرا – من قيد الضوابط والقيم؛ فيصير بلطجيًا (هكذا بكل بساطة!).

أما لو أراد محاكاة نموذج الإسلامي (الذي استخلصه بنفسه بعد مشقة وعناء كما قلنا)، فعليه إلزام نفسه بالطاعات والعبادات إلزامًا (الأمر الذي يشق على الإسلاميين أنفسهم!)، واستبدال مفرداته اللغوية بأخرى، وتغيير هيئته وسَمْته وسلوكه؛ ثم يجد نفسه في النهاية مضطرا للانخراط في جماعة (لأن يد الله مع الجماعة!) تمسخ ما تبقى من هويته وكينونته، وتُعرِّضه للملاحقة الأمنية والانعزال المجتمعي! الأمر الذي يؤدي به في النهاية إلى رفض النموذج الإسلامي (غير الموجود من الأساس)!

بالطبع لا أهدف هنا إلى تبرئة المجتمع، أو تبرير إجرامه؛ فالمجتمع مجرم قطعًا، ويتحمل وزر ما يفعل بلا أدنى شك؛ ولكن إلى قراءته واستيعابه؛ وألا يتحول إجرامه إلى شماعة نُعلق عليها إخفاقنا معه، ونتهرب بها من حتمية مراجعة مناهجنا وأساليبنا العتيقة البالية، والتي لم تعد تصمد أمام أي تقييم منصف أو دراسة علمية جادة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك