كان ياما كان، في هذا الحين والأوان، وتشهد الدولة الفرعونية أعمالا فردية، مهازل ومآسي، وكلنا نعلم، نتألم، ونُقاسي. الانتهاكات في نظامنا ثقافة، والثقافة سخافة، إبداعاتنا غريبة، تحدياتنا رهيبة، تعد وتعر.

الثقافة في إعلامنا “فُرجة” على شاشات تنقل الأكاذيب والفضائح، بدون لغة ولا هَوية ولا عنوان، تمامًا كمصير عقلية شعب يخشى جلادا يفرض عليه صمتًا وذلا، وإعلام يُصدِّر الأشباح بعد ثورتين تم التزحلق عليهما بنجاح.

في جميع الأحداث والانتهاكات والتحركات الثورية السابقة كان هناك ضلع أساسي مشترك، وكان الدافع الأول لاشتعال الغضب ضلعًا “سلبيا لا إجابة له” غير “موجود في وجود” الحياة الديمقراطية الآدمية، لم يعتد على احترام المواطن، عبدًا للمأمور قبل الله، يده تسبق عقله، يتفنن في الأذى الجسدي، بارع في فنون التعذيب، ولم يترك مناسبة، إلا واقتبس من قواميس الشتائم والسباب التي يحفظها عن ظهر قلب.

إعادة هيكلة وزارة الداخلية أيضًا كانت أبرز الأهداف المشتركة لمعظم التحركات الثورية، فكرًا ومنهجًا قبل أفراد وقيادات، يبادرون نظرات الغل والغدر التي تجري في دمائهم لكل من لا ينتسب لبدلتهم “الميري”.

دعونا نسأل: في أي شيء سأفكر بعدما وصلت إلى كلية أو معهد بالواسطة والمحسوبية؟ وفي أي شيء سأفكر بعدما أدفع نحو 50 ألف جنيه في سبيل السلطة والنفوذ؟ وفي أي شيء سأفكر بعدما صارت في يدي صلاحية سحق وسحل من أشاء، مطمئنًا بإعلام يهلل ويبرر؟ وفي أي شيء سأفكر بعدما صار القانون في يدي، أقتل، وأغتصب، وأنهب، وألفق، وأحصل على ما يروق لي، وفي النهاية أجد من يحميني، ويسميها “حالات فردية”؟

بالطبع سيكون التفكير في نفسي وأهوائي قبل وطني وواجبي – إن تذكرتهم أصلا – لأن أساس النظام قائم على باطل.

خالد سعيد، كريم حمدي، شيماء الصباغ، فتاة الساحل، فتاة إمبابة، طلعت شبيب، طبيب الإسماعيلية، الطالب الإيطالي، أطباء المطرية، أطباء بولاق ، سائق الدرب الأحمر … وغيرهم.

كم من جرائم ارتكبتموها بلا حساب بحجة “الأعمال الفردية”! جرائمكم لا تستطيعون إحصاءها من كثرتها، ولكن كل من له حساب فليسجله في “الكراسة الصفراء”؛ منتظرًا اليوم الذي يستطع فيه أن يأخذه جملة.

منذ أسابيع اشتعلت أجهزتكم وانتفض إعلامكم وكاد النسر الساكن رتبتكم يطير، وكادت سيوف أكتافكم تُقطع وتمزق مَن أمامها بسبب “بالونة”، وشابان تعاملا بسخرية مع من لم ينتفضوا وتشتعل أجهزتهم من أجل الحق إلا القليل.

كم تشتكي وتقول إنك معدم، والأرض ملكك والسماء والأنجمُ! ولك السجون وذلها وعذابها، وحقوق إنسان، وقمع لا يُهدمُ.

لم يعد “حاتم” حالة فردية، بل أضحى الشرفاء ومن يؤمنون بالعدل والحرية هم  حالاتكم الفردية، كفاكم قمعًا وقتلًا وإهانة، واعلموا أن لكل فعل رد فعل، مساويا له في “الأخطاء” ومضادا له في “الاعتقال”، لم نعد نحتاج لجهات كثرت مساوئها وقلت محاسنها، وأصبحت الرشوة والنهب منهجها، فابتعدوا وكفوا عن الشر الذي مازال يجري في دمائكم.

نعم، نعي ما نقول، فحينما هربتم من ثورة، وقفنا على حماية الجميع بلجان أجهزة المواطنين، دون إهانة واستعلاء.

عزيزي أمين الشرطة! عزيزي الشرطي!

قوموا بما شئتم وابقوا على مكانتكم وستأخذ العدالة مجراها ولا تقلقوا، فالحكم ـ بالطبع ـ “إخلاء سبيل” و”براءة” فأنتم في دولة قانون وجراءة، فالنظام لا يريد إدراك الموقف ويتجاهله ويتعامل باستهتار معهـ كما تعاملت اﻷنظمة السابقة التي كتبت بتجاهلها نهايتها السوداء.

هذه المرة إن استمر “حاتم” دون أن “يتحاكم”،  فستكون موجات الغضب، وربما لا تطيح بحاتم وحده، بل بالنظام كله، ستبقى ضحايا الأعمال القمعية نارًا مقدسة تُضيء طريق الكرامة والعدل، وسوف تلاحق حقوقهم الغالية رقاب مغتصبيها، سيأتي يوم وتُعلّق فيه رقاب جميع من ظلموا بأحبال المشانق، وتكون نهايتهم من جنس عملهم القمعي الاستبدادي الظالم.

“وقف إذا سحبوك على شارع طويل ..

وفر (بديل)

وافق على الهُدنة إذا سحبوا الكلاب

لو سابوا خليك انتا آخر حد ساب

واحد بيفرق في العدد جدًا

و عشان كده ..

أول ما تلقى إن الصفوف ناقصاك ..

وسع مكانك .. للى جاي وراك”

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد