لا يختلف عاقلان أن جائحة كورونا كشفت عجزًا عالميًا منقطع النظير، تجاوز حدود كل التوقعات والإمكانات، ويبدو أن تحليل النسق الجيو-سياسي العالمي لما بعد كورونا ينذر ببداية لعصر جديد يجب فيه على الأفراد تحمل مسؤولية صحتهم وتعليمهم وعلاقتهم بربهم وبالآخرين.

لقد كشفت كورونا هشاشة النسق القيمي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي على مستوى الأفراد قبل الحكومات، ورغم أنها ألغت فعليًا قيمة السلطة والمال – على الأقل مرحليًا – إلا أن الأفراد غير الملتزمين بالإجراءات الاحترازية (الصحية) ما زالوا يغرقون في حساباتهم الذاتية الماكرة ومصالحهم العنصرية، لذا كان من الواجب عند الحديث عن جهود الحكومات ومسؤولية الأفراد في الحد من انتشار الجائحة، والتي تختلف من بلد إلى آخر بسبب النظام السياسي والمدني، أن نخرج من دائرة الخوض في العنتريات التي أثبتت فشلها، وأن نقتنع بما أجمعت عليه الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية بأنه أصبح من الضرورة التعايش مع كورونا في إطار من الحذر تحت ظل حقيقة مفادها: (العدوى قد تنتقل دون أعراض)، وهو ما أثبتته أقسام الأوبئة في المستشفيات الألمانية من أن العدوى يمكن أن تنتقل عبر الهباء الجوي.

أصبح الأمر مسورًا، ومجزومًا بمسؤولية الفرد من خلال شعوره بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخرين، بدءًا من الحفاظ على سلامته الصحية من العدوى، مرورًا بالتزامه مع من يعولهم (من حيث إدارة الوقت والتعليم والخدمات)، وبالتزامه بالمواطنة العادية والرقمية، وانتهاءً بابتعاده عن المساهمة في بث الشائعات، وأن يستقي المعلومات من مصادرها الرسمية.

يرى البعض أن المسؤولية تتحملها الحكومات بفشلها في كسب ثقة المواطن، وانتشار الفساد وتراجع مستوى تقديم الخدمات، الأمر الذي دفعه إلى التسليم بأنه لا فائدة من الالتزام بالإجراءات الاحترازية، لكني أرى أنه لو كان هذا صحيحًا ومدعاة للانتحار، فلا داعي لأن يكون مبررًا للتسيب في قتل الغير (من خلال أبطال الانتشار).

وعليه فإن الحد من انتشار الفيروس، لم تعد تحتمل الاجتهادات الفردية العبثية، وتتطلب مزيدًا من الوعي الفردي المساند لجهود الحكومة والمؤسسات الرسمية التي اتخذت قرار التخفيف من إجراءات الإغلاق للحفاظ على ما تبقى من صيرورة النسيج الاقتصادي والاجتماعي للدولة. لكن للأسف، ورغم كل الإجراءات والفتاوى والعقوبات التي صدرتها الحكومات، إلا أن هناك حالات لا يمكن حصرها من الاستهتار من قبل بعض الأفراد الذين ما زالوا غير مقتنعين بوجود الجائحة حتى الآن.

لا داعي للاختباء وراء المسؤولية العامة لننتظر حلولًا جماعية وفق المنطق التبريري، فالخطاب الإلهي يتجه تكليفًا في الغالب إلى الفرد أكثر مما يتجه إلى الأمة والجماعة، ولا أدل من ذلك من قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» [الرعد:11]، والذي يعبر عن قانون لا يعفي أحد من تحمل المسؤولية، ويظهر بما لا يدع مجالًا للشك تقديم الواجب على الحق، حيث إن حرية الشخص وحقوقه تتقيد عند حرية الآخرين وحقوقهم.

وعليه فإن المسؤولية المؤسسية للدولة لن تنجح – مهما كانت فعاليتها – دون مستوى مقبول من المسؤولية الفردية، ولا يمكن الحديث عن المسؤولية الفردية دون الحديث عن الانضباط والأخلاقيات والوازع الديني والقانوني، وهو ما أشار تقرير الأمم المتحدة في مايو (أيار) 2020 الماضي، الذي يدعم فكرة أن الفرد يتحمل مسؤولية نفسه ومسؤولية غيره، وأن استهتاره يعود إلى قلة الوعي، أو انحسار الوازع الديني والأخلاقي، أو الإصابة بالخمول، والكسل، والنزعة إلى الاتكالية وتقديم المصلحة الفردية.

وإن كان البعض يعزو سبب الشعور بالاستهتار واللامبالاة يعود إلى عدم وجود البديل أو توافر الحاجات الأساسية حسب ما جاء في سلم (ماسلو) من احتياجات للأفراد، فإن الأمر لم يعد مسؤولية ذاتية، بل هو مسؤولية اجتماعية، فالموت بسبب كورونا يفوق أضعاف الموت بسبب الجوع، كما أن هرم (كارول) للاحتياجات المجتمعية في الحفاظ على النسيج الاجتماعي، وضع في قاعدته المسؤولية القانونية والأخلاقية للأفراد تجاه المجتمع والبيئة.

وتأكيدًا على ترجيح كفة المسؤولية الفردية على المسؤولية المؤسسية في الحد من انتشار جائحة كورونا، دعونا نفكر في سؤال بسيط: ما سبب مشاكل السير والمرور؟ هل هو الطرق وإشارات المرور والشرطي في الشارع؟ أم هي السلوكيات الخاطئة للأفراد التي لا تحترم آداب المرور؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد