حق أريد به باطل

مما لا يخفى على كل متتبع للشأن العام الوطني، وللحقل الحقوقي بشكل عام، الموضوع الذي طفا في النقاش العمومي إبان قضية هاجر الريسوني، إذ تجدد الحديث عن الحقوق والحريات الفردية، الموضوع الذي تباينت فيه الآراء والمواقف باختلاف الأيديولوجيات الفكرية والسياسية التي قاربت هذا الموضوع من زوايا مختلفة، فبينما حاول التيار العلماني الركوب على الحدث من أجل توسيع ثقب الحريات الفردية، اتخذ الإسلاميون موقف الصامت المحايد كتنظيم، باستثناء بعض المواقف الشخصية الجريئة لرموز إسلامية بارزة.

هنا لا بد من قراءة المواقف المتباينة، ونقف عند موقف جزء من أحزاب اليسار التي تفاعلت مع الموضوع، من خلال مواقف ذات تفاعل شخصي، أو مواقف رسمية تتمثل على سبيل المثال لا الحصر، في مقترح فيدرالية اليسار الديمقراطي لإلغاء عدد من المواد التي تضرب في الحريات الفردية، وهو الطرح نفسه الذي ذهب إلى الدفاع عنه وتبنيه شخصيات ورموز فكرية مثل الأستاذ أحمد رضا الشامي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي دعا كذلك لإلغاء أحكام المادتين 490 و491 من القانون الجنائي، سواء تعلق الأمر بوجود شرط الرضائية أم لا.

كذلك الموقف الواضح لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي أبرزه عدة قياديين، والذي توجه نحو الاقتراح نفسه (عدم تجريم العلاقات الجنسية الرضائية بين البالغين)، وهو ما أكده محمد أوجار وزير العدل السابق، والقيادي بالحزب نفسه، ممارسة الحريات الفردية بعدم مصادمة المجتمع، داعيًا إلى الانتصار للحرية دائمًا، واحترام الحياة الخاصة والشخصية؛ لأن ممارسة هذه الحريات لا يجب أن يتجاوز الفضاء العام، وتابع «إذا كانت اختيارات المواطنين هي ممارسة الحريات، فإنه لا يجب أن تمارس في الفضاء العام»، موردًا أن «العلاقات الجنسية الرضائية مثلًا بين راشدين، بدون عنف، لا تعني المجتمع، ولكن يجب احترام الآخرين عند ممارستها».

في المقابل، والذي أثار الجدل، هو تشبت التنظيمات الحزبية الإسلامية بالتزام الصمت المتعمد تجاه هذا الموضوع، ما عدا بعض المواقف الشخصية المحتشمة لبعض رموزه، كموقف الأستاذ عبد الرحيم الشيخي، الذي أثار الجدل عند حديثه عن هذا الموضوع، مؤكدًا أن كل ما دون العلاقــة الجنسية من التقاء، ومصافحة، وقبلة، أشياء غيــر مجرمة لا شرعًا ولا قانونًا في علاقات الذكور بالإناث، منتقدًا توسيع قضية الفساد، داعيًا إلى تجديد المفاهيم وتحرير العقل الإسلامي، وكذلك موقف الشيخ أحمد الريسوني الذي قال نعم أنا موقفي مع الحريات الفردية، ممارسة ومناصرة، فما لا يحصى من الحريات الفردية أمارسها وأناصرها، ولم لا وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، قد فطرنا الله تعالى محبين للملذات، ميالين إلى الشهوات، حريصين على الممتلكات، متطلعين لفعل الخيرات والإحسان إلى المخلوقات، ونحن أيضًا مفطورون على حرية التفكير والتعبير، والتحسين والتقبيح، والتأييد والاعتراض. لكنه عاد في ختام كلامه ليؤكد أن كل ما يخرج عن زاوية الزواج يبقى أمرًا محرمًا وغير مقبول. 

هنا هل يمكن اعتبار أن خوف التنظيمات الإسلامية من إصدار مواقف رسمية في موضوع الحقوق والحريات الفردية، مخافة فقدان الرصيد الأخلاقي الذي راكمته طيلة سنوات، من خلال محاربة كل ما يخرج عن حدود تفسيره للنصوص الدينية لمعالجة هذه الظواهر.

موقفي النابع من قناعة شخصية راسخة بأن على الدولة أن ترفع يدها عن الحقوق والحريات الفردية، وأن ننتصر كأفراد ومؤسسات لحماية الحياة الخاصة لكل مواطن مغربي، وكذلك إلغاء المادة 490 من القانون الجنائي، وضرورة حماية الحياة الشخصية الحميمية للأشخاص، وكذلك السماح بالإجهاض في ظل شروط أساسية، من بينها ألا تتعدى مدة الحمل ثلاثة أشهر (حماية وصونًا لأسمى حقوق الإنسان، وهو حياة الجنين) وعدة شروط موضوعية أخرى قد تكون موضوع مقالة جديدة.

أختم بقوله عز وجل: «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد