يمثل الخلاص الفردي للكثيرين محاولةً للخروج من المأزق المجتمعي على حساب القيم والثوابت، معللين ذلك بالكثير من المبررات والحيل الدفاعية، بداية من فقدان الثقة في النهضة المجتمعية، ومرورًا بالتعلل بالحياد فيما يخص التقدم الفردي، باعتباره لا تأثير له بما يواجه المجتمع من تحديات، ونهاية بالاعتراف بعدم جدوى التمسك بالقيم ليصبح بذلك الخلاص الفردي هلاكًا للمجتمع.

بداية يظهر المأزق المجتمعي في عالمنا العربي في صورة الانسحاق تحت وطأة منظومات حكم تقوم على إفقار الأغلبية حتى تستحيل حياتهم صراعًا يوميًا من أجل البقاء لصالح قلة ترعى مصالح المستَعمِر القائمة بالهيمنة على مقدرات مجتمعاتنا التي تحيا أوهام التحرر.

وفِي ظل هذا المأزق المجتمعي يندفع الكثير من الأفراد في اتجاه تحقيق خلاص فردي ينتشلهم من معاناة الأغلبية ليلحقهم بصفوف القلة المسيطرة، فنجد كثيرًا ممن يشكون ويتألمون لما يحياه الناس من واقع سيئ يسلكون طريقًا للخلاص يكشف حقيقة أنهم يتألمون لما قُدِّرَ لهم من الوجود في صفوف الأغلبية المقهورة، وليس لما تعانيه هذه الأغلبية.

إلا أن طالبي الخلاص الفردي لا يحرموننا من تقديم تفسيرات يحتالون بها لتبرير مسلكهم.

فتراهم يلقون باللوم على المجتمع وما انتشر به من فساد يستحيل إصلاحه حيث أفرز أجيالا من الفاسدين الذين لا مروءة لهم والمتخاذلين الذين لا تقوم لهم همة في علاج هذا الفساد، بل إن وجودهم لن ينتج، إلا مزيدًا من الفساد والانحدار.

أما وجه الحيلة في هذا التبرير فهو إلقاء اللوم على المجتمع بمعزل عن تلمُس أسباب شيوع الفساد فيه من ممارسات القِلة المسيطرة التي رسخت لهذا الفساد في منظومة محكمة حماية لوضعها، وتثبيتًا لقواعد من وكَّلها على هذا المجتمع، حتى أصبحت محاولات الإصلاح وقيم الاستقامة جمرًا يحرق من يقبض عليه، إلا أن سنة الله أن المجتمعات لا تعدم المصلحين؛ فهم كثير يقومون على الحق، ويتمسكون به، فالخير في الأمة باقٍ إلى يوم القيامة، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد يقدم صاحب توجه الخلاص الفردي كمبرر لتعاونه مع القلة المسيطرة أو موكليها حيلة حياد المهنة والتخصص – وما يتبعه من تقدم علمي ووظيفي – عن أي انتماءات أو توجهات، فهو ملتزم بتقديم خدماته الوظيفية لكل من يطلبها بغض النظر عن موقعه وفكره وتوجهه.

وهذا الرأي على وجاهته لا يصمد للنقد، حيث إنه يخرج من نفس مشكاة القلة المسيطِرة التي تستند إلى مثل هذا الرأي في دعمها لاستمرار هيمنة المستعمِر على مقدراتنا فهم يقدمون أنفسهم غالبًا كمهنيين لا انحيازاتٍ فكريةٍ لهم أو توجهات سوى خدمة المجتمع بأداء وظائفهم بشكل مجرد بعيدًا عن تأويلات صراع الحق والباطل.

أما الرد علي هذا التبرير الحيادي فقد ساقه الإمام أحمد ابن حنبل في رده على سجَّانه حين سأله يا أبا عبد الله الحديث الذي روي في الظَلَمَة وأعوانهم صحيح؟ قال الإمام أحمد: نعم.

قال السَّجَّان : فأنا من أعوان الظلمة ؟

قال الإمام أحمد: فأعوان الظلمة من يأخذ شعرك ويغسل ثوبك ويصلح طعامك ويبيع ويشتري منك فأما أنت فمن الظلمة أنفسهم.

فتحرير المهن من معركة الحق والباطل إعانة للظالمين على ظلمهم، ففرعون لم يطغ إلا بمعونة جنده، ولولا أعوان الظلمة ما ظلموا، ولا تسلطوا على الخلق، فصراع الحق والباطل يشمل كل المجالات، فأنت إما من الظالمين وأعوانهم، وكليهما شر، أو أنك مع الحق وجنده.

أما اذا أعيت الحيلة أصحاب الخلاص الفردي، فقد يصارحونك بعدم جدوي التمسك بالفضائل التي لا تورث إلى البؤس والتهميش المجتمعي، وقد ناءت أنفسهم عن تحمل تبعات التمسك بها كما صارح الضابط أدهم السجين السابق اللمبي في فيلم: اللي بالي بالك، من خلال مشهد رائع جمع الضابط أدهم: حسن حسني، واللمبي: محمد سعد، في صراع حول محاولة اللمبي منع أدهم من تهريب سجين مقابل أموال توفر الراحة المستقبلية لأدهم الذي اعترف بأن التمسك بالقيم والأخلاق جعلا منه مواطنًا درجة ثانية.

فيصرخ أدهم مستعطفًا: اعمل معروف يا لمبي ده أنا مستني الفرصة بقالي كتير وأهي جت.. ساعدني يا ابني!

فيرد اللمبي متأثرًا: بقى عشت طول عمرك مستني فرصة تبيع فيها نفسك.. يا راجل ده أنا طول عمري مستني نص فرصة اشتري فيها نفسي!

نعم هذه هي الحقيقة.. هناك بيننا من ينتظر بشغف فرصة لينقذ نفسه على حساب هلاك مجتمعه، وهناك من ينفق عمره للحصول على نصف فرصة ليشتري نفسه بإنقاذ مجتمعه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد