تكمن خطورة الذئاب أنهم مجهولو الهوية، ومن الصعب أن تجد لهم ملفًا أو سيرة ذاتية أو معلومات، لكن من حسن الحظ أن الذئاب المنفردة المنتمية لداعش من السهل معرفة منفذ عملياتهم وخلفياته الإجرامية.

هذا التوجه الجديد لتنظيمي القاعدة وداعش وغيرهما الذي بات يشجع العمليات الإرهابية الفردية سيدفع الجهات الأمنية عبر العالم إلى مراجعة استراتيجيتها لمحاربة هذا النوع من الإرهاب الجديد، إذ إن تطور طبيعة الخلايا ونوعية الاستقطاب مؤشر على تحول خطير في عدة الإرهابيين وأهدافهم، فلم يعد يقتصر الأمر على الاستقطاب من بين فئات غير متعلمة وهشة اجتماعيًّا، بل في ظل فئات ذات مستوى عالٍ وتكوين تقني كالمهندسين وذوي التخصصات العلمية للاستعانة بخبراتها، خاصةً في الهندسة الإلكترونية والكيمياء والفيزياء، وهو ما مكن من تغيير استراتيجية التخطيط بدءًا بتحول فضاءات الاستقطاب نحو الشبكة العنكبوتية، وأيضًا انتقاء الأهداف، وضمان سرية وفعالية أكبر في الحركة والإعداد للعمليات.

تأصيل ظاهرة الذئاب المنفردة

تعتبر ظاهرة ما أصبح يطلق عليه «الذئاب المنفردة » أو الجنود التائهة، من أحدث النظريات الأمنية في التعامل مع ملف الإرهاب الدولي، وتتحدث باختصار عن وجود جماعات صغيرة العدد أو حتى أفراد يعتنقون الأفكار الجهادية ويرتبطون أيديولوجيًّا بتنظيمات متشددة على غرار القاعدة، ويقومون بالتخطيط لعمليات إرهابية بصورة مستقلة ووفقًا لمقتضيات الواقع والبيئة التي يعملون بها. وقد جاء ظهور هذه الذئاب المنفردة وزاد خطرها بعد مقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن، والذي أدى لتغير قواعد اللعبة، مما دفع عددًا ممن ينتمون للقاعدة إلى العودة إلى أوطانهم، وخاصةً مع تغير الوضع الجيوسياسي وزعزعة الاستقرار، بالإضافة إلى تصاعد الهجمات الأمريكية على معاقل القاعدة وطالبان في باكستان وأفغانستان، مما دفع أعضاء التنظيم للهروب إلى دولهم مرة أخرى وتكوين خلايا نائمة، وتنفيذ عمليات إرهابية بصورة منفردة مستغلين إمكانات بسيطة، لإحداث ضجة إعلامية، وتحقيق أهداف تخدم التنظيم بصورة أكبر.

وتشكل هذه الظاهرة الجديدة جزءًا من استراتيجية القاعدة الجديدة في مرحلة «الجهاد المفتوح المصدر»، والتي تلت شن الولايات المتحدة «الحرب على الإرهاب» التي أدت إلى تشتت خلايا المنظمة حول العالم، واحتاجت المنظمة لبديل بعد أن تعقبتها الضربات الأمريكية في مراكز عملياتها التقليدية في أفغانستان وباكستان واليمن، وعندها تقدم رجل يدعى «أبو مصعب السوري» والذي عرف فيما بعد بـ«مهندس القاعدة الجديدة» بمخطط جديد لنقل حرب القاعدة إلى الغرب، ويتلخص المخطط في أن كل مسلم «يجب أن يمثل جيشًا من رجل واحد» من هنا فالخبراء يقولون إن هذا هو الصراع الجديد الذي يواجه قوى الأمن حول العالم، فالمشكلة ليست في خلايا الإرهاب التقليدية، والتي يتوقع عادة أن تكتشف من خلال طرق الاستخبارات التقليدية، بل في الأشخاص الذين يعملون بأنفسهم بعد أن يصبحوا متشددين من خلال متابعة الخطب والمنشورات على الإنترنت، فكل المنفذين ليس لهم أي سجل أمني، وكلهم من طبقات متعلمة ميسورة، وينتمون للجيل الثالث من القاعدة، أي أن مظهرهم لا يدل على تدين؛ فهم لا يرتادون المساجد، يلبسون سراويل الجينز، تعلموا في الغرب، وبعضهم ولد فيه.

ويبدو أن عدم قدرة التنظيمات الجهادية على تنفيذ هجمات واسعة النطاق بشكل مباشر، قد أثار دعوات داخلها لحث جماعات غير مرتبطة به على شن الهجمات، وقد تبلور هذا الاتجاه في مقالة نشرت بمجلة القاعدة في جزيرة العرب التي تصدر بالإنكليزية، إنسباير، ادعى كاتبها أنه يسعى إلى تعليم القراء «كيفية صنع قنبلة نووية في مطبخ أمك». ولصدور هذه المقالة باللغة الإنكليزية دلالة كبرى، إذ كان جليًا أنها تتوجه إلى المقيمين في الغرب من المتأثرين بفكر القاعدة.

بؤرة الحريق التي غيرت العالم

قبل 5 سنوات بدأت الأزمة السورية لتبدأ مع تصاعد حدتها أكبر موجة نزوح ولجوء منذ الحرب العالمية الثانية؛ فرارًا من الحرب الدائرة في هذا البلد، وبحلول عام 2015، تم تسجيل أكثر من ستة مليون لاجئ سوري في دول الجوار خصوصًا الأردن ولبنان وتركيا والعراق، وعلى الأرجح توجد عشرات الآلاف الأخرى من اللاجئين غير المسجلين، ويقدر عدد من ينتظرون التسجيل بحوالي 227 ألف شخص.

وعبر عشرات الآلاف من السوريين الحدود نحو أوروبا؛ هربًا من الحرب الأهلية السورية، وتم استقبالهم أساسا في ألمانيا والنمسا، بينما علقوا ومنعوا من حرية التنقل في المجر التي بدأت في بناء حاجز بينها وبين صربيا، وذلك يبين تباعد السياسات تجاه هذه الأزمة بين دول الاتحاد الأوروبي.

وفي أبريل 2013، برز تنظيم داعش بقوة في الأزمة السورية، وشكلت مخيمات اللاجئين بيئة مناسبة لتجنيد عناصر وضمها للتنظيم، وبحسب استخبارات غربية فإن داعش دربت نحو 400 مقاتل لشن هجمات إرهابية داخل أوروبا في المناطق التي تسيطر عليها، خاصة مدينة الرقة عاصمتها في سوريا.

لكن هناك أيضًا معسكرات تدريب في العراق، وبعض الجمهوريات الإسلامية في الكتلة السوفيتية السابقة. كما أن هناك عناصر من داعش تتحرك بين تركيا والأردن لتجنيد سوريين من مخيمات إيواء اللاجئين بهدف إرسالهم لاحقًا إلى أوروبا.

ويظل الخيار الأسهل، خصوصًا فيما يتعلق بضمان حرية الحركة والتنقل داخل أوروبا، هو تجنيد الشباب المسلم من أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين من المغرب العربي.

نماذج لعمليات الذئاب المنفردة

تمثل الذئاب المنفردة أكبر تحد يواجه أجهزة المخابرات المحلية والإقليمية والدولية، إذ لا يمكن مراقبة أو متابعة الذئاب المنفردة، فهم يخططون ويحضرون وينفذون بمفردهم، وهو مكمن الخطورة. وكانت عملية تولوز سنة 2012، والتي قام بها الشاب الفرنسي ذو الأصول الجزائرية «محمد مراح» بمثابة جرس إنذار شديد الوقع على خطورة الذئاب المنفردة.

مع بداية «الحرب العالمية» -كما يطلق عليها عدد من السياسيين – على تنظيم الدولة الإسلامية، دعا الناطق باسم التنظيم أبو محمد العدناني أنصاره ومؤيديه إلى مهاجمة مصالح ورعايا الدول التي تشارك في الحرب أينما كانت. وبالفعل بدأت مؤشرات الاستجابة للنداء بالظهور عبر اختطاف فرنسي في الجزائر وذبحه على طريقة التنظيم.

واقتحم الإرهابي «مؤنس هارون» مقهى «ليندت»، في العاصمة الأسترالية «سيدني»، يناير 2015، واحتجز عددًا من الرهائن، ما أسفر عن مقتل اثنين منهم. وانتهى الحصار بمقتل «هارون»، الذي كان ينفذ مخطط «الذئب الوحيد» الذي دعا إليه «داعش»، بـ 22 رصاصة من قبل أحد قناصي الشرطة الأسترالية.

يضاف إلى ذلك حادثة قيام المواطن الكندي مايكل زحاف بيبو بقتل جندي وإطلاق النار داخل البرلمان في العاصمة الكندية أوتاوا. ويرجح أن يكون الهجوم رد فعل على قرار كندا المشاركة في العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة. وتوضح أنه مأخوذ حرفيًّا من أدبيات تنظيم القاعدة الذي يطالب أنصاره بقتل الأوروبيين والأمريكيين «الكفار» متى سنحت الفرصة.

وأعلن تنظيم «داعش» الإرهابي، 19 مارس 2015، مسئوليته عن الهجوم المسلح واحتجاز رهائن في متحف «باردو» بتونس. وكان المسلحون احتجزوا عددًا من السياح الأجانب في متحف «باردو» التونسي، وتمكنت قوات الأمن من تحريرهم، وخلفت الاشتباكات سقوط 22 قتيلًا، وعشرات الجرحى، قبل أن يُقتلا، وتخرج بعدها الحسابات المؤيدة لـتنظيم الدولة الإسلامية وتبارك عملية «الذئاب المنفردة». وطالب الرئيس الباجى السبسي الشعب بالتعبئة العامة بهدف التصدي للإرهاب الذي يستهدف الدولة.

وفي ما يلي رصد لأبرز الهجمات التي شهدتها بريطانيا:

7 يوليو/ تموز 2005: أربع هجمات تفجيرية منسقة في ساعة الذروة في ثلاثة قطارات مترو وحافلة في العاصمة البريطانية لندن أوقعت 56 قتيلًا و700 جريح، وقد تبنتها مجموعة تنتمي إلى تنظيم القاعدة.

22 مايو/ أيار 2013: بريطانيان من أصل نيجيري، هما مايكل أديبولاجو (29 عامًا) ومايكل أديبوال (22 عامًا)، قطعا رأس الجندي لي ريغبي من قوات الخيالة التابعة للقصر الملكي في وضح النهار بشارع يقع قرب ثكنة ووليتش الواقعة جنوب شرق لندن، في هجوم عدته الحكومة «إرهابيًّا».

أغسطس/ آب 2014: رفعت بريطانيا مستوى تهديد الإرهاب إلى «خطير»، وهو ثاني أعلى مستويات التهديد، وينذر بأن احتمالات وقوع هجمات مرتفعة للغاية، وعزت السلطات البريطانية ذلك – في الأساس- إلى الخطر الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية، والبريطانيون الذين انضموا إليه.

5 ديسمبر/ كانون الأول 2015: شاب بريطاني من أصل صومالي يسمى محي الدين مير (29 عامًا) يطعن ثلاثة بريطانيين في محطة مترو ليتونستون شرقي لندن، وقد أكدت تحقيقات الشرطة البريطانية أن الشاب مصاب بمرض عقلي، ولا علاقة له بأي نشاط إرهابي.

16 يونيو/ حزيران 2016: مقتل النائبة البريطانية عن حزب العمال جو كوكس (41 عامًا)، بعدما أطلق النار عليها توماس مير (52 عامًا)، وهو مؤيد لليمين المتطرف، ببلدة بريستال قرب ليدز في شمال إنجلترا.

وكانت «جو» من النجوم الصاعدين في حزب العمال البريطاني، ومن الداعمين لزعيم الحزب جيريمي كوربن، وكانت من مؤيدي بقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي، ودافعت عن استقبال اللاجئين.

3 أغسطس/ آب 2016: هجوم باستخدام سكين نفذه شاب في الـ19 من عمره وسط لندن، وأدى إلى مقتل امرأة في الستينيات من العمر، وإصابة خمسة أشخاص بجروح.

22 مارس/ آذار 2017: مقتل خمسة أشخاص – أحدهم منفذ الهجوم- وإصابة أربعين آخرين في هجوم قرب البرلمان البريطاني، إذ أقدم رجل على دعس مارة فوق جسر وستمنستر قرب مقر البرلمان، كما صدم بسيارته السياج الخارجي للبرلمان، وطعن بعد ذلك شرطيًّا فأطلق زميل له النار على المهاجم مما أدى لمصرعه.

ووقع الهجوم بينما كان مجلس العموم يعقد جلسة مساءلة أسبوعية لرئيسة الوزراء تيريزا ماي التي غادرت مقر البرلمان في سيارة. تبنى تنظيم الدولة الإسلامية هجوم مانشستر يوم 22 مايو 2017، وأودى بحياة 22 شخصًا بينهم أطفال، وإصابة 59 آخرين. ووقع الانفجار عند الساعة 10:45 مساء الاثنين بالتوقيت المحلي (09:45 مساء بتوقيت غرينتش) في قاعة الحفلات «مانشستر أرينا»، حيث كان يقام حفل للمطربة الأمريكية أريانا غراندي.

قتل 7 أشخاص وأصيب 48 شخصًا، بعد أن قاد مهاجمون شاحنة صغيرة تسير مسرعة بسرعة 50 ميلًا في الساعة، ولقد انحرفت عن مسارها وتعمدت الصعود على ممر مملوء بالمشاة كانوا يعبرون آنذاك الجسر، ودهسوا المارة على جسر لندن قبل أن يطعنوا أناسًا آخرين في منطقة بورو ماركت المجاورة، السبت 3 يونيو 2017.

وشهدت منطقة بورو ماركت هي الأخرى اعتداءً إرهابيًّا بعد أن انتقل المهاجمون الثلاثة، بحسب الشرطة، إليها وقاموا بعمليات طعن عدة في مطعم هناك قبل أن تحاصرهم الشرطة في المنطقة وتقتلهم.

في فرنسا:

استهدفت سلسلة هجمات – الجمعة 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015- ستة مواقع في العاصمة الفرنسية باريس، أسفرت عن مقتل 129 شخصًا على الأقل، وإصابة قرابة 352.

ووقعت التفجيرات قرب ملعب فرنسا الدولي في الضاحية الشمالية لباريس، وفي الشرق الباريسي حيث توجد حانات مشهورة تكتظ عادة بالرواد خلال عطلة نهاية الأسبوع على مقربة من ساحة الجمهورية.

كما تعرض مسرح «باتاكلان» في وسط باريس لهجوم قتل فيه نحو مئة شخص، بينما تعرّض مركز للتسوق قرب باريس لهجوم أيضًا.

ردود الفعل الدولية على ظاهرة الذئاب المنفردة

بدأت ردود الفعل حول «الذئاب المنفردة» تتوسّع شيئًا فشيئًا مع تصاعد التحذيرات، مثلما هو الحال بالنسبة إلى أشياء أخرى كثيرة في السنوات الأخيرة، في طريق الدولة البوليسية الأمريكية. وإحدى ردات الفعل هذه يأتي في شكل برنامج اسمه «مجابهة التطرف العنيف».

يهدف هذا البرنامج إلى عقد شراكة مع الجاليات (كلها تقريبًا جاليات مسلمة على المستوى العملي) تحت مسمى الوقاية من الإرهاب. ويقوم على توفير فضاءات آمنة يمكن لأفراد الجاليات (المسلمة بالخصوص) أن يتناقشوا فيها في السياسة والدين دون خوف من أعوان الحكومة المتربّصين.

لكن، تكون ضريبة هذا «الأمن» دفع أفراد هذه الجاليات لاحقًا لنقل ما قيل إلى السلطات بحجّة محاولة التعرّف على من هم عرضة ليصبحوا «ذئابًا منفردة» أو متطرّفين عنيفين. وترى الجاليات المسلمة الأمريكية أن تكليف أفراد منهم لنقل محتوى النقاش للسلطات، لا يختلف كثيرًا عن زرع عملاء بينهم.

مثل هذا البرنامج، فضلًا عن طرق أخرى مبتكرة للمراقبة على الإنترنت وجمع بيانات «بيومترية» عن الأفراد (أي الخصائص البيولوجية التي ينفرد بها كل شخص مثل مقاييس الوجه والحمض النووي)، تمثل اعتداء صارخًا على المجتمع الحر. وستكون النتيجة خلق عالم قمعي بامتياز.

ومن الواضح من الآن أن هذه «الحلول» لن تنجح إذ من المتوقع أن تطغى الحالات المشتبه فيها بالرغم من براءتها تمامًا على الحالات الخطيرة فعلًا. لكن يظهر أنه بالرغم من عدم نجاعة سياسة الدولة الأمريكية الأمنية التي تقتحم الحياة الشخصية للمواطنين، لن يتوقف مساندوها على الدفع من أجل الحصول على المزيد من السلطة وطرق المراقبة المنتهكة للحريات. وهكذا كثيرًا ما يكون الأشخاص الذين يتعهدون بحماية حياة الناس وحرياتهم هم أنفسهم من يطلقون إنذارًا كاذبًا بشأن «الذئب المنفرد»، في عملية استنفار وهمية.

الخلاصة

تدور الحرب الراهنة على تنظيم الدولة – والجهود العالمية والإقليمية والمحلية لمكافحة هذا النموذج وقدرته على توليد استراتيجيات وتكتيكات جديدة- في الحلقة المفرغة نفسها، وهي لا تتعلم – أو ربما بعبارةٍ أدقّ تتجاهل- الدرس المهم لمواجهة ذلك، وهو أن نمو هذه الشبكة الراديكالية والنماذج المرتبطة بها لا ينفصل عن الأزمة التاريخية السياسية في المنطقة العربية، بينما يكمن المفتاح الذهبي – وربما الوحيد- لمواجهة ذلك والتغلب على ظاهرة الذئاب المنفردة وغيرها من الظواهر، في مواجهة الأسباب الحقيقية لنموها وصعودها، وذلك عبر بسط الديمقراطية والعدالة والبحث عن مستقبل أفضل وضوء في نهاية النفق الذي تعيش فيه هذه المجتمعات!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد