المقدمة:

يعاني المجتمع العراقي من حالة عنصريةٍ وطائفيةٍ أليمةٍ، ليس لها مثيل في الدول العربية الأخرى، ألمٌ ما يجعل أراضيه ينشق إلى عدة رقعٍ مع عنصر وطائفة الجماعة، ما بين الشمال والجنوب، ما بين الأكراد والعرب والتركمان، بين الإسلام والمسيحية واليزيدية، ما بين السنة والشيعة، وما بين عائلةٍ وعائلةٍ، وقبيلةٍ وقبيلة، ثم حزب سياسيٍّ وآخرٍ. تتنافر عند التقاء أعضائه بعضهم ببعض في أسواق ومقاهي، يتبادلون اللوم معًا عندما ينهدم اقتصاد وسياسة الوطن، وحتى لو كان الانهيار آتيًا من خارج البلاد، ولا يرتاحون إلى أصدقائهم، ولا إلى جيرانهم، ولا إلى المار الذي يسلم عليهم، إن كان من طائفةٍ أو عنصرٍ آخرٍ.

الطائفية والعنصرية تعد من الحالات الخطرة المدمرة للدولة؛ بغض النظر عن مصادره البيئية؛ حيث يجعل كل فرد من جماعة أو عرقٍ معين؛ يتعصب ويختلف مع الفرد الآخر، المقيم في نفس المكان مؤديًا إلى توترٍ، وعدم تناغم داخل مجتمعه. إضافة إلى ذلك يتشتت عزم الدولة وعسكريتها، لينفصل إلى عدة قطع غير متصلة، وينهار اقتصاده لرفض بعضٍ من أعضائه العمل لصالح طائفة أخرى ومتاجرة السلع معهم، كذلك تفشل سياسته وإدارته لوجود اختلافات جذرية بين حكامه ومديريه، وبين الشعب المحكوم؛ فيضعف فيه روح الوطن كون الوحدات المكونة له، في تنازع مطلق فيما بينهم.

والعلة الكبرى أنه لا توجد روابط قوية كافية، تربط أفراد العراقيين مع بعض؛ ليجمعهم معًا؛ لتكوين بلدٍ واحد، فلا الدين يربطهم بقوةٍ معًا ولا العِرق يكوّن رابطًا لهم، ولا هم راضين، بأن يكونوا تحت جناح حزبٍ واحد؛ الوطنية عندهم ضعيفةٌ للغاية؛ وذلك لأن البلد في حالة صراع داخلي لا متناهٍ، ينزل وعي الشخص الموجود فيه إلى طائفته أو عنصره بدلًا من رؤية الصورة الكبرى للوطن.

توفر هذه المقالة محاولةً لتهدئة العنصرية والطائفية في العراق؛ وذلك بتوضيح فكرة الجماعية؛ التي ينتمي إليها البلد واقترانه مع العنصرية والطائفية، ثم تقديم الفردية من خلال نظريات علمية؛ آخذًا من العلوم الطبيعة البشرية الأحيائية، والنفسية، والاجتماعية إلى عقل الفرد العراقي آملًا أن يعي وضعية الموقف الحرج الذي يحصل في البلاد، وعاكسًا اتجاه أهدافه وقيمه إلى ذاته بدلًا من الطائفة أو العنصر المنتمي إليه.

تعاريف لا بد منها:

مع بداية الأمور، يفضل للقارئ أن يفرق بين مصطلحين مذكورين؛ الطائفية والعنصرية، وذلك لتدقيق أكثر حول المادة، وتقدير وتقييم الوضع القائم، ثم بناء خطةٍ متقنةٍ؛ تهدف إلى مساومةٍ لوضع حلولٍ محتملةٍ لكلٍّ منهم.

-الطائفية: هي مصطلح يستخدم عندما يقوم الفرد الذي ينتسب إلى طائفة (جماعة) معينة بالتعصب وازدراء وحمل ضغينة ضد طائفة أخرى، بشرط ألا تكون هذه الجماعات عرقية أو قبلية أو تكون ناتجة عن جغرافية المكان. تطلق هذا المصطلح حصرًا، عند انتماء الفرد إلى طائفةٍ انتماءً فكريًّا؛ سواء أكان ذلك أفكارًا دينية أو سياسية، أو مذهبية فلسفية معينة، وتعصبه نحو انتماءات فكرية مختلفة عنه.

-العنصرية: مصطلح يطلق على شخص يحمل ضغينة، أو يتعصب، أو يزدري عرقًا آخر من عرقه بيولوجيًّا (مثل عنصرية البيض على السود) أو يمتلك جنسيةً أخرى مختلفة عنه (من موقع جغرافي آخر أو دولة أخرى) أو قبيلة، أو نسب معين غير نسبه.

كلاهما الطائفية والعنصرية موجودة في العراق؛ فهي تقوم بسحب وتمدد الدولة إلى مدى التمزق، وتشكل جزءًا من أسباب فشله السياسي والاقتصادي، والإداري، وتقدمها نحو مستقبلها وتطورها؛ فالعنصرية موجودة على شكل طبقاتٍ عدة، فمن ناحية العرقية ضد أعراق أخرى موجودة في العراق؛ ومنهم الأكراد والعرب والتركمان، ومن ناحية موقعيةٍ لأفراد من مدينة أخرى أو من الشمال، أو من الجنوب، وكذلك من ناحية القبلية، وانتساب الفرد إلى نسب معين أو عائلة معينة؛ وإن كانوا من العرق نفسه.

أما الطائفية فهي موجودة وممتدة بين أماكن، وأشعلت الحروب على مدى سنوات في أرض العراق، منه طائفية الأديان ضد الأديان الأخرى، ومنه أيضًا المذهب الذي ينتمي إليه الشخص من مذاهب أخرى الموجودة في الدين نفسه، وكذلك الحزب سياسي الذي يرتبط به الشخص من أحزاب المتعددة.

كل هذا الاجتماع والتكثفات المتعددة من الأعراق والأديان والقبائل والأحزاب في نفس رقعة الجغرافية (في العراق) وبمسافات متقاربة (في مدن المختلطة) أدت إلى ظهور تشاحنات ومضاغنات بين مناطق التقاء طائفة أو عنصر معين مع طائفة أو عنصر آخر، أو داخل اامدن والقرى التي تختلط به هذه المكونات وتتنوع، وكذلك أدت وما تزال تؤدي إلى حمل ضغائن إلى أزمان مستقبيلة الأجيال القادمة من زمن الحالي.

الحل يكمن داخل أفراد المجتمع وفلسفتهم الشخصية الذي يطبقونها عند التعامل مع أشخاص آخرين، وقيامهم بتصرفات وسلوكيات تساهم في ازدياد أو التقليل من حدة العنصرية والطائفية. بشكل عام وفي علم النفس الاجتماعي هناك نوعان من الأفكار يمكن أن يتبناها أفراد المجتمع أو دولة معينة أو رقعة محددة، وهي إما فكرة الفردية أو فكرة الجماعية. هما يضيفان إلى حركة وسلاسة الشخص نحو التصرف تجاه أشخاص آخرين ويقومان بتأليف الأفكار ومشاعر الفرد تجاه الطرف المقابل. الحل يختبئ في واحد منهما والتفسير ينطوي في الآخر.

-الجماعية (Collectivism بالإنكليزية): هي نظرية اجتماعية ثقافية توصف اتجاه عقلية الفرد نحو المجتمع، وتقدير الأهداف والقيم الجماعية المشتركة بدلًا من أهداف الفرد الشخصية. يكون الأفراد المنتسبين إلى هذه الثقافة الفكرية مترابطين معًا غير مستقلين فكريًا، عقائديًا، أو فيزيائيًا مجتمعين في رقعة ما. يتجه الشخص جماعي التفكير نحو إرضاء أعضاء مجتمعه ككل، وينظر إليهم بعين واحدة، ثم يكره الجماعات التي تختلف أو تحارب مجموعته، حتى لو لم يؤثر ذلك الاعتداء أو الاختلاف عليه شخصيًا.

من الخصائص التي يمتلكها المرء في تفكير الجماعية هو أنه: مطيع، مضحي النفس للآخرين من مجموعته، حساس لمشاعر الجماعة (يحب إرضاء الناس المنتمين إلى جماعته حتى لو كان على حساب نفسه)، متعاون مع الفريق والجماعة في أمور عدة وأهداف مشتركة، متواجد مع الجماعة (لا يكونون وحيدين فيزيائيًا وتواصليًا)، يشعر بالعار عندما يخذل الجماعة، الشعور بالسعادة والمتعة يأتي مع إرضاء جماعته أو مع ما يحصل في جماعته (مثلًا تلقي واحد من جماعته المنصب، فهو يشعر بالمتعة حتى لو كان هذا الأمر لا يؤثر فيه شخصيًا)، يعتمد على الآخرين عند القيام بأمور معينة، مثلًا اقتراض المال من الجماعات عند شراء أشياء ثمينة. في الجماعية، المجتمع يعتني بالفرد ويخفف من حدة سيف الحياة، في المقابل يجب على ذلك الشخص أن يكون وفيًا لذلك العنصر والطائفة. والشخص المفكر جماعيًا يحاول دائمًا أن يجذب الأشخاص إلى طائفته أو جماعة الذي هو عنصر به.

-الفردية (Individualism ): هي نظرية اجتماعية يقوم الشخص المنتسب إليها بتفضيل أهدافه الشخصية وحياته واستقلايته عن الآخرين. تحاول الفكرة تسليط الضوء على فردية الشخص وتمييزه عن آخرين وليس فقط من جماعات أخرى.

والصفات التي يملكها الشخص المنتسب إلى الفردية هي: مستقل عن الآخرين (ماديًا، فيزيائيًا، وكذلك فكريًا يمكنه الانتماء الى أفكار مختلفة عن الآخرين)، الخصوصية هي قيمة بالنسبة له ودائمًا يحاول الدفاع عن حريته، يكون متنافسًا مع الآخرين حتى لو كانوا من نفس أفراد جماعته أو قبيلته، يحاول اكتساب مصالحه الشخصية لنفسه بدلاً من اكتساب مصالح عامة لجماعته، الشعور بالذنب عند فشل أحد أهدافه، الشعور بالمتعة يأتي من مكاسب شخصية، يعتمد على الذات في قيام بكثير من الأمور. المجتمع الفردي يفضل التمييز بين أشخاص آخرين حتى لو كانوا من نفس الجماعة، وكذلك يفضل التعبير عن المشاعر والأفكار بدلاً من موافقة رأي الجماعة. في الفردية، من الجدير للأشخاص أن يعتنوا بأنفسهم ويستقلوا عن عائلتهم. ومن محاسن الفردية، تحمل مسؤولية فرد معين بدلاً من جماعة معينة، فكر حر وعدم تقبل الأفكار والمعتقدات من دون دليل واضح بسبب تقبل الجماعة. وكذلك الشخص الفردي يأخذ أفكارًا دينية أو معتقدات أخرى فلسفية لذاته ولا يحاول تغيير أفكار المجتمع أو أفكار غيره وجعله جزءًا من ديانته أو معتقده.

لماذا أصبحت الدول العربية جماعية بدلًا من أن تكون فردية؟

لو أخذنا البشرية وحللنا تفكيرها المطلق نرى أن الطبيعة فضلت الجماعية على الفردية، والإنسان بجوهره كائن اجتماعي يأخذ مجرى الجماعية بدلًا من الفردية. تحاول الجماعية بقدر الإمكان التخفيف من متطلبات وضغوط الحياة مسلطة على الكائن الحي، وذلك عند انضمامه إلى مجموعة.

الجماعية تخفف من جهد الفرد إلى المجموعة ليساعد بعضهم البعض الآخر لتحقيق الأهداف والمصالح المشتركة مثل مجموعة مسامير تتحمل ضغط وزن الشخص ويرفع قدمه بسهولة، على عكس مسمار واحد يخترق الجلد بفعل عدم القدرة على تسليط قوة معاكسة له. جزء منا مبرمج جينياً لتكوين جماعات مع أشخاص يشبهوننا في الأجساد أو الأفكار أو نشأوا في رقعة معينة. هؤلاء الناس الذين نحاول الانضمام إليهم سواء اخترناهم بالعقل الواعي مثل الأصدقاء والزملاء في العمل، أو لم نخترهم من الوعي كالعائلة المولودين فيها، أغلب الأحيان يشاركون نفس الأهداف في البقاء على قيد الحياة. وهذا لا ينطبق فقط على البشر؛ فهي موجودة في عدة كائنات مختلفة في الطبيعة منها النمل والنحل والضبع والأسود، وجود كائنات على شكل أفراد وحيدين نادرة. هذا يعطينا خلفية علمية لتشكيل البشر جماعات بينهم وقبائل، وذلك لتوحيد قواهم والتخفيض من حاجات الفرد.

المجتمعات الشرقية وخصوصًا الدول العربية هي مثال لتطبيق الجماعية، عادة نرى تصرفات وسلوكيات جماعية يقوم به الفرد العربي لإرضاء الجماعة مثل إكرام الضيف والعطف على الجيران، وعدم إعطاء الرأي المخالف، والحرج داخل المجموعة حفاظاً على مشاعر الآخر، كذلك نرى محاولة الأفراد لبلوغ القيم والأهداف الجماعية كتبرع الأفراد لتوفير مستلزمات للمحتاجين، ومد يد العون للأشخاص المنتمين إلى نفس الجماعة، وحساسية الفرد من التغييرات التي تحدث في جماعته ومثالها هي العنصرية والطائفية. ويكون اللبس وتفضيل بعض الأطعمة مختارة من قبل الجماعة ويجبر الفرد عليه من دون اختياره. كذلك آراء الشخص وأفكاره في مجتمع جماعي شرقي عادة تكون آراء وأفكار الجماعة، ونادراً ما نرى اختلافًا وانجرافًا من رأي وأفكار المجموعة.

لا تدل العلوم الاجتماعية على سبب انتشار فكرة الجماعية في المجتمعات الشرقية –عدا المذكور سابقاً بشأن طبيعة البشر- ولعل بعض الأسباب تعود إلى قلة مصادر المعيشية المادية في البيئة، وهذا لا شك يجعل الحياة صعبة على الفرد؛ لذلك يحاول فيه الاجتماع وتمركز في رقع معينة ليكون جماعات لمساعدة بعضهم بعضًا استجابةً للبيئة الشرقية الفقيرة الصحراوية القاسية. والسبب الآخر لانضمام الفرد إلى جماعية هو تأثير وضغط جماعات الأخرى من بيئته عليه، مما يجعله غير قادر على مجاراتهم والوقاية من شرهم؛ لذلك يضطر فيه أن ينتمي إلى مجموعة لزيادة حمايته الشخصية، ويتعلم من السابقين بأن الفرد الوحيد لا ينجو ولا يأمن في بيئته، مثل ما يقول البيت «تعدو الذئاب على من لا كلاب له…وتتقي مربض المستنفر الحامي».

الصراع والتعصب لا بد أن يوجد بين الجماعات أينما وجدت، إن لم يكن في رقع مختلفة ففي أزمان مختلفة مثلما هو موجود بين الأفراد، لكن تأثيرها يكون أقوى وأخطر على المجتمع ككل، مقارنةً مع صراع الأفراد، وهي تؤدي إلى الدمار والخراب لا محال، بالإضافة إلى أنه يتعرض كثير من الأشخاص الأبرياء لهذه القوة المدمرة إلى حد يخالف أخلاقيات الإنسانية الذي تبنيناه. الحبل الذي يربط أغلب المجتمعات الشرقية الجماعية والعربية هي أحادية الثقافة وتوحد الأحزاب (أو على الأقل الأغلبية منهم) مثل توحد الديانة في السعودية، وتوحد أحزاب السياسية فيه، وتوحد العنصر العربي المكون له. وكذلك الأمر في دول البحرين والأردن والكويت.

المختلف في العراق عن الدول العربية الأخرى هو تجمع أعداد متنوعة جداً ومتناقضة للبعض من الجماعات؛ مما يجعل العنصرية والطائفية تظهر بشكل واضح أكثر من غيره من المجتمعات الشرقية. ونقدر بسهولة أن نتهم الجماعية بالعنصرية والطائفية فيها لأنها حتماً الملام في تلك القضية.

كيف تخلق الجماعية العنصرية والطائفية؟

تكلمنا بصورة نظرية عامة ومن طبيعة البشرية، بمجرد انتماء الفرد إلى جماعة معينة مختلفة عن المجموعات الأخرى المحيطة به تؤدي ذلك به تلقائياً إلى تفضيل عنصره وطائفته بدلاً من الطائفة الأخرى، سواء كان في أمر بيولوجي كالجمال والذكاء وكمية الجهد المبذول بين عنصره وبين عناصر أخرى، أو مادي كالغنى، أو فكري في مذهب معين أو تصرف معين وأمور كثيرة أخرى. والحرب إن قامت تكون أشد وأدمى بين هذه العناصر والطوائف؛ لأنها حروب جماعية يحاول كل فرد من جماعة أن يقاتل ويحارب أفرادًا آخرين من مجموعة أخرى، إن لم يكن بالسلاح، فالمقاطعة، أو بالازدراء. اختصارًا، تعصب مجموعات على بعضها البعض أمر مقضي، ولا يمكن لجماعات مختلفة عن البعض أن تعيش في رقع متقاربة ما دامت المصادر والأراضي مقيدة، فهي تؤدي إلى التعصب والعنصرية.

كذلك حساسية الشخص لوضعية عنصره وطائفته يزيد من الطين بلة، وكما ذكرنا هناك دائمًا اختلافات موجودة بين الجماعات، وإلا كانت هذه مجموعات متشابهة، ويكون من الغباء التفرقة بينهم، وهذه الاختلافات تؤدي إلى ازدراء الطوائف والعناصر المقابلة ويمكن أن تستنتج يا عزيزي ما الذي سيحصل إن كان الشخص الجماعي يتحسس بمهاجمة مجموعته من قبل مجموعة أخرى، فهي تؤديه إلى ردة فعل بأن يحارب جميع من في تلك المجموعة المضادة وإن لم يكن في الأمر منفعة شخصية. كما ذكر في عدة مواضع في هذه المقالة أن من مساوئ الجماعية هي الحروب والمشاحنات التي تحصل بين المجموعات، هي مسألة حروب ومشاحنات مجموعة ضد مجموعة أخرى وليست فردًا ضد فرد آخر، أي إن أناسًا أبرياء كثيرين في طرفين من المجموعات متحاربة سوف تقع ضحية فقط بسبب فرزهم من قبل المجموعة الأخرى لمجموعتهم. هذه الأمور كلها تحصل في العراق بالضبط وما تزال قائمة تزلزل مجتمعه وتنزع الأمن والاستقرار منهم.

إذن لا بد من إدخال فكرية الفردية لاستبدال قطعة من الجماعية الموجودة في العراق محاولة للقضاء جزئياً على العنصرية والطائفية داخل أهله.

كيف تساعد الفردية في القضاء على الطائفة والعنصرية؟

نظرياً يمكننا أن نحزر كيف تؤثر الفردية في مجتمع العراقي أن تم تبنيه بصورة صحيحة داخل فكر أعضائه. الفرديون سوف يكونون واعيين مباشرة للعنف العنصري والطائفي الذي يحدث بين جماعاتهم وجماعات أخرى، وهذا الوعي سوف يكون له تأثير كبير على حافز الشخص بأن يكون عنصرياً أو طائفياً أم لا، لإنها ضغينة قائمة بلا منفعة، شخصية كانت أم جماعية. ثانياً، الفردية تساعد المواطن العراقي في الاعتماد على نفسه وكسب استقلال جزئي من جماعة المنتمي إليها، ويركز على أهدافه الشخصية أكثر ويسعى لتحقيقه بدلًا من أهداف العنصر أو الطائفة جماعياً؛ مما يقلل من الحاجة إلى معاونة الأعضاء الآخرين في الجماعة المنتسب إليها. ثالثاً، يقوم الشخص الفردي بالتعبير عن أفكاره ومشاعره واختيار طريق خاصة به بدلاً من الموافقة على رأي جماعته، العنصرية والطائفية سوف تختنق في هواء الفردية، وتنخمد إن كان الشخص غنياً عن جماعته وقادراً على مواجهة مصاعب الحياة بنفسه دون اللجوء إلى طائفته أو حزبه. رابعاً، يرى الشخص الفردي الصورة الصغيرة والكبيرة معاً، يرى الصورة الصغيرة للمجتمع كأفراد مختلفين ومجتمعين في مكان ما، يحاول كل منهم إرضاء نفسه وإيجاد لقمة عيش له ولعائلته ثم التركيز على أهدافهم المتنوعة فيتحسس الشخص الفردي لهم ويدرك أنه مثلهم وجزء منهم، وإن كانوا من غير عناصر أو طوائف، أما الصورة الكبيرة، فهي رؤية الشخص الفردي الوطن والموقع الذي يعيش فيه ينمو ويزدهر اجتماعياً لعدم وجود ضغائن وأحقاد بين الجماعات، واقتصادياً للسعي من خلال العمل الفردي ينبني الوطن تحت سقف واحد، بدلاً من سقوف جماعات معينة. خامساً، يكون اكتساب الفرد تجارياً أوسع من غيره، تخيل تاجرين أحدهما منتسب لجماعة معينة متعصبة ومتقاطع مع كل الجماعات الأخرى لا يبيع ولا يشتري إلا من كان عضواً في طائفته أو عنصره، وتصور تاجراً آخر فرديًا متصالحًا مع الكل ويتاجر مع كل أعضاء الوطن ويحاول بقدر المستطاع اكتساب أكبر عدد من الزبائن، من منهما أكثر ربحاً وأعلى ذكاء برأيك؟ والشيء الجميل في الفردية، أنها تقوم بوضع الشخص في موضع حيث يدرك فيه قيمة الآخرين ويفهمهم كما يفهم نفسه ويعكس الفردية أهمية ذلك إنسان كإنسان في عين آخر.

ما العوائق التي تعرقل تحول الشخص من الجماعية إلى الفردية؟

عندما يأتي الأمر لتطبيق الفلسفة الفردية في حياة المرء العراقي، يصبح الوضع أصعب من قراءة النظرية وتبنيها، ويحتاج إلى تقييم شخصي لحياة المطبق لمعرفة ما إذا كان تطبيقه مفيداً لنفسه أم لا.

يمكن أن يؤدي تبني الفردية في مجتمع جماعي إلى شعور المرء بانفصال عن المجتمع وعدم التناسق والانسجام معه، وهذا شعور سيء حتماً يمكنه أن يخفض من جودة حياة الفرد.

العائق الأول يظهر في صعوبة التخلي عن الجماعة من دون عواقب وآثار جانبية. بمجرد تخلي الشخص عن جماعته ينظر إليه كفرد غريب لا يجهد في الحفاظ على وجه الجماعة، أو يرى حتى كشخص يحاول الانتماء إلى جماعة أخرى معادية لجماعته، لذلك تجتهد جماعته بقطع الاتصال عنه، ونبذه خارج حدود العنصر أو الطائفة، ومن ضمن جماعتك يمكن أن يكون أصدقاؤك وعائلتك أو أقاربك، المسألة هي حتماً سيئة ويمكن أن يشعر المرء بالوحدة وبالحسرة في المكان المقيم فيه (تذكر كما قلنا إن الأماكن عادة تكون منقسمة حسب الجماعات وكون شخص مقيمًا داخل جماعته ومحاولته بأن يكون فردياً ومصالحة جماعة أخرى سوف يغلق باب جماعته عنه). وتبدأ المصائب بالتراكم أكثر، العناصر والطوائف الأخرى الموجودة في المجتمع العراقي يمكن أن يأخذ الصورة النمطية للشخص الفردي (ستيريوتايبية) ويضعه في العنصر أو الطائفة الملائمة له مثلاً من ملامح وجهه أو من طريقة لباسه أو نبرات صوته أو من أفكاره وديانته، كل هذا سوف يساهم الشخص الآخر في حمل الضغائن والكراهية وعدم التعامل معه. يكون بذلك قد خسر شخصًا فرديًا دعم جماعته والتعامل مع جماعات الأخرى. الكآبة والشعور بالوحدة هي السمة المميزة المحتملة عندما يتبنى الشخص الفردية ويوجد عدة دلائل عليها من دول الفردية في يومنا هذا، منها دولة بريطانيا، أثبتت عدة دراسات أن انتشار الكآبة والوحدة وكذلك القلق عائدة أسبابه إلى فردية أعضاء مجتمع الدولة، وذلك بسبب عدم وجود دعم اجتماعي للشخص وانفصال الشخص عن جماعته، سواء كانت طائفة معينة أو عنصرًا معينًا، أو عن عائلته بالطبع يجعله مسؤولاً عن جوانب كثيرة من حياته لم يكن يدركها من قبل، وتتراكم ضغوطات عليه مما يجعله يقلق على ضمانة مستقبله. مثال آخر للدولة الفردية هي اليابان ويعاني أيضاً أفراده من الكآبة والوحدة بنسب عالية. وهذه الكآبة والوحدة لديها عواقب اجتماعية إضافةً إلى مرض الفرد، الكآبة والوحدة الآن تصيب مجتمع اليابان وتسبب قلة معدلات النمو، وبالتالي قلة أعداد السكان واحتمالية انهيار اقتصاده. ويذكر أن هناك شركات مخصصة لإيجار الأشخاص والعوائل في اليابان للأشخاص الذين يشعرون بالوحدة والكآبة، إنه بالفعل موقف مثير للشفقة وحزين للدولة ومجتمعه. الحياة سوف تكون صعبة عندما تترك الناس الذين تحتاجهم أو عندما لا تختلط مع مجموعتك أو لا تكون نشطًا فيها. فضغوطات ومشقات ومسؤوليات الحياة كلها سوف تقع عليك، ويجب أن تقاوم ذلك وتتحمله بالرغم من رؤيتك لأناس آخرين جماعيين ينجحون في المهام الصعبة، ويصلون إلى الأهداف المماثلة لهدفك بسبب مجموعاتهم أو حزبهم أو قبيلتهم. ومن المغري جدًا أن تعود إلى جماعة لكسب المطالب والتقليل من المتاعب. ولكن هذه العوائق كلها تتلاشى مع الزمن، وهي مطب قصير الأمد لحين أن يقف الشخص على قدميه بدلاً من أقدام الجماعة التي كانت تساعده، ويتعود عندها الشخص على العتماد على نفسه وحريته، وكذلك العمل واكتساب منافع لنفسه أكثر من الناس المنتمين إلى جماعات معينة.

ما هي مضار الفردية؟

الأشخاص الفرديون لا يكونون خاليين من المساوئ أيضًا، فمن مضار الفردية هي الفساد الإداري والفساد المادي والاستغلال. يستنتج نظريًا من مذهب الفردية ذلك لأن الشخص المستند إلى الفردية بالطبع سوف يكون لديه جزء من الأنانية بالشكل الذي يجعل ذلك الشخص إن كان في موضع غير مراقب أن يقوم بأعمال خارج القانون متضاربة مع المصالح العامة من أجل صالحه، مما يؤثر في سلاسة الإدارة أو توزيع الموارد إن كان ذلك الشخص مسؤولاً على موارد المجتمع أو الحفاظ على سلامتهم. انتماء الشخص إلى الفردية يجعله يفقد أو لا يحاول إطاعة القوانين الموضوعة من قبل الحكومة أو الأصول والآداب الموضوعة من قبل المجتمع. وحتى لا يحاول بعضهم الانتماء إلى الضروريات الأخلاقية للمعيشة بسلام في المجتمع. من الممكن لشخص فردي أن يقتل أو يسرق لمصلحته من دون عواقب عالية مما هي موجودة في شخص جماعي (إذا كان لا ينتمي إلى دين معين أو حزب معين يمنع السرقة والقتل)، إلا أنه لا يوجد تأثير كبير لمجتمع الفردية على فساد الدولة نفسها، أو فساد بعض من أعضائها؛ وذلك لأن المجتمع البشري قد وضع قوانين وعقوبات في الماضي للأشخاص الأنانيين المتعدين على حقوق الآخرين، ويمكن للشخص الجماعي أن يقوم بفساد متماثل أيضًا. الأشخاص الفرديون يحاولون توزيع مصادر المجتمع والدولة حسب ميزة ومواهب أفراده، عادة يساندون الميرتوقراطية، أي إن الأشخاص الأكثر موهبةً أو قدرةً أو يبذلون أقصى الجهد يحصلون على أكثر الأشياء سواء كانت مادية أو قيادة اجتماعية أو شهرة ما، ولكنها تعطي القوي أكثر من الضعيف والسليم أكثر من المريض من دون عدالة ومساواة. التنافس يكون مقبولًا. حيث يحصل الشخص الأكثر موهبة وجهدًا على أكثر الأشياء والشخص الضعيف وغير القادر على القليل. والإجابة عن هذه المعضلة يمكن أن يقع على عاتق الحكومة لتوفير فرص ورعاية الأشخاص الأقل موهبة.

كلمات أخيرة:

كل من الفردية والجماعية لديها خصائص حسنة وسيئة تميزها عن قرينتها، إلا أنه عندما يأتي الأمر إلى العنصرية والجماعية المشددة والمتوترة داخل المجتمع التي تقوم بتعطيل فعالية اقتصاد وإدارة البلاد، كون أعضائها فرديين يخففون من هذا التوتر الصاعد وترجع فيه مكونات المجتمع إلى حالة استقرار وراحة نفسية عندما لا يكونون مهددين. عندها إذن يفضل سلك الفردية على الجماعية للحفاظ على بنية المجتمع وعلى حيوية البلد.

الفردية لا تعني بالضرورة انفصالًا تامًا عن المجموعة ولا تعني أنانية مطلقة، وإنما هي مجال لإرخاء بعض الروابط التي تجعل الفرد جزءًا من الجماعة حيث يؤثر على علاقته مع الأشخاص الآخرين. وكذلك الأنانية هي نسبية لا غير، أن تكون أنانيًا قليلًا هو أن تكون إنسانًا تحاول خدمة مصلحتك في بعض الأمور أحيانًا. والفردية لا تعني التخلي عن الديانة، وإنما تعني اقتناء مذهب لكم دينكم ولي ديني، فهي لا تعني خمول وتجاهل السياسة وأحزابها، بل تعني أن تكون ناشطًا سياسيًا فرديًا تؤيد مصلحة وأهداف المجتمع القائم ككل لأنها جزء من مصلحتك وأهدافك الشخصية، وكذلك لا تعني ترك القبائل وأنساب المرء، بل تعني أن تكون واعيًا لنفسك وتقبل أشخاصًا آخرين من قبائل ومواطن مختلفة عما تنتمي إليه، وتحاول فهم ما وراء الطوائف والعناصر لترى الإنسانية بداخل كل واحد كما تبصرها في ذاتك وفي عائلتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد