تكمن مشكلة الاستقراء في تبرير القفزة التعميمية من عدد محدود من الوقائع التجريبية إلى قانون كلي عام. أرسطو نفسه لاحظ الفارق بين الحجة الصورية المنطقية، والحجة الاستقرائية التجريبية، وأن الأخيرة ليست مبرهنة. فالعالم في معمله يلاحظ عددًا محدودًا من الحالات، مثلًا القطعة واحد من الحديد تمددت بالحرارة، ومثلها القطعة اثنتان، ثم القطعة ثلاث، ثم القطعة أربع، وهكذا، فيخرج بتعميم استقرائي، وهو أن الحديد يتمدد بالحرارة، ولكن ما أدرانا أن الحديد منذ مليون عام، أو بعد ألف سنة، أو على كوكب المريخ، أو على مجرة أخرى يتمدد أيضًا بالحرارة؟ ما الذي يضمن عدم وجود عينات من الحديد هنا أو هناك لا تتمدد بالحرارة، ولم يصادفها الباحثون؟ كيف يسحب العالم الحكم مما لاحظه على ما لم يلاحظه؟ لماذا يفترض أن الوقائع التي لم يشاهدها تماثل تلك التي شاهدها؟

يمارس الاستقراء على أساس مثلث (العلية، والاطراد، والحتمية)، والعلية بالذات هي اطراد التعاقب في الطبيعة، وهي الوجه الآخر للحتمية التي افترض العلماء أنها تحكم عالم الظواهر. وبفضل الحتمية الكونية تغدو العلية شاملة لا تعرف استثناء ولا جوازًا، وكما حكمت الوقائع الماثلة سوف تحكم كل الوقائع المماثلة، فيمكن تعميم ما لوحظ على ما لم يلاحظ. هكذا سلم فلاسفة العلم بقانون العلية كمبدأ للاستقراء نمارس على أساسه التجريب ونعمم الوقائع. وأصبحت مشكلة الاستقراء في جوهرها هي مشكلة العلية.

كان المعلم الأول أرسطو يعتبرها (العلية أو السببية) قادرة على تفسير شامل للوجود بأسره، أما الإمام الغزالي فقد سبق وشكك فيها، فوضح أن ليس للسبب تأثير في مسببه، بل العلاقة بينهما علاقة اقترانية لا تأثيرية، وتبعه الأب نيكولا مالبرانش في العصر الحديث، وكذلك ديفيد هيوم، غير أن تشكك الغزالي ومالبرانش في العلية كان مقدمة لسحب الثقة من المعرفة الحسية والتجريب، حتى لا تعود الحواس مصدرًا للمعرفة، فكان إنكار العلية وسيلة لتقليص سطوة العلم التجريبي، وهدم النظرية الحسية في المعرفة أصلًا.

أما ديفيد هيوم فشكك في العلية من أجل النظرية الحسية في المعرفة وإخلاصًا لها وبناء عليها، فكانت العلية في نظره عادة سيكولوجية (نفسية) تجعلنا نتوقع الاطراد في الحالات المستقبلية إذا تكرر في الحالات الماضية. وهذا ليس بغريب على هيوم، فهو من السائرين في مسار النزعة النفسية التي تنكر استقلال المنطق عن الحياة والنفس، وتحاول رد العلوم والحقائق إلى الحياة النفسية ومكوناتها. حتى أول عمل له رغم أنه كان في المنطق ونظرية المعرفة كان اسمه (رسالة في الطبيعة البشرية)، وهي تسمية واضحة الدلالة على أن العقل البشري لا ينفصل في رأيه عن الطبيعة البشرية. وهذه النزعة النفسية اتجاه قديم يعود إلى ما قبل سقراط، إلى السفسطائي بروتاجوراس حين قال (إن الإنسان مقياس الأشياء جميعًا)، وسار في نفس الاتجاه داعية الشك المذهبي ميشيل دي مونتاني بغية توطيد الدين والعلم المنزل من الله.

وبالغوص في الدروب النفسية أوضح هيوم أن تكرار الخبرة الحسية التي تقع فيها (ب) بعد (أ) يخلق عادة لتوقع (ب) كلما شوهدت (أ)، فكما يقول برتراند رسل أن (الحيوانات المنزلية تتوقع الطعام حين ترى الشخص الذي يطعمها عادة، ولكن ألا يمكن أن يأتي يوم يطيح فيه برقبة الدجاجة الشخص نفسه الذي اعتادت أن تتلقى منه الطعام كل يوم، إذًا تكرار الوقائع التجريبية لا يعني شيئًا ولا يضمن شيئًا). وهكذا اتضح أن مبدأي الاستقراء (العلية والاطراد) يقومان على شفا جرف هار، ومردودان إلى عادة سيكولوجية أو طبع، وإذا أخذنا في الاعتبار اهتزاز أركان الحتمية، رأينا كيف تتفاقم مشكلة الاستقراء، وأصبحت حجة التعميم لا عقلانية.

كان الغريب أن أصحاب النزعة الاستقرائية لا ينكرون أن هيوم أثبت استحالة وضع تبرير حاسم للاستقراء، وراح بعضهم يزعم أن الاستقراء لا يبرر، فالمنهج ذاته ليس في حاجة للتبرير، فقط يمكن تطويره وتحسينه، وبإعفاء أنفسهم من التبرير غاصوا في مستنقع (اللاعقلانية التجريبية)، حين نجدهم يقولون إن العلم يتقدم، سواء تم حل هذه المشكلة أم لا، فلا داعي لاثارتها، ويجعلون التقدم العلمي تبريرًا براجماتيًا للاستقراء، فنسلم به لأنه نافع ومفيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد