يقول عالم الفيزياء المصري علي مصطفى مشرفة: «الثورة الصناعية ليست حربًا أريقت فيها الدماء، ولا قتالًا أبيدت فيه الجيوش وأزهقت النفوس، بل هي انقلاب سلمي، غيّر معالم الحياة في أوروبا، وأوجد نظامًا اجتماعيًّا جديدًا يختلف عما سبقه من النظم. والثورة الصناعية التي أحدثت هذا الانقلاب إنما قامت على العلم والاختراع»[1].

عرفت أوروبا في القرن التاسع عشر تحولًا مهمًا جدًا بعد التطورات الصناعية الحاصلة، والمتمثلة ابتداءً باختراع الآلة البخارية، فازدهرت صناعة الغزل والنسيج، كما ظهرت الأفران الكبيرة لصهر الحديد، وإنتاج كميات هائلة منه، وتطورت مجالات البحث عن الكربون بوصفه مادة مهمة لصهره.

قدم الحديد باختلاف أنواعه نفسه باعتباره مادة تشييد مهمة وفريدة في ذلك الوقت، وساهم في تغيير مجرى العمارة ومظهرها، وأثّر في الهندسة المعمارية تأثيرًا كبيرًا، محدثًا ثورة في المجال، لهذا يمكننا أن نقول: «إنّ أول التطورات التقنية التي أدت إلى تغييرات ثورية في التصميم وطرق الإنشاء، بدأت في هذه الفترة باستخدام حديد الزهر، ثم الحديد المطاوع، ثم الفولاذ، وكذلك التطورات في المواد الأخرى مثل صناعة الزجاج وغيرها»[2].

1- «جسر أيرون» رمز الثورة الصناعية

يقول الصحافي الفرنسي المتخصص في مجال الفنون «جيل دو بور»: «كل معماري كبير معرض لحتمية أن يكون تقنيًّا كبيرًا، عارفًا بالتطورات التكنولوجية، والتقنيات الجديدة للتشييد، ومواد التشييد الجديدة»[3].

تمامًا كما كان الإنسان محتاجًا إلى بناء أماكن يسكن فيها ليتجنب قسوة المناخ والطقس وتوحش الحيوانات، كان محتاجًا لتشييد بناء يسمح له وبأمان بعبور الأنهار المتدفقة والأماكن الشاهقة، من هنا جاءت فكرة بناء الجسور.

في بداية الأمر كانت الفكرة بسيطة جدًا، بوضع الحجارة العملاقة في وسط النهر، ومحاولة القفز من حجر إلى آخر حتى بلوغ الجهة المقابلة، فكرة لم تنجح مع الأنهار الأكثر عمقًا، تطورت الفكرة لتستعمل جموع من الحجارة متوسطة الحجم لتشكل أعمدة وتوضع عبرها حجارة مستطيلة كبيرة مشكلة جسرًا آمنًا، مع صعوبة إيجاد حجارة مستطيلة طويلة وخطورة نقلها استعمل الإنسان الخشب والحبال لتصنيع جسور خفيفة، وبسرعة كبيرة. كان مشكل الطول دائمًا يؤرق المعماريين، فلا يمكن تشييد جسور طويلة وعلى ارتفاع كبير بسبب تحرك الجسور الخشبية، وعدم ملائمة الجسور الحجرية، من هنا كان اختراع حديد الزهر والفولاذ حلًّا مهمًّا لمشاكل الجسور، فتطورت وبشكل لافت منذ ذلك الوقت.

يعتبر جسر أيرون ثورة حقيقية في عالم الجسور، باعتباره أول جسر حديدي في العالم، مصنوع من «حديد الزهر» وهو عبارة عن حديد ممزوج بكمية معتبرة من الكربون، ليتميز بمرونته وسهولة تشكيله، مع سرعة إنشائه وقدرته الكبيرة على تحمل الوزن.

قام عالم المعادن الإنجليزي أبراهام داربي بإنجاز هذا الجسر الذي اتخذ هيئة عقد نصف دائري[4] في مدينة كول بروك دال الإنجليزية عام 1779، يعبر الجسر نهر السيفيرن، ويبلغ من الطول 30 مترًا، طول يعتبر في ذلك الوقت مميزًا، وبوزن يقدر بـ384 طنًا من الحديد، ما يعادل ثلاثة أشهر من الإنتاج المتواصل للحديد داخل الأفران.

بأقواسه المشدودة بعضها البعض، بقطع الحديد مع أعمدته الكبيرة الملامسة للأرض التي يعلوها المستوي المنحدر من المنتصف نحو اليمين واليسار، يقدم لنا هذه اللوحة الفريدة الموضوعة بين جدارين ضخمين من الحجارة لشدّه على الجانبين، ليتكامل ويخرج جسر ما زال منذ 240 سنة معلمًا شاهدًا على أهمية الصناعة وجمال الإتقان البشري.

المنطقة حاليًا وبجسرها مصنفة من طرف اليونسكو ضمن التراث العالمي، مكان يزوره مئات الآلاف من السياح سنويًّا، فحسب موقع اليونسكو ففي عام 2010 زار المكان ما يقارب المليون شخص.

2- كل جديد مرفوض و«برج إيفل» يؤكد

يقول المهندس الفرنسي «غوستاف إيفل» عن تشييد برج بطول كبير: «هذا النوع من الفوز على هذا القانون الرهيب (الجاذبية) التي تشد الإنسان إلى الأرض، يعتبر رمزًا للقوة والصعوبات المهزومة»[5].

أدى الإنتاج الهائل للحديد بمختلف أنواعه أثناء الثورة الصناعية إلى التفكير في استخدام الحديد في شتى المجالات، فمنذ استعمال الحديد أول مرة في تشييد جسر أيرون، فكر أرباب مصانع الحديد في استغلاله في كل شيء حتى أن «جيمس ويلكنسون» اقترح «بناء منازل من حديد، ومواسير حديدية تستخدم في البناء، وأواني تصنع من الحديد لمصانع البيرة، كما اخترع طريقة جديدة لثقب فوهات البنادق بدقة كبيرة، ومن الطريف أنه عندما توفي تم دفنه هو نفسه في تابوت من الحديد»[6].

فكرة استعمال الحديد في البناء شغلت الجميع، وقد فكرت السلطات الفرنسية في بناء كامل من الحديد وحده، فقد قدمت السلطات عرضًا لإنشاء نصب تذكاري بمناسبة اقتراب ذكرى قيام الثورة الفرنسية المائة، جاء وصفه في العرض: «على المعماريين والمهندسين أن يتدارسوا إمكانية إقامة برج حديدي في (شان دي مارس)، قاعدته مربعة الشكل، ويبلغ طول الضلع الواحد فيها 125 مترًا، وبارتفاع 300 متر، وبإمكانهم أيضًا أن يقدموا اقتراحات بديلة»[7].

أثار مشروع برج إيفل عند بدايته موجة من النقد والسخرية، كون البرج ليس مميزًا من الناحية المعمارية الفنية، بل هو أقرب إلى الهندسة والصناعة، فقبل الثورة الصناعية كانت العمارة مرتكزة على الفن والجمال الفائق من خلال عمارة الباروك والروكوكو والعمارة الكلاسيكية الجديدة (نيوكلاسيك)، ثم أصبحت مرتكزة بعد الثورة الصناعية على الصناعة والمادة، لهذا لقب البرج بـ«سيدة باريس الحديدية» و«الكتلة الحديدية الصدئة».

يتميز البرج بطوله البارز الذي منح البرج لقب أطول مبنى في العالم منذ افتتاحه عام 1889 حتى سنة 1930، للبرج قاعدة مربعة تصبح أقل مساحة مع ارتفاع علو البرج، حتى تصبح نقطة في أعلاه، يحتوي البرج على ثلاثة طوابق مستخدمة لأغراض تجارية وتسويقية، وقد استخدم البرج لأغراض الأرصاد الجوية والبث الإذاعي والاتصالات اللاسلكية.

لا شك أن برج إيفل جعل باريس من أشهر بقاع العالم، وظل كذلك لمدة 40 عامًا حتى عام 1929، إذ نزعت هذه الشهرة منه عندما أقامت نيويورك مبنى «كريسلر»، والذي يبلغ ارتفاعه 319 مترًا ثم مبنى «أمبير ستيت» عام 1931، والذي يبلغ ارتفاعه 381 مترًا، ولكن لا يزال برج إيفل يعتبر أعلى برج -حديدي- في العالم، أنشئ من أجل إظهار براعة الإنسان وتفوقه في استخدام الحديد والصلب[8].

3- «قبة بورصة باريس» الجمال عندما يتجسد

يقول الفنان الأمريكي «روبرت موريس»: «ليس لدي فكرة إنتاج جسم، ولكن فكرة إعطاء شكل للفضاء»[9]، وكأنه يتحدث عن قبة بورصة باريس التي أعطت شكلًا مبهرًا للفضاء الباريسي، لم تكتف بجمالها الذاتي، بل لامس جمالها الفضاء فاتّحد.

ازدهر في عصر الثورة الصناعية إنتاج القمح في باريس، فقررت السلطات بناء قاعة للقمح قرب نهر السين لتخزينه، وتسهيل توصيله إلى المناطق الأخرى عن طريق البواخر، ليتولى المهندس «نيكولاس لو كاموس دو ميزيار» تشييد هذه القاعة.

قاعة القمح في باريس التي أصبحت بورصة التجارة عام 1888، تعتبر وقبتها الحديدية التي يبلغ طولها 40 مترًا من بين المنشآت الأكثر إبهارًا في عصر ريادة المنشآت الحديدية بين عامي 1790 و1870[10].

كانت قبة القاعة أول الأمر مصنوعة من الخشب، وفي عام 1802، ولسبب من الأسباب احترقت، ليقوم المهندس الفرنسي «فرانسوا جوزيف بيلانجي» بإعادة بناء القبة، لقد سافر إلى إنجلترا ليتحصل على نصائح تقنية تسمح له بإعادة بنائها وبالبنية نفسها، لكن هذه المرة باستعمال مادة جديدة أحدثت ثورة في المجال، وهي الحديد.

عرفت القبة تغييرات بسيطة في ما بعد، ولكن أصلها بقي إلى يومنا هذا، بحديدها الصلب الذي قاوم الحريق، وقِطع الزجاج الملتفة حولها التي تسمح بدخول ضوء النهار، وإنارة وسط القاعة، وتهوية المبنى طبيعيًّا، تعتبر من أعرق التشييدات المبرزة لقوة الهندسة المعمارية في ذلك العصر.

لا يعتبر مبنى بورصة باريس بقبته من الأماكن الأكثر زيارة في باريس، ولا هو مكان يجذب السياح ولا الزوار الفضوليين، ولكن لا شك أنه يجذب المتخصصين في تاريخ العمارة، والمهتمين بالعراقة والأصالة المعمارية، كأنها لؤلؤة نادرة موضوعة في وسط المدينة يمر أمامها الآلاف من البشر يوميًّا ولا يعرفون قيمتها، وعندما يمر أمامها شخص بها عليم، يقول يا ليت كل هؤلاء الناس يعرفونها فيعطوها قيمتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد