تعالت أصوات الطقطقات في مرحلة قد نسميها مرحلة كسر العظام في مشهد معتم مخيف تغيب فيه الكثير من المعطيات. لقد دخلنا في حلقة دوّارة دون أن نشعر لذلك، وقد اختلطت المسميات والمصطلحات، وذلك بتزييف الحقائق، وزراعة الشك، فحالنا مثل حيوان ناطق لا يشعر بما حوله، ولا يتفاعل مع الأحداث. فالكذب أصبح مهنة شريفة يعاقب القانون من يشكك في مصداقيته، والحقيقة عاهرة منبوذة الذكر، حتى من يقولها لا تستطيع أن تصدقه، ولأننا في موقع المفعول به لا الفاعل قد تستدرجنا هذه المواقف والأفعال إلى سوء تقديرها، وقد لا نجني سوى الشعور بالقهر والندم إزاء ما اتخذناه من قرارت وأحكام. فما هو طوق النجاة وكيف نحسن التقدير؟

من محاسن الدنيا أن الكل يؤول إلى الزوال، ولن تجد سلطة خالدة إلى الأبد، وإذا شاءت الأقدار فزوالهم لا محال.

ولا يوجد نظام يخلو من الأخطاء والكوارث والفساد. فلقد أخطأوا في قراءة الواقع، وبالتالي أخفقوا في مواجهة الأزمات والمشاكل العامة والخاصة. ولقد أدت أحكامهم الرامية لحل الأزمات إلى مضاعفتها وتضخيم حجمها، بحيث أصبحت كما لو كانت غير قابلة للحل. وأخذت صراعتهم الداخيلة التي كانت تبدو كسراب عابر تتجسد أمامنا كاشفين أسباب التأخر وأسباب الاحدار نحو المجهول في سنوات أكل القوي فيها الضعيف. حتى أولئك الذين اعتقدوا أنهم يوالون لمصالح الوطن أجرموا بعصيهم التي كانت تضرب من وراء الستار، لكن الكارثة لا أحد يتكلم عن هذه المهازل. فالكلام عنها يعتبر مساس بأمن الدولة وخرق للقوانين وجريمة وخيانة، وعلى ضوء ذلك نتذكر جرائم اللجان الشعبية في حق الشعب الليبي، حيث كان التضيق يمارس حتى داخل البيوت والمدارس فلا أحد يذكر وينتقد السلطة بسوء والأمثلة كثيرة.

وما يطفو من المناشير والأخبار فأغلبها تافه تحرك العواطف ولا تلامس العقول الراجحة التي تبحث عن منصات لنشر الوعي العام والإدراك، سواء كان سياسيًا أو اجتماعيًا. وما ينشر أحيانًا يكون من أجل التهويل والتهريج فقط حاجبة مآرب أخرى كالفضائح والإختلاسات مشغلين الشعوب بتفاهات، خصوصًا في مراحل يجب أن تكون الأمة على اطلاع بالأوضاع السائدة.. ودائمًا ما نجد وراءها جهات إعلامية وشخصيات نافذة يتاجرون بالقضايا العامة. أما المصادر الموثوقة فهي تكاد تكون منعدمة لأسباب ذكرناها سلفًا، فالخوف والاعتقال السياسي هو مصير من يتكلم ويمارس مهامه بنزاهة.

أمام هذه الفوضى يجب أن نتقيد بشروط لنكون على وعي عام متفادين الانحدار نحو الهاوية كذلك لكي لا نقع في أخطاء ارتكبت سابقًا، وكانت نتائجها وخيمة على الشعوب. وذلك بترسيخ ثقافة التثبت والتبين أولًا، والتأني والتريّث وعدم العجلة في نقل الخبر بين الناس أو بناء الحكم عليه. ثانيًا معرفة ما وراء الخبر أو الغاية من النشر، فإذا عُرف السبب بطَل العجب فهناك قد تصل إلى الحقيقة المرجوة أو الخبر الذي لا يقرأه جميع الناس، وهنا يمكن التصدي إلى أي فتنة أو أي استفزاز. ثالثًا معرفة مصدر الخبر والتأكد من مصدره، فطبيعة وتوجه وسلوك الأشخاص قد تحدد مصدقية كلامهم. إن ممارسة هذه السلوكيات ستصنع عقولًا رازنة تتحكم وتفهم في الأوضاع متخلين عن سلوكيات الرعونة والطيش.
إن تطبيق هذه الشروط البسيطة في حياتنا قد نكون حققنا جزءً من الوعي العام السليم الذي قد يحسن الكثير من الأشياء مبتعدين علن كل شك، وسوء ظن الذي قد يلحق الأفراد و الجماعات. و في هذا الصدد يجب أن نبذل كل ما في وسعنا مستغلين الفضاءات والمنابر النزيهة المسموحة، والتي أصبحت نادرة الوجود من أجل القضاء ومحاصرة هذه الظواهر المدمّرة والمهدّدة لأمن الأمة واستقرار المجتمع التي أصبحت مصانع للوهم، والكذب مرسخة للاستبداد والظلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد