بعد توقيع الكشف الطبي علينا لتحديد اللائقين لدخول الجيش من عدمه تم تجميعنا في ممر القومسين الطبي وطلبوا منا أن نجلس على الأرض بطريقة جلوس معينة ولا أريد أن أخوض في تفاصيل الكشف التي لا تخفى على أحد ولكني أردت أن أتحدث عن المحاضرة التي ألقاها علينا مدير إدارة التجنيد والتي تحدث فيها عن أننا سنكون حماة الوطن وأننا لابد أن نشعر بالفخر لأننا سنمثل الجيش المصري الذي يصنف كما يقول اللواء أو العميد لا أعلم تاسع جيش على مستوى العالم حيث إننا سنتمتع بما يسمى شرف العسكرية.

وإننا في مصر أفضل كثيرًا من دول مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن فنحن دولة مستقرة ومتقدمة بفضل صلابة جيشها وقوته، وأن ما حدث في هذه الدول كان بسبب أنهم عملوا على تدمير جيشهم بطرق مختلفة كل حسب ظروف دولته وأنه كان من المفترض أن يحدث هذا معنا في عام 2011 ولكننا تصدينا لكل هذه المحاولات التي كانت تحاول أن تفتت الجيش المصري وتعصف به وبنا معه فالعالم أجمع يتآمر علينا والمخططات تدبر لنا من الداخل والخارج.

ثم تطرق للحديث عن سيناء وما يحدث بها فقال من منكم يريد أن تكون خدمته في سيناء، فرفع عدد قليل منا يديه ثم طلبوا العساكر من باقي الشباب من دون أن يراهم هو أن يرفعوا أيديهم بالإيجاب لا أعلم لماذا! ثم سأل الأشخاص الذين طلبوا أن تكون خدمتهم في سيناء عن سبب طلبهم فكانت الإجابة هي «لكي نحمي الوطن يا فندم» فرد عليهم هو وقال لهم «عاش يا رجالة جدعان»، ثم نظر إلينا جميعًا وقال جملة نزلت علينا كالصاعقة وهي «اوعوا تفتكروا إنه كل اللي بيروح هناك بيموت كل الموضوع هو ثلاثة أو أربعة في المائة مش حاجة يعني» ثم اختتم حديثه قائلًا «حمد الله على السلامة يا رجالة مرحبًا بكم في أكبر كيان في البلد».

ثم جاء زميله من بعده ليقول لنا نفس الحديث ولكن مع إضافة أنه لولا جيشنا لبيعت أمهاتنا في سوق الجواري كما حدث في دول أخرى، وقال أيضًا جملة عجيبة لا تمت للجيش بصلة وهي أن من وظيفة الجيش هي الحفاظ على الشرعية الدستورية وأكمل حديثه مادحًا في مصر وشعبها وجيشها لافتًا إلى أن الجيش المصري فخر الجيوش العربية وحائط الصد المنيع منذ الأزل وإلى الأبد بإذن الله، وهو الأكبر إفريقيًا وعربيًا والقوة المركزية في الشرق الأوسط، ولابد أن نحافظ عليه جميعًا جيل بيسلم جيل فقد سبقتكم أجيال وستتوالى من بعدكم أجيال أخرى تحمل في طياتها حماية مصر وشعبها.

وكانت ردود أفعالنا على هذه المحاضرات مختلفة ما بين ساخر وساخط يريد أن يقوم ويتحدث ويرد على كل هذه الأقاويل بالمنطق وليس من سبيل المعارضة، ولكنه لو قام حقًا وفعل ذلك أعتقد أننا لم نكن لنراه ثانيًا. والآخرون ما بين متحمس ومقتنع بالحديث الذي يقال لنا والباقي ناقم وحزين على كونه لائقًا لدخول الجيش لا يلتفت لكل ما يقال سواء كان يصدق هذا الحديث أو يكذبه، لا يهمه سوى شيء واحد وهو أن تنتهي مدته في أسرع وقت. ثم أكملنا إجراءات الحصول على ما يسمى «110 جند» وعلمنا موعد حضورنا القادم الذي سنسمع فيه اسم سلاحنا ثم يقومون بترحيلنا إلى معسكر
التدريب.

وبالنظر إلى هذا الحديث أتذكر ما كان يقال لنا في جلسات التربية في جماعة الإخوان المسلمين في الصغر حيث إنه يوجد تشابه في تناول الأحداث بين الجيش والجماعة. فالجماعة كانت ترى أيضًا أن كل العالم يسعى لتدميرها وتفتيتها وأنها تصدت لكل هذه المحاولات وصمدت على مدار ثمانين عامًا مضت محافظة على وحدة الصف.

فعندما تنظر لكلا الخطيبين تشعر أن مسئول الجلسة يظهر في صورة لواء الجيش كل حسب قناعاته فالأول يريد الحفاظ على وحدة واستقرار الجماعة بغض النظر عن مراجعة أي أخطاء مضت، يضع نصب عينيه كما يقول تطبيق الخلافة التي هي غاية تبرر أي وسيلة. والثاني يريد الحفاظ على وحدة واستقرار الجيش بغض النظر عن كل ما يحدث من كوراث للبلاد والعباد يضع نصب عينيه كما يقول حماية مصر وشعبها التي هي غاية تبرر أي وسيلة أيضًا.

فسيكولوجية لواءات الجيش تشبه بالكاد سيكولوجية مسئولي الجلسات، ومحاضرات الشئون المعنوية تشبه جلسات وضوح الرؤية، والذي يثير الدهشة هو أن كل معسكر يصدق ويعي جيدًا ما يقوله ويردده ليل نهار ويموت عليه إن لزم الأمر متجاهلًا أي معطيات أخرى، إما أن تموت في معارك سياسية أو أن تموت في سيناء لا فرق، وفي كلتا الحالتين أنت تعمل على رفعة بلدك وحماية وطنك ونصرة أمتك وهو هدف سام نادت به جميع الأديان… يُتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد