علمونا صغارًا أن حكام مصر منذ أن حكمها المصريون في يوليو 1952 أنصاف آلهة، أعمالهم إنجازات، وكلماتهم حكم وعبر، ينبغي أن تهتدي بنورها الأجيال الحالية والقادمة. وعلمونا أيضًا أنهم يذوبون عشقًا في الوطن.

وإذا كنا نستطيع أن نجادل في حقيقة إنجازاتهم، ونثبت أن بعضهم ارتكب أخطاء وخطايا ما زلنا نكتوي نارًا بها حتى الآن، فإننا لا نستطيع أن نشكك في حبهم للوطن، فلا أحد يملك أن يشكك في حب آخر لوطن ولا يعلم ما في الصدور إلا الله، إلا أن هذا الحب الذي بدأ من عقود طويلة لم يستطع – على سبيل المثال- أن يحمي ما يقرب من ربع سكان المحروسة من الوقوع فريسة للفقر، ولم يحل دون تراجع مصر في مؤشرات التنمية البشرية والتعليم ليسبقها بعض الدول التي كنا بالأمس القريب نرسل لها مدرسينا وأطباءنا، ولم يحمِ أطفالها من آلام المرض وقسوة الانتظار لعدم وجود أماكن لهم بالمستشفيات.

ويعني هذا أن “الحب وحده لا يكفي”، فالطريق إلى جهنم محفوف بحسن النوايا، والأمم لا تنهض ولا تتقدم بالحب وحده، لكنها تتقدم بالعلم والعمل والاستغلال الأمثل لمواردها والتخطيط السليم ووضوح الرؤية والشفافية والمساءلة.

والحديث عن أهمية وجود “رؤية” لمواجهة المشكلات والأزمات والتحديات التي تواجهنا ليس نوعًا من “الفذلكة” الذهنية أو الترف الفكري، كما يعتقد البعض خطأ. فعندما تقرر القيام برحلة ينبغي بداية أن توضح مقصدك. أين تريد أن تذهب؟ وما الطريق الذي ستسلكه للوصول إلى هدفك، وما تحتاجه من أشياء أثناء رحلتك؟ وأي وسيلة للتنقل ستستخدم؟ هل ستذهب بالقطار أم بسيارة، أم سيرًا على الأقدام؟ وإذا كان هذا مطلوبًا لرحلة للترفيه فإنه حتمي لرحلة وطن نحو النهضة والتقدم، فالعمل دون رؤية مثل الإبحار دون بوصلة.

كيف نريد لمصر أن تكون؟
هل نريد مصر بعد عقدين من الآن بلدًا صناعيًّا متقدمًا، أم بلدًا زراعيًّا، أم بلدًا يعتمد على الخدمات مثل السياحة؟ وإذا ما حددت الرؤية لمصر بعد عشرين عامًا من الآن، ولتكن “تحقيق تنمية اقتصادية اجتماعية شاملة يقودها قطاع صناعي متطور يستند إلى قاعدة علمية تكنولوجية ويعززها تنمية زراعية ريفية شاملة، وقطاع خدمات تقوده الأنشطة عالية القيمة المضافة في إطار من العدالة الاجتماعية التي تكفل توفير الحاجات الأساسية لجميع أفراد المجتمع ورفع مستوى معيشتهم”.

ولكن هل تحديد الرؤية يكفي؟ الإجابة بالنفي. لا بد أن تترجم هذه الرؤية إلى خطط وبرامج عمل على مستوى الاقتصاد القومي ككل ينبثق عنها خطط لكل قطاع، فعلى سبيل المثال ماذا نقصد بالقطاع الصناعي المتطور؟ ما القطاعات التي ستقود عملية التنمية الصناعية؟ هل سنعتمد على القطاعات التقليدية منخفضة القيمة المضافة الملوثة للطاقة التي تخلصت منها الدول المتقدمة والدول الناهضة مثل الحديد والصلب والأسمنت، أم سنعتمد على القطاعات التكنولوجية المتطورة مثل الإلكترونيات والآلات والمعدات؟ ويتبع ذلك أسئلة أكثر أهمية: كيف نوجه الاستثمارات إلى القطاعات التي اختيرت؟ ما الحوافز التي سنقدمها لهذه الاستثمارات؟ وكيف سنوفر الكفاءات والأيدى العاملة اللازمة لها؟ وماذا تحتاج هذه القطاعات من بنية تحتية؟

والحديث عن الخطط والبرامج لا يعني مجرد الإعلان عن أهداف على شاكلة “مصر خالية من الأمية عام 2020” فقط، فكم حددنا من أهداف! إن المتابع للخطط التي أعلنتها الدولة في استصلاح الأراضي الزراعية في العشرين سنة الأخيرة يستطيع بحسبة بسيطة أن “يدعي” أننا قمنا باستصلاح جميع الأراضي القابلة للزراعة في قارتي أفريقيا وآسيا، وأننا نقوم الآن بالتفاوض مع دول أمريكا اللاتينية لاستصلاح ما فيها من أراضٍ، ولكن على الورق فقط أو في تصريحات المسئولين!

التخطيط يعني الواقعية في تحديد الأهداف، يعني مدى زمني محدد، يعني توفير إمكانات تنفيذ الخطة، يعني جهات مسئولة تخضع للمساءلة، يعني آليات واستراتيجيات للتنفيذ، يعني مؤشرات ومتابعة للأداء، يعني عدم الارتباط بوزير أو مسئول.

ولكن قبل أن نبدأ في الرحلة أو نضع الخطة ينبغى أن نعرف أين نقف؟ وماذا لدينا؟ وماذا نملك؟

وهنا تظهر الحاجة إلى ضرورة تطوير قاعدة بيانات اقتصادية اجتماعية شاملة توضح لنا خريطة الاقتصاد المصرى. قاعدة بيانات عن جميع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية حتى نتعرف على طبيعة مشاكلنا، وحتى يمكننا قياس مدى نجاح السياسات التي نتبعها، فعلى سبيل المثال لا يكفي القول بأن لدينا مشكلة بطالة أو أن معدل البطالة بلغ 13% لمواجهة هذه المشكلة، ولكن ينبغي أن نعرف هل النسبة الأكبر من المتعطلين من حاملي الشهادات العليا أم المتوسطة وأي مجالات هندسة، طب، زراعة، والتوزيع الجغرافي لها، وهكذا.

ويرتبط بذلك ارتباطًا وثيقًا بمسح شامل لجميع الموارد الاقتصادية البشرية والطبيعية والمعدنية (مسح جيولوجي) التي نملكها في جميع أنحاء المحروسة. كم نملك من أراضٍ قابلة للاستزراع؟ وما حجم مواردنا من المياه الجوفية؟ وما طبيعة الموارد المعدنية وكمياتها ونوعيتها؟ وما إمكاناتنا في مجال الطاقة الشمسية؟ فلدينا الكثير من الموارد التي لا نعلم عنها شيئًا، ولدينا كثير من الموارد المهدرة غير المستغلة في وقت نحن في أمس الحاجة لكل موادرنا.

ويلي ذلك القيام بـ”تحليل تشخيصي” لمشاكل كل قطاع، لدينا صناعة متواضعة تعتمد على تجميع مكونات الأجهزة الإلكترونية، لماذا لا تستطيع المنافسة في الأسواق الدولية؟

هل انخفاض الجودة؟ هل ارتفاع تكاليف الإنتاج؟ هل معوقات إدارية وبيروقراطية؟ يتعين أن يتم هذا في جميع القطاعات الاقتصادية الرئيسة والفرعية، فالتشخيص الصحيح للداء يمثل نصف العلاج. وهذا التحليل التشخيصي لا ينبغي أن يقتصر على رأي موظفين يقبعون على مكاتبهم، ولكن ينبغي أن يستند إلى التعرف على طبيعة المشكلات من الذين يعيشونها.

قاعدة بيانات شاملة ودقيقة، ومسح شامل لمواردنا، وتحليل دقيق لمشكلاتنا، ورصد للتطورات الإقليمية والدولية من حولنا للتعرف على الفرص والتهديدات التي تواجهنا، ثم وضع خطط وبرامج عمل في ضوء الرؤية التي ينبغي أن تعكس أهداف أفراد المجتمع واحتياجاتهم. هذا ما فعلته الدول التي نهضت. هذا ما فعله مهاتير محمد في ماليزيا، وهذا ما فعله دي سيلفا في البرازيل، وهذا ما فعلته جميع الدول التي تسعى إلى تنمية حقيقية، فالتقدم لا يأتي صدفة، والتخلف أيضًا لا يأتي صدفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد