القيادة هي نشاط هادف يقوم بها إنسان إيجابي يتميز بخصائص قيادية، مكلّف بالإشراف على مجموعة من الأشخاص، بغية الوصول لهدف مسّطر وفقط طريق معيّن واستراتيجيات محددة، يستعمل القائد في مهمته القيادية مختلف الوسائل والمهارات من التأثير والإقناع…إلخ. والقيادة كما يقول الدكتور طارق السويدان: «هي القدرة على تحريك الناس نحو الهدف». وجاء تعريفه هذا بعد دراسته لأكثر من 200 تعريف لها، ويتابع قوله أنّ القدرة على تحريك الأفراد سواء كانت فطرية ومكتسبة ليست بالأمر اليسير بل تحتاج الى أدوات ومهارات عالية ومعارف كثيرة، وأهمها التخطيط والتأثير وكل هذا من أجل الوصول إلى الغاية المسطرة أو ما يعرف بالهدف.

وقد يتساءل البعض عن الفائدة من القيادة ومن صناعة القائد ولعل أحسن إجابة على هذا التساؤل هو أن القيادة هي اتساع لدائرة التأثير والمقدرة على إلهام وإقناع الآخرين والتركيز على بناء الجسور الفكرية وإحداث التغيير الإيجابي في المجتمع المحيط، والاهتمام بتطور وارتقاء الفرد والمجتمع، فبطبيعة الحال صفة القيادة لا تتوافر في أغلب الناس فالبعض يمتلكها بالفطرة وهذا هو صاحب التأثير الأعلى، والبعض الآخر يكتسبها بالعمل الجاد والممارسة الكثيرة، لكن الفئة الأكبر تتجنب اكتساب هذه الصفة إما لأسباب نفسية كالرهاب الاجتماعي والخجل…إلخ؛ وإما لنفسيتهم الكسولة المتعوّدة على الخمول والاتّكال على الغير دومًا في صناعة القرارات، وكِلا الفئتين قد فضلوا أن يكونوا تحت قيادة أشخاص آخرين رغم توافر الفرص أمامهم. ومهمة القيادة ليست بالسهلة لكنها وواجبة في حق أي جماعة ومجتمع على اختلاف أجناسه وتنوع ثقافاته، بل وهي سنة الحياة أن يكون على رأس كل قوم قائد يوجههم وينير لهم السبيل. ولعل قول أعظم قائد للأمة الإسلامية خير دليل على ذلك، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم». رواه أبو داود. وفي مسند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم».

فالقائد هنا يُختار منهم ومن بينهم ويكون أعلمهم وأفقههم وأجدرهم بإمارتهم، ومهمته هي قيادتهم وتحريكهم وتوجيههم إلى هدفهم الذي في مثالنا هذا هو وجهة السفر. وقِسْ على ذلك في مختلف المجالات والأهداف.

تتنوع طرق القيادة بإختلاف مجالاتها وأهدافها، فبداية تكون ذاتية وذلك بقيادة الإنسان نفسه لبناء شخصيته وتطوير ذاته لأن هذا حتمية إجتماعية واجبة على كل فرد، ثم تتطور مجالات القيادة بتطور علاقات الفرد في المجتمع ومدى انغماسه فيه فنجده قائدا بين أصدقائه، وربّ بيت في أسرته،وحارسًا على إخوته، ووكيلًا على عماله، ومديرا في شركته، وأستاذًا على طلبته، وإمامًا على رعيته ورئيسا على مرؤوسيه… إلخ.

بعد كل ما تناولناه عن القيادة وصناعة القائد يتبادر إلى أذهاننا سؤال أين أجد مثل هذه الأكاديميات؟ في حقيقة الأمر مثل هذه الأكاديميات تنتشر في دول الغرب بكثرة وبعض برامجها مدرج ضمن المنظومات التربوية بل وحتى توجد تخصصات في الجامعات تهتم بمجال صناعة القائد وتلقى إقبالًا واسعًا، لأن صناعة القائد الناجح المثقف تصنع المجتمع الواعي المفكر وكلاهما أساس تطور أي بلد ورقيّه.

أما في العالم العربي فنجدها بكثرة في الشرق الأوسط وتلقى أيضًا إقبالًا واسعًا نظرًا لتأثرهم بالتجربة الغربية ونجاحها، أما في المغرب العربي وبالجزائر خاصة نجد بعض الأكاديميات الفاعلة والفعّالة في هذا المجال ولعل أبرزها أكاديمية جيل الترجيح للتأهيل القيادي التي تأسست سنة 2008 بأفكار بناءة ورسالة هادفة ورؤية مرجوّة واضحة.

أكاديمية جيل الترجيح، هي مؤسسة تكوينية للقادة لا تختلف كثيرًا عن تلك المتواجدة في الشرق الأوسط أو دول الغرب بهياكلها وهيئاتها وبرنامجها.

لجيل الترجيح رسالة بنيت عليها وهي المساهمة في إعداد جيل قيادي ذي كفاءة واقتدار، يقود المجتمع الجزائري للنهضة الحضارية الشاملة ويساهم في نهضة الأمة، وكذلك تسعى –عن الأكاديمية- إلى تحقيق رؤية تنموية حضارية وتتمثل في صناعة وتأهيل 12000 قائد مثقف، ورباني، وماهر وفعّال يشرفون على 120 مؤسسة مدنية فاعلة عامّة مخصّصة لخدمة النهضة الحضارية الجزائرية الإسلامية، ويقودون تيارًا واسعًا من الشباب.

يقوم برنامج التكوين في الأكاديمة على فلسفة 4/6. ويقصد به 4 محاور و6 فضاءات، وتتمثل المحاور الأربعة في: العلوم والمعارف، والمهارات، والسلوك، والفاعلية. وتتمثل الفضاءات الستة في: الموقع الإلكتروني للأكاديمية www. jiltarjih.org، والدورات التربوية الشهرية، والدورات التدريبية الفصلية، والخرجات والزيارات المحلية والدولية، والمشاريع العملية، والملتقيات الوطنية السنوية.

يمرّ القائد الترجيحي في تكوينه على ثلاث خماسيات «5/5/5» تكوينية، في التكوين الخماسي الأول تركّز الأكاديمية على تلقين القائد أكبر حجم من العلوم والمعارف والمهارات أو كما يعرف بالقيادة العامّة ويخضع خلال هذه الخماسية إلى فلسفة 4/6. أما في التكوين الخماسي الثاني فينتقل القائد إلى القيادة الخاصّة وهي التخصص في مجالات معينة والتميز فيها لينال شهادة التأهيل في نهاية كل تكوين. أما التكوين الخماسي الثالث فيتعلق بصناعة الرموز الترجيحية، سواء كانت أفراد ( دعاة، إطارات، رواد أعمال…إلخ) أو كانت مؤسسات (تعليمية، إعلامية، مشاريع خاصة، مؤسسات صغرى وكبرى…إلخ).

في نهاية كل موسم دراسي تنظّم أكاديمية جيل الترجيح ملتقى التميز وهو ملتقى وطني يظم جميع القادة المتميزين طيلة الموسم الدراسي يتم فيه عقد محاضرات لشخصيات عالمية ذائعة الصيت في مجال القيادة، وكذلك عقد لقاءات مع مديري الأكاديمية وقادتها وإقامة حفل على شرف القادة المتميزين وتكريمهم على تفوقهم وتميزهم.

بعد الاطلاع على برنامج عيّنة من الأكاديميات وعرض رسالتها ورؤيتها نجد أن هذه الأخيرة حقًا مكسب حقيقي للمجتمع الجزائري وجب الالتفاف حولها، نظرًا لقيمتها وفائدتها على الفرد بشكل خاص والمجتمع بشكل عام، وكم نحن بحاجة إلى مثل هذا المؤسسات ليس في الجزائر وحسب، بل وحتى في الدول العربية الأخرى لأنها منبع الثقافة الفردية ومصنع القيادة الفعالة ومركز توجيه الحضارة وصمام أمان الثقافة الفكرية الوطنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد