عُرِفَت القيادة في الإدارة الحديثة عده تعريفات منها تعريف أوردوي تيد على أنها النشاط الذي يمارسه الشخص للتأثير على الناس وجعلهم يتعاونون لتحقيق هدف يرغبون في تحقيقه، وعُرِفَت أيضًا أنها القدره على التأثير في سلوك أفراد الجماعة وتنسيق جهودهم، وتوجيههم لبلوغ الغايات المنشودة.

بعيدًا عن المقدمات والديباجات التي أراها لن تضيف كثيرًا، أمام هذا الاشتباك الذي نعيشه مع قضايانا المعاصرة، والأحداث التي شكلت نضجًا كبيرًا في مفاهيم هذا الجيل، وصاغت بنسبة كبيرة شخصية القادة الجدد والقادمين من خلف الصفوف، أتحدث مباشرة كون أن مقدمتي لن تضيف جديدًا للقارئ الذي يرصد واقع الحركة الإسلامية أمام المتغيرات الإقليمية والدولية، وأقول إن أكبر خطأ ترتكبه الحركة الإسلامية في كل مكان وزمان هو اعتقادها بأن كل من قرأ آية، أو حفظ حديثًا، أو ارتقى على درجات المنبر، أو تصدر للتدريس والتوجيه العام (مع العلم بأن حفظ العلم ونشره من أفضل القربات، وخير الناس أهل العلم) يصلح بأن يكون قائدًا أمميًا ما دامت الجماهير تصفق له، من دون وعي، ولأجل هذا التصور الخاطئ اقتحم في باب الإدارة والقيادة من لم يخلق لها، فأفسد من حيث أراد الإصلاح، وجرَّ إلى الحركة الإسلامية متاعب ومآسي كانت في غنى عنها، ومما عمق أزمة القيادة لدى الإسلاميين هو تصورهم بأن صلاح الفرد واستقامته وحسن نيته وحبه للخير وإخلاصه، وانضمامه إلى حركة إسلامية كافية بأن يصبح قائدًا، أو رئيسًا، أو وزيرًا، أو مديرًا عامًا من غير اعتبار للكفاءة العقلية والعلمية، وأن النصوص الواردة في الكتاب والسنة المتعلقة في طاعة الأمراء والولاة، تعفي عنه من كل الشروط ذات الصِّلة في آداب الأحكام السلطانية وأحوال الولاية. وكثير من أعضاء التيار الإسلامي تولوا مناصب قيادية في داخل حركاتهم قبل توليهم مراكز إدارية ذات شأن عام، ولم يستطع عدد غير قليل منهم في إدارة مجموعة من الأفراد أو مؤسسة تعليمية أو خيرية على الوجه الصحيح.

أود العودة إلى دار الأرقم ليس مفاجأة للقارئ الذي ينتظر مني اقتحامًا للنقاط المتشابكة التي عطلت تقدم الحركة الإسلامية أمام المتغيرات الحالية، ليس لأصنع صورة ذهنية وتأثيرًا في مناطق الشعور بين الحديث عن إخفاقات اليوم وبين التأصيل والنظم والأفكار التي صنع بها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم رجال الدولة وقادته العسكريين، ما أجمل هذا البيت أركانه وأنفاسه وتجلياته.. ما أروع عبراته.. لم يكن اللقاء فيه اختفاء جبن وهروب، وإنما استعداد وتدريب، في بيت الأرقم، كانت الأوامر النبوية صارمة وواضحة بوجوب الكتمان والسرية.. كان الصحابة يجمعون المعلومات عمن يريدون دعوته للإسلام فكان نتاج الدعوة بعد الثلاثة أعوام الأولى 40 رجلًا من خيرة رجال مكة، وكان الحبيب المصطفى يشرف على ترتيب هذا الجهاز الرفيع والدقيق الذي يتولى الاتصال بين القيادة والقاعدة. لم تخترق الدعوة في أعوامها الأولى في دار الأرقم رغم ملاحقات كفار قريش.. إذا عرفت العدو وعرفت نفسك فليس هناك ما يدعوك لأن تخاف نتاج 100 معركة، وإذا عرفت نفسك، ولم تعرف العدو فإنك ستواجه الهزيمة في كل معركة.. كان الأرقم بن أبي الأرقم من بني مخزوم، وهي التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم، وهنا يصعب على فهم أهل قريش أن مركز القيادة يكون قلب صفوف العدو.

كيف تجدون هذا القائد الآن، هذا هو الذكاء الشخصي والفطنة والعبقرية في شخصية النبي صلي الله عليه وسلم. إن الباحث في سيرة الأصحاب الأول في الدعوة يعرف أنهم لم يكونوا ينتمون لقبيلة واحدة، ولكن الإسلام انتشر في فروع قريش بصورة متوازنة فلو تصور أن جميع من أسلموا من بني هاشم كيف سيكون رد قريش.. إنها عبقرية المعلم الذي فطن إلى التكوين القبلي لأهل مكة، ودرس علم المجتمع قبل أن يفطن إليه أحد.

الفكر الإستراتيجي الذي صنع به الرسول صلي الله عليه وسلم قادته

ضبط الأعصاب والضغط علي النفوس ولجم العواطف وإدارة الضغوط هي شيم القادة.. لم يكن أمرًا هينًا على الأبطال أصحاب الأرض مثل أبي بكر، وحمزة، وعمر، وعثمان أن يتحملوا الأذى دون مقاومة، وأن يقبلوا حصار شعب بني هاشم وأن يمسكوا أيديهم، وأن يصبروا على حوادث الأيام لثلاثة أعوام إلا لفهم رشيد هو أنهم في مرحلة إعداد ليوم فاصل مع هؤلاء، وأنهم في مرحلة صناعة لمهمة أكبر من التصدي لقريش الآن، الصبر في محنة الحصار كان مدروسًا، وكان سببًا في خدمة الدعوة، وانتشارها بين قبائل العرب خلال مواسم الحج فلقد سخط العرب على قريش، وكان لقصائد حسان دورها في هز كيان المجتمع القرشي. كثير من يملكون المبادئ، ويرفضون الظلم حتى وإن بدت أعمدة الحكم الجاهلي وعلينا أن نحاول التواجد المحسوب مع هؤلاء ضربًا من فنون السياسة.

إدارة الاتصال وفن التفاوض في حياة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، لم يتوقف تفكير الحبيب المصطفى في نطاق مكة بعد أن أدرك تصلد قريش تجاه دعوته، ولم يستسلم لأذى الوجه وأبي لهب، وأيضًا لم يستخدم القوة التي تذهب بأريج دعوته في بدايتها.. كان عليه أن يجد متنفسًا آخر، ووسيلة أخرى للخروج من المربع، ذلك بعرض نفسه على القبائل، ومحاولة إيجاد المنعة والقوة، فقد كان يتخير القبائل ذات الاستعداد المعنوي والمادي، اختار بني عامر؛ فقد كانت قبيلة مقاتلة وكبيرة، ومن القبائل الخمس التي لم تتبع لمُلك، وكانت بينها وبين ثقيف تضاد، فإذا امتنعت ثقيف عن مناصرته فلم لا يطوقها من الخارج بالالتفاف مع بني عامر، ولكن كان ميثاق التفاوض هو أن لا يعطي الملك أو السلطة لأحد من بعده.

ظل التخطيط للتواصل مع مجتمع المدينه أعوامًا قبل الهجرة إليها، فقد كان الحبيب يلتقي بوفودها خارج مكة، وكانت بيعة العقبة الأولى التي أسفرت عن 12 رجلًا نتاجًا لبصيرته صلي الله عليه وسلم، وربما أذهب لأبعد من هذا فإن اختياره لسفيره مصعب بن عمير إلى المدينة لم يكن عملًا اعتياديًا، لأنه كان ملهمًا وموهوبًا في إدارته للاتصال، فقد أسلم على يديه رجلان هما. أسيد بن خضير. وسعد بن معاذ، وكان لعلمه بطبيعة قبائل الأوس والخزرج من اللين وعدم الكبرياء أبلغ الأثر في الوصول إليهم.

ان تعرف عن كل شيء، كانت عبقريته العسكرية في غزوة بدر تدعو إلى الإعجاب بشخصيته وبراعته. كان يتصرف في كل موقف حسب ما تدعو إليه المصلحة، وقد طبق في الجانب العسكري أسلوب القيادة التوجيهية في مكانها الصحيح، فلم يكن رص الصفوف عشوائيًا يوم بدر، كان الصف الأول من أصحاب الرماح لصد هجمات الفرسان والصف الذي يليه من أصحاب النبال لتسديدها من المهاجمين من الأعداء، جعل الحبيب المصطفى قوة احتياطية عالج بها المواقف المفاجئة في صد الهجمات المعاكسة أو لضرب كمين غير متوقع واستفاد من هذه القوة في حماية الأجنحة من خطر المشاة والفرسان.

الأوامر العسكرية على الأرض كانت توحي بعبقريته العسكرية في إدارة المعارك، لا يكون الرمي إلا إذا اقترب الأعداء حيث يكون أقرب للإصابة (إن دنا القوم فانضحوهم بالنبل)، نهيه عن سل السيوف إلى أن تتداخل الصفوف لاختزان الطاقة لوقت المواجهة (ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم).

أمر الصحابة بالاقتصاد في الرمي (واستبقوا نبلكم) ما يعرف حديثًا في العلوم العسكرية بكبت النيران إلى اللحظة التي يصبح فيها العدو في المدى المؤثر لهذه الأسلحة. كانت الخطة العسكرية تعتمد على معرفة بطبيعة المعركة، وفهم جيد لقدرات الجنود حيث كانت نسبة المعسكرين 1:3، هنا كانت عبقريته صلى الله عليه وسلم في تسديد الضربات دون اشتباك كامل للجنود حتى لا يحدث التفاف خلف خطوط الجيش، وكان تنظيم الصفوف لمعرفه كاملة أن جيشه لم يكن يملك إلا فرسا واحدًا فإن الهدف هو التعامل مع المواقف علي الأرض كل في حينه ولم تكن هناك خطه لهجوم شامل تضيع معها أرواح الجنود.

أن تدرك قدرات من معك وتحسن توظيفهم. أن نقرأ أكثر في العلوم العسكرية وإدارة الحرب ومعرفه شؤون وفنون القيادة، كان ذلك تأصيل لأهمية صناعة القادة ورجال الدولة، وإلا فهو الإفلاس وانفضاض الأجيال التي تربت في جوف المحنة وتواصلت مع العالم الخارجي عبر وسائل الاتصال التي تتطور كل لحظة، ولن تقبل بحال من الأحوال بعد زوال تلك المحنة أن تعود الأمور لما كانت عليه قبلها. في المقال القادم سوف ننتقل إلى الحديث عن آليات بناء الكاريزما وصناعة القادة الجماهيرين داخل الحركة الإسلامية حتى نحاول أن نعيد تموضعنا داخل الإطار الإقليمي والدولي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد