كلما طفت حادثة تنمر مدرسي جديدة على السطح تشجعت الأقلام والأفواه لنقد الظاهرة والتعليق عليها، ينشغل الرأي العام بها فترة من الزمن، حتى تخبو وتطوى صفحتها كغيرها، وكأن المشكلة قد تبخرت أو أننا قد وجدنا حلًا نهائيًا لها، بل ندفن رؤسنا في التراب، معلنين مسؤولية طفل ما مارس العنف ضد زميل أو زميلة له، دون أن نتعمق في فهم أسباب تنمره، لننعم بإزاحة المسؤولية عن كواهلنا نحن البالغين!

فالتنمر هو شكل من المضايقات، يرتكبها مسيء يمتلك قوة بدنية أو اجتماعية يهيمن بها على ضحيته، لذا يتحول ضحية التنمر إلى هدف، وعادة ما يختار المتنمرون أشخاصًا أصغر منهم حجمًا أو أضعف نفسيًا أو اجتماعيًا، علامات تعرض الطفل للتنمر تختلف من طفل لآخر، من سماتها العامة، تراجع الطفل أو الطفلة أكاديميًا، كراهية الذهاب للمدرسة، تغيير في أنماط النوم والأكل، الكدمات غير المبررة والخدوش، فقدان الممتلكات الشخصية، أو جلبها للمنزل مدمرة، سرقة المال من المنزل، التردد في استعمال الإنترنت، وهذا في حال التعرض للتسلط الإلكتروني، أو إغلاق الأجهزة عند دخول أحد للغرفة، فقد يكون الطفل يتلقي رسائل بها سخرية أو تهديد ما. يعاني ضحايا التنمر من مشاكل عاطفية وسلوكية؛ مما يسبب لهم الشعور بالحزن، الاكتئاب، القلق، تدني تقدير الذات، زيادة التعرض للمرض الصحي، والنفسي والعصبي: مما يدفع ضحية التنمر إلى إيذاء نفسه، في أحوال كثيرة ينفض الأصدقاء عن المتنمر به، خوف من أن يصبحوا هم الضحية التالية، لذا نجده وحيدًا؛ مما يضاعف من تعرضه لمزيد من التنمر، ويجعل منه فريسة سهلة.

عادة ما ننشغل بالطفل المتنمر عليه أو ضحية التنمر، ونطلق كلمة الطفل المتنمر على الجاني، ونتناسى أن أفعال الأطفال انعكاسات لما يحيط بهم، وأن مجتمعاتهم مسئولة عن ذلك العنف، الأطفال لم يأتوا من المريخ لا صلة لهم بما نفعله أو نمارسه، فالأب الذي يعنف على زوجته أو أبنائه هو أول شخص يغرس بهم قبول هذا السلوك وممارسته، والأم التي تسخر من أبنائها، تعلمهم بأيديها تلك الخصلة، والمعلم غير المؤهل نفسيًا ومهنيًا في التعامل مع طلابه، الذي يصب جام غضبه على الضعاف أو المختلفين من طلابه، يكون أكبر داعٍ للتنمر. فالمتنمرون البالغون، هم أخطر أنواع المتنمرين، وأكثرهم تأثيرًا على الأطفال، لأنهم شخصيات استبدادية، محبة للهيمنة، يعانون من نقص في تقدير الذات، عادة ما يكونون متكبرين ونرجسيين، يستخدمون تنمرهم على الأضعف، خاصة الأطفال، كأداة لإخفاء العار أو القلق أو لتعزيز احترام الذات، كثيرًا ما يكونون مصابين بالاكتئاب واضطراب الشخصية وسرعة الغضب واستخدام القوة، والإدمان على السلوكيات العدوانية، وسوء فهم أفعال الآخرين على أنها معادية، فالمتنمر البالغ شخص لا يشعر بالطمأنينة أو الأمان والثقة بالذات، بل هو فرد ضعيف يستر خوره وخوفه بما يمارسه من عنف، أو هو شخص جاهل متعصب لا يقبل اختلاف الأفراد، ولا يتحمل وجود كلام يغاير قوله، لذلك فالطفل المحاط بتلك النوعية من البالغين، وتعرضه للإساءة لفترة زمنية بسلوكيات عنيفة، تحول الطفل الضحية إلى متنمر آخر، فرد عدواني يفتعل الشجارات والمشاكل حتى يمكنه الدفاع عن ذاته، وبسبب شعوره بالتدني وعدم الكفاءة بسبب المعاملة السيئة أو المهملة، يشعر بالوحدة الشديدة، وأمام رغبته المُلحة في الانتماء، لكنه لا يمتلك المهارات الاجتماعية للاحتفاظ بالأصدقاء بشكل فعال؛ لأنه لم يتعلمها في إطار طبيعي، يتحول إلى جان يفرض سماع صوته ووجوده بالعنف، فخلف كل طفل يمارس العنف، عنف آخر مورس عليه أو أمامه. كما تزيد حوادث التنمر في البيئات والمجتمعات التي تتزايد بها دعوات العنصرية، المبررة للتحزب عن طريق استخدام الاختلافات، اجتماعية، أو عقيدية، أو مذهبية أو جنسية أو جنس أو لون، المجتمعات التي لا تقبل الآخر وتنفي وجوده، ولا ترضى عن المخالف لها في الرأي، هي أكثر المناطق احتضانًا للعنف والعنف المضاد.

التنمر ليس مسؤولية طفل بمفرده، بل يجب أن يٌسأل عنه المجتمع كله، عندما يمارس البالغون العنصرية والعنف أمام أبنائهم، فهم بأيديهم يكسرون منطق الأخلاق والاحترام والتعامل الرحيم في نفوس أطفالهم، يخلقون منهم متنمرين مدربين على كل من هو أضعف منهم، أو مخالف لما تعودوا عليه، فقبل أن نطلق تعريف طفل متنمر، ونعامله كجان، علينا أن نتحدث بأمانة عن مجتمعاتنا التي تمارس العنف والعنصرية في كثير من أفكارها وآرائها وأفعالها، ولا تسمح بوجود المخالف أيًا كان، لأننا نكون بأيدينا قد خلقنا ما نسميه بالطفل المتنمر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد