اخترت ألا أقف عند إدانة العنف هذه المرة، بل لأتجاوزه لتفكيك هذه الأحداث وتقديم رأي فيها، وأبرز حسب فهمي “البسيط” كيف يلعب “الصبيان” بالنار، بما تحصل لدي من معطيات ووقائع وتصريحات رسمية، بغية أن يجد القارئ المهتم مثلي بأمته ووطنه بغيته في استخراج الخلاصات الضرورية.

يهمني التطرق لتونس بوصفها “ثورة ” ترسم لنفسها مسارا ديمقراطيا تعترضه “العقبات”، رحم الله من قضوا في جرائم قد يكون خلفها شاب مغرر به أو محترف قاتل! هذا يمكن أن يحدده التحقيق النزيه “غير الموجه”.

ما يهمني ما صدر حتى الآن من تصريحات قالها رئيس تونس الخضراء: “هذا ما جنيناه من حملة وينو البترول”، والذي ما لبث أن تلاه تصريح أشد أهمية لوزير داخليته حين تحدث لوسائل الإعلام: “هناك فراغ أمني افتعلته جهات لتنفيذ الجريمة”. وأترك للقارئ اللبيب البقية!

–    كانت أولى ثمرات العمل الإجرامي بتونس هو المسارعة إلى إغلاق 80 مسجدا دون الرجوع إلى القانون بما له من دلالات وقراءات لست محتاجا لشرحها أكثر!

–    خرجت قناة سكاي نيوز بصور حية لمنفذ جريمة تونس وهو يتمشى على الشاطئ بكل أريحية ويحمل سلاحه كبطل مغوار والشباب وراءه يتمشون ويضحكون، وبعد الحادث ظهر له تسريب فيديو يهرب بعدما كان “حسب عامل فندق” يقتل السياح فقط ويتجنب التونسيين، يختار ضحاياه بعناية بما يوحي أنها ليست مهمة شاب مراهق هاو تدرب في سوريا “عشوائيا”، بل مهمة تحتاج تركيزا وتجربة وانضباطا للمخطط!

–    ووسط كل هذا العنف “المحترف” المدقق والموجه، أبرزت “العناية” نموذج المحبة الذي يعلو فوق كل المطبات، سارة وماثيو الذين رسما وجها آخر لعالم ممكن، شاب يتصدى للقتل لتحيا زوجته وتربي، قصة علت كل هذا الكدر لتنقل لنا أروع مشهد مختصر قوي في رسالته، وعاش ماثيو، ليقول أن المحبة أقوى من رصاصهم ومخططاتهم!

جريمة تونس التي سارع تنظيم الدولة “داعش” إلى تبنيها قبل أي تحقيق أو تدقيق، لم ينتبه إلى ابتذال كل خرجاته في عالم أصبح قرية، بآلة إعلامية تفتت كل صغيرة وكبيرة في شرائط اليوتوب المتطور.

وربما الذي فات مهندسي العملية بتونس الخضراء أن اللعب بهذه “المفرقعات” والسيناريوهات قد يتفلت، فيستهوي شبابا مراهقا “غاضبا” مقهورا بفعل هذا التسويق “المجاني” الذي لا يلقي بالا للعواقب في عالم “غير عادل” تتوفر فيه كل شروط نمو التطرف وتغذيته، تأتيه أخبار أوربا وأمريكا المتطورة و “المتحيزة” ، وبلاده المتخلفة العاجزة الغارقة في الثروات تستعد لإفشال الثورات! فأي بديل تقترحونه على المسلمين دون هذه الدماء والأشلاء؟ وهل يكفي أن نضع المواطنين بين خيارين أسوأهما مر، في وقت تتعدد فيه الحلول والمقاربات؟

نترك الجواب لأصحاب القرار لعلهم يفهمون ويستوعبون!

بتونس عودة منظمة متريثة لاستبداد يتلون بكل ألوان الدنيا يحاول قلب ميزان القوى لصالحه، كالحرباء، ليعيد التحكم وضبط أوراق ملعبه بعد أن نجح في إرجاع أحد رموزه القدامى بكل جرأة ودونما خجل، فلا بأس بالمغامرة بعمليات هنا وهناك، ولتخرس حملات البترول والعدالة، ليصبح هم المواطن وهلعه مطية لاسترجاع الزمام، وتكميم الأفهام. وليتجند الجميع ضد فزاعة “الإرهاب” وكأن كل المخابرات اختفت مع الثورة!

وأنا أكتب هذا المقال كشفت تحريات أولية عن نسبة كبيرة من المخدرات في دم القاتل فذهبت فزاعات “الظلاميين” فمن نتهم؟!

“استبداد متلون” قد يتوارى إن وجد أيدٍ وسواعد متجردة واعية بما يراد وما يحاك في الكواليس، برجال من طينة السيد المرزوقي الذي يشتغل في صمت ويصنع لنفسه مكانا بين “الكبار”.

وغير بعيد عن تونس، هناك ببقعة بين حدود العرب، تساءل كثير من الشباب على صفحات التواصل الاجتماعي، كيف لعصابة ترفع شعار “الخلافة” و”الشريعة” حسب زعمها، أن لا تجعل من أهدافها تهديد إسرائيل؟

وبالمقابل تهاجم حماس وتضرب وتقاتل المقاومة الفلسطينية بكل جرأة؟ تهاجم المسلمين وتكفرهم، وتحصد الأرواح، وتسبي وتسرق وتتوسع وتطبع المجلات بكل اللغات وبأحدث التقنيات!

هل نحن أغبياء لهذه الدرجة كي نصدق أن كل هذه الضجة وهذه الحملة الإعلامية العالمية وهذه الأموال والمعدات، هي حب في استقرار البلاد العربية وبحث عن مستقبلها لغرب “كريم رحيم”؟ أدع لك الإجابة عزيزي المتتبع.

التطرف لا ملة له ولا دين، وتضييع الوقت في لعب ذراري الحكم العربي للبقاء مهما كان الثمن فوق الكرسي لم يعد يخفى على أحد، حتى إن لزم الأمر الارتماء في أحضان إيران وروسيا وعقد الصفقات وبيع الوطن بالتقسيط لشركات أخطبوطية فرنسية وألمانية.
ما البديل عن كل هذه “الفوضى”؟

الناظر في مجتمعاتنا العربية، يدرك أن الحاضر والمستقبل يستوجب فهما ونضجا وعمقا كبيرين، يقتضي قراءة متأنية للواقع تؤطرها نظرة استراتيجية حكيمة، وتحليل مبني على أسس واضحة، ولعل السؤال الأبرز بعد الحراك العربي:

أنصنف المجتمع إلى يسار وإسلاميين – بروز في الشوارع والنقاشات – والجميع تحت رزح الاستبداد يكتوي بتضييقه وخروقاته؟

أم نفتح جسور التواصل بطريقة هادئة هادفة نقوي فيها ما يمكن أن يجمع ونؤجل ما يمكن أن يفرق إلى حين، تنضج فيه الشروط لتتدافع المشاريع وتتنافس فيه الفكرة بشكل سياسي تداولي مسالم؟

قوى مجتمعية حية تناضل بعمل مشترك لإقامة دولة مدنية بمرحلة انتقالية تصنع ديمقراطية، تستلزم نفسا طويلا وعملا شاقا وتغيير عقليات، بما يعترض ذلك من مصالح إقليمية ودولية ويقتضي من ترضيات وتوافقات، دونما الحاجة إلى الاستقواء بالخارج أو تدخل الجيش أو استفراد وهيمنة وهوس على الحكم.

الواقعية السياسة الآن تقتضي الاعتراف بالإسلاميين وبمشروعهم السلمي بوصفهم قوة اقتراحية برهنوا عن جديتهم وإتاحة الفرصة لهم، وملفهم أقدم انتهاك لحقوق الإنسان بالوطن العربي، لهم ضرورة “براغماتية” على الأقل بالنسبة لمن يتكلمون لغة “الحساب”، في الوجود والعمل السياسي، بمن فيهم من تعرضوا لأحكام إعدام وللتعذيب والشيطنة في الإعلام المصري “الشهير” و من انقلاب على الديمقراطية كما وقع بالجزائر زمانا “أكتب هذا وقد تم اغتيال النائب العام الذي كأنه جاء جوابا عن وقفات المغرب ضد أحكام الإعدام التي نظمت في جمعة “الغضب” بتاريخ 26 يونيو 2015 وتكرس ما ذكرته في الحالة التونسية.

الإسلاميون هم الأجدر حاليا لاحتضان الزهور وتجنيبها الارتماء في براثن “المجهول” بدل أن تستغل تلك “الطاقات” لتنفيذ الأجندات وتفتح الوطن للاستكبار والاستحمار والاستغلال البشع.

ربما لن يستوعب كثير من “غير الإسلاميين” هذا، بل قد يفضل أي شيء لكي لا يزاحمه في الساحة منافس وفكرة مخالفة لما ألفه، رغم أنه على المستوى النظري لا يبدي أي اعتراض في الاختلاف واحترام الرأي والرأي الآخر، فلابأس من العمل المستمر حتى يقتنع يوما أو تتجاوزه الأحداث بعد فوات الأوان!

إن “الصادق” من يروم بناءً، يخطط ويفكر ويراكم ولا يتسرع، أو يرتمي ليأكل الثوم بفمه كما وقع للبعض، يحسن من شروطه الذاتية ويراعي الموضوعية لفعل مجتمعي جاد ومسؤول وسلمي، بعيدا عن الفوضى والارتجالية والإقصاء، دائما من أجل وطن “ديمقراطي” لكل أبنائه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد