تعكس تصريحات عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عزام الأحمد التي بدا فيها حريصًا على وحدة قبرص مدى الاستخفاف بمعاناة سكان قطاع غزة، وتؤكد أن كسر الحصار الجائر المفروض على نحو مليوني فلسطيني خارج حسابات قيادة السلطة وحركة فتح، وأن حقهم في الحياة أمر ثانوي وهامشي في أجندتها البائسة، فالأولوية لإحباط أي محاولات لإقامة ميناء بحري للقطاع المحاصر منذ عقد.

وتأتي تصريحات الأحمد الجديدة لتضاف إلى رصيد تصريحاته العالقة في وجدان الغزيين، لا سيما تصريحه الشهير حول فتح معبر رفح البري على مصراعيه فور تشكيل حكومة الوفاق الوطني، وتصريحه حول استعادة غزة بالقوة خلال فترات سابقة، إذ يكتفي أهالي القطاع حيالها بالتندر وتبادل النكات بشأنها كونها تخفف عنهم شيئًا من وجع ومأساة الحصار.

ولا شك، أن خطورة هذه التصريحات التي يتم ترجمتها عمليًّا على أرض الواقع، أنها تمثل عملية وأد مع سبق الإصرار لنحو مليوني فلسطيني لصالح الحفاظ على وحدة قبرص، إذ لا يقتصر الأمر على حق سكان غزة الطبيعي في التواصل الحر مع العالم الخارجي من خلال إقامة ميناء بحري يكفل لهم سبل الحياة في ظل الحصار الإسرائيلي الجائر والإغلاق المصري شبه التام لمعبر رفح البري، بل يتعدى ذلك، إلى تعطيل جهود حل أزمة الكهرباء الطاحنة في القطاع الساحلي، والتي تمس أدق تفاصيل حياة الغزيين المكتوين بنارها حرًّا في الصيف وبردًا في الشتاء، إذ بكل وضوح يؤكد الأحمد أن ذلك يمس بالعلاقة الفلسطينية القبرصية.

ويا لها من مفارقة عجيبة حين يتمنى سكان غزة أن يكون الأحمد حريصًا على وحدة القطاع والضفة كحرصه الواضح على وحدة قبرص، ولسان حالهم “ليس كل ما يتمناه المرء يدركه”، إذ إن تجربتهم المريرة مع جهود الأحمد لإنجاز المصالحة الفلسطينية منذ عدة سنوات لا تعزز هذا الأمل البتة، بل على النقيض من ذلك تمامًا، إذ حالف التعثر والفشل تلك الجهود التي استنزفت معنويات الشارع الفلسطيني الذي علق عليها آمالًا كبيرة في بداياتها.

إن المواقف والتصريحات المتتالية لقيادات حركة فتح والسلطة الفلسطينية المتعلقة بغزة ومصيرها تعكس تخليهم بشكل واضح عن القطاع، وأن استعادته لا ترمي سوى إلى السيطرة على موارده المالية، ومواصلة استدرار الدعم الدولي من خلال ادعاء تمثيله، فضلاً عن سد ذرائع عدم تمثيل الكل الفلسطيني لدى الأطراف الدولية، وإغلاق أي نافذة يمكن لحركة حماس استثمارها في التأثير على المشهد والقرار الفلسطيني بما يعطل مشاريع التسوية التي تتطلع قيادة السلطة لإنجازها رغم إدارة حكومة الاحتلال بقيادة بنيامين نتنياهو الظهر لها.

وتبدو جهود السلطة متسقة تمامًا مع موقف السلطات المصرية الرافض لأي تخفيف لحصار غزة، لكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تبدو مضطرة للموازنة بين حرصها على عدم تقوية حركة حماس وإضعاف السلطة وعدم إغضاب القاهرة من جهة وبين رغبتها بإصلاح العلاقات مع أنقرة من جهة أخرى، فضلاً عن عدم رغبتها بخوض غمار معركة جديدة مع غزة، خاصة في ظل عدم ضمانها حسم نتائجها، متحاشية بذلك تكرار فشلها الذريع خلال ثلاثة حروب ضارية على القطاع الساحلي، إذ لم تنجح خلالها سوى بتدمير المباني والفتك بالمدنيين الأبرياء، فيما خرجت حركة حماس من تلك الحروب أكثر قوة وقدرة على ردع الاحتلال.

ومما لا شك فيه، أن غزة تدفع ضريبة العزة والكرامة لعضها بالنواجذ على خيار المقاومة، ورفضها المساومة على سلاحها المتواضع الذي تذود به عن حلم اللاجئين بالعودة، مدركة أن المجتمع الدولي مدعي الحضارة وحقوق الإنسان لا يحترم الضعفاء، ولا يمنحهم سوى بعض الدموع المصطنعة، ويجود عليهم بما يفيض لديه من حبر يسجل به بعض المواقف الباهتة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فغزة مصرة على انتزاع حقها في الحياة من بين أنياب الاحتلال ومن سار في فلكه، موقنة أن ذلك أقصر الطرق للعيش بحرية وكرامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غزة
عرض التعليقات
تحميل المزيد