ربما أحيانًا يتساءل البعض منا فيقول: إن كنا نعاني من أزمة مالية، وأن هناك الكثير من الفقراء يعيشون بيننا، إذًا لماذا لا تقوم الدولة بطباعة الكثير من النقود وتوزعها على الجميع، ومنه نتخلص من هذه الأزمة؟

بعد القرون الوسطى، بدأت أوروبا موجة الاحتلال نحو مختلف بقاع العالم، كل هذا كان من أجل إثبات مكانتها وتحصيل الثروة، كان الذي يحتل أكثر يكون هو الأقوى، ومن بين المناطق التي كانت مستهدفة، نجد أمريكا اللاتينية.

عندما كان الرحالة يعودون من هناك، كانوا يعودون وهم محملون بمجموعة كبيرة من الأساطير، فيتم روايتها في إسبانيا وغيرها من الدول، هذه الأساطير في الحقيقة أسالت لعاب العديد من الطامعين في خيراتها وخاصة الذهب، فقد كانت هذه المنطقة تعرف بأنها منجم من الذهب، وأنها مليئة به، ومن بين هذه الأساطير نجد أسطورة EL-DERADO، وهي تقول إن هناك ملكًا مغطى بالذهب، كلما يستيقظ يرمي نفسه في الماء من أجل أن يغسل نفسه من الذهب، والأسطورة كانت تقول إنه متواجد في أمريكا الجنوبية.

سنة 1526، فرانسيسكوا بيزاروا Francisco Pizarro González قائد كونكيستدور الإسباني طلب من الملك أن يموله من أجل أن يقود رحلة نحو أمريكا اللاتينية، ويحضر الذهب الموجود في هذه القصة «أسطورةEL-DERADO »، وانطلق فرانسيسكوا في 3 سفن، 181 رجلًا، 27 حصانًا وبعد سنتين سقطت أول دولة وهي بنما، ولم يجدوا فيها أي قطعة من الذهب، وواصل فرانسيسكوا احتلاله لأمريكا اللاتينية حتى اكتشف أحد الهنود هضبة سيروريكوا، وقد كان منجمًا كبيرًا جدًّا من الفضة، ولم يجدوا الذهب، هذا المنجم حصد أرواح الكثير من الناس سواء من الذين قتلوا في سبيله، أو من حيث الهنود الذين كانوا الإسبان يستغلونهم في عملية الحفر، حيث إن واحدًا من كل ثمانية أشخاص كان يدخل المنجم، يموت.

أكثر من 170 ألف طن من الفضة دخلت إلى إسبانيا، ربما يقول قائل إن البلاد ستنتعش وسيتحسن حالها، لكن الحقيقة عكس ذلك، أزمة اقتصادية ضربت البلاد وكل أوروبا، موجة من ارتفاع للأسعار لا تصدق، والسبب هو كمية الفضة الكبيرة التي دخلت إسبانيا.

حدث ما يسمى تضخم INFLETION، لا بد أن نفهم أن النقود يجب أن يكون لها مقابل سواء من ذهب أو من سلع، وإن لم يكن لها مقابل تحدث مشكلة، فعندما دخلت هذه الكمية الرهيبة من الفضة لإسبانيا، نزلت قيمتها، وأصبحت لا تساوي شيئًا، الأشياء تكون قيمة عندما تكون نادرة، وعندما أصبحت الفضة متوفرة عند الجميع، ولم يكن لها مقابل ازدادت الأسعار.

بلغت نسبة التضخم 7% فقط، ما حدث في إسبانيا في الحقيقة لا يقارن بشيء أمام ما حدث في ألمانيا، بعد الحرب العالمية الأولى، وفي معاهد فرساي ألمانيا كانت مطالبة بتقديم تعويض بقيمة 400 مليار دولار حاليًا، ألمانيا لم تجد من يقرضها، لهذا كان أسهل حل أمامها أن تقوم بطباعة النقود، ومنه تتخلص من الأزمة!

لكن الكارثة كانت كالآتي:

  • قبل الحرب الدولار كان يساوي 4 ماركات (عملة ألمانيا).
  • خلال الحرب 1 دولار = 8 ماركات.
  • في أول 1922 كان 1 دولار= 60 ماركًا.
  • شهر يونيو/ جوان سنة 1922 كان 1 دولار = 330 ماركًا.
  • شهر ديسمبر 1922 كان 1 دولار = 800 مارك.
  • شهر نوفمبر 1923 كان 1 دولار = 4.210.500.000.000 مارك ( 4 ترليون).

وفي النهاية اضطروا أن يستبدلوا العملة.

ربما تقول إن هذه أمثلة قديمة ولم تعد الدول تفعل هذا، ولكن انظر إلى زيمبابوي:

  • في سنة 2007 كان معدل التضخم 66000%.
  • يونيو/ جوان سنة 2008 معدل التضخم 214M% (مليون).
  • أغسطس/ أوت سنة 2008 معدل التضخم 14B% (مليار).

كل هذه الإحصاءات المخيفة جعلت الحكومة في 2009 توقف التصريح بأي أرقام جديدة، وتلغي عملتها (الدولار الزيمبابوي) ولحد 2014 كانوا يعتمدون على عملات الدول المجاورة.

حتى تفهم معنى التضخم ولماذا لا تقوم الدول بطباعة المال من أجل حل مشكلتها المالية، سأسرد لك الأمثلة الآتية:

التضخم

يحكي لنا أباؤنا أنه كان عندما ينزل للسوق، بمبلغ زهيد يشتري العديد من الأشياء، أما اليوم فعندما يدخل للسوق يأخذ معه مال كثير، ويشتري به القليل من الأشياء فقط، ثم يقول لك إنه لا توجد برك، في الحقيقة المشكل ليس مشكل بركة، المشكل هو زيادة كمية الأموال المطبوعة من دون زيادة في كمية السلع المعروضة، فعندما يصبح الجميع يملك نقودًا، والسلع نفسها لا تزيد، هنا يضطر البائع لأن يزيد في ثمن سلعته لأن الجميع يملك المال، فالمسألة تتعلق بالعرض والطلب.

تخيل معي أنك تجلس في موقف انتظار الحافلة، وبعد مرور فترة وأنت تنتظر، ازداد عدد الأشخاص الذين ينتظرون معك، وبعدها أتت حافلة واحدة فقط (هذا هو المتوفر «العرض»)، وبعد وصوله قال لكم صاحبها إنه لن يتعامل معكم بالسعر القديم، بل سيضاعفه خمس مرات، هنا الجميع يريد ان يصعد وبأي ثمن المهم أن يذهب لبيته، هنا الطلب كان كبيرًا والمتمثل في الأشخاص الذين كانوا ينتظرون، في حين العرض كان عبارة عن حافلة واحدة، ومنه فإن صاحب السلعة سيزيد ثمنها، ويتحكم فيها كما يشاء من دون أن يحاسبه أحد.

فهذا هو مبدأ التضخم، فالعبرة ليست بالكثرة وإنما بالقيمة، والشيء الذي جعل ثمن الذهب مرتفعًا ليس لأن لونه أصفر أو يملك صفة معينة، بل لأنه نادر، وكميته محدودة، لهذا ارتفع ثمنه، فلو كان الجميع يملك النقود، فإن قيمتها ستقل، ومنه فإن البائع لن يعرض سلعته بنفس الثمن ما دام الجميع يملك النقود، فهو أيضًا يريد ربحًا كبيرًا، لهذا سيزيد في الأسعار.

 

الأمر الثاني الذي يتحكم في الأسعار هو الذهب، فلا بد على النقود أن تكون لها قيمة مرجعية، أي يكون له وزن محدد من الذهب، وإن تم طباعة الأوراق من دون مراعاة تلك القيمة، سيحدث تضخم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التضخم
عرض التعليقات
تحميل المزيد