الدين هو مجموعة الآراء والمعتقدات التي يتبناها الفرد ويدافع عنها بكل حماس

وبما أن الدين هو أقدم ظاهرة عرفها الإنسان على وجه هذه الأرض، ينبغي أن يقف الإنسان وقفة ولو قصيرة، ليتعرف إلى أهم الآراء والمعتقدات التي اتخذتها شعوب الأرض دينًا لها؛ ففي هذا إكمال للفهم وتصحيح للمفاهيم الخاطئة بين بعض المتدينين.

إن الفكر المصري القديم مع أنه تلاشى وذهب، فإنه كان من أعظم الأفكار نظرة في الحياة، وتأثيرًا في الأمم من بعده. إلا أننا نجد أنهم في حين إدراكهم لبعض الحقائق الغيبية كالحياة بعد الموت والحساب. نجدهم قد انحرفوا في تصور الإله الخالق، فقد صاروا يؤلهون بعض المظاهر الطبيعية المختلفة، حتى إن كل مدينة كان لها آلهتها المختلفة عن غيرها، وصاروا يعبدون الحيوان، والأبرار من الأموات، ويعدونهم آلهة. وقد كان لهذا تأثير بالغ في عقائد اليونان والرومان؛ حتى اقتبس الرومان بعض أسماء آلهتهم من المصريين؛ فعندهم إيزيس إله القمر، ولوزيريس إله الزراعة، وهراميس إله الشتاء. ومن ثمَّ تأثر اليونان تأثرًا بليغًا، حتى إن فلسفة الإغريق كانت مُلهمة لرجال الدين المسيحي. «ولكن لم يكن المصريون إذن قد خلوا في كل عصورهم من دعوات إلى التوحيد كدعوة يوسف وموسى عليهما السلام».

الهندوسية تعد من الديانات المتعددة الآلهة، فقد عدوا لكل ظاهرة إله. «ولم يصل هؤلاء إلى عبادة هذه الظواهر دفعة واحدة، وإنما مروا بمراحل انتهت بهم إلى عبادتها، فقد كان لجمالها تأثير في نفوسهم مما جعلهم يعدونها آلهة ويدعونها عند الحاجات».

ولم يصل الأمر بهم لهذه الدرجة فقط، ولكنهم قالوا بالتثليث، وقد تأثر بهم في ذلك النصاري. «فقد جمعوا الآلهة في إله واحد، وأطلقوا عليه ثلاثة أسماء، فهو براهما من حيث هو موجود، وفشنو من حيث هو حافظ، وسيفا من حيث هو مهلك».

«فالإله يظهر بثلاثة أشكال بأعماله من خلق وحفظ وإعدام، لكنه في الحقيقة واحد، ومن عبد أحد الثلاثة فكأنه عبدهم جميعًا». وهذا غريب عن أصل هذه الديانة؛ فقد جاء في كتبهم نصوص تدل على الوحدانية والتنزيه للخالق، ومنها على سبيل المثال:

– هو واحد أحد لا ثاني له (شاندوجيا 6:2:1)

– لا والد له ولا والدة له و لا سيد فوقه (سفيتاسفتارا 6:9)

– ليس له مثل (أو شبيه) (سفيتاسفتارا 4:19)

– لا يمكن رؤيته أو تجسيده، لا يمكن رؤيته بالعين (سفتاسفتارا 4:20)

– لا صورة له (لا يمكن تصوره ولا يمكن تصويره) (ياجورفيدا 32:3)

– هو نقي (طاهر) و لا جسد له (ياجورفيدا 40:8)

– الذين يعبدون المخلوقات والمصنوعات إنهم يغرقون في الظلمات (ياجورفيدا 40:9)

– أيها الأصدقاء لا تعبدوا سواه، القدوس، ادعوه هو وحده (ريجفيدا 8:1:1).

أما الزرادشتية فقد دعا زرادشت إلى عبادة إله واحد لقبه «أهورامزدا» ومعناها «السيد الحكيم»، ولكنه جعل النار رمزًا للإله، على عكس المجوس الذين يعبدونها، فالزرادشتيون يقدسون النار لكن لا يعبدونها.

وأنكر زرادشت الوثنية تمامًا، وحارب تعدد الآلهة، وجعل الخير المحض من صفات الله، ونزل بإله الشر إلى أدنى الدرجات مقامًا وقدرًا، ووصفه بأنه مارد مطرود ونزل به إلى درجة المخلوق، ونفى عنه الألوهية تمامًا.

وبشر زرادشت بالثواب وأنذر بالعقاب، وقال بخلق الروح قبل الجسد، وقصر العبادة على إله واحد وصفه بأعلى وأقدس صفات التنزيه التي يمكن أن يعرفها أهل زمانه.

«ووصف زرادشت الخير بأنه غالب دائم والشر بأنه مغلوب منظور إلى أجل مسمى».

لكنَّا اليوم نرى من ينتسبون إلى الزرادشتية قد انحرفوا تمامًا عن تعاليم زرادشت؛ فأصبحوا تقريبًا كالمجوس يعبدون النار، ولم يعد لهم أي صلة بتعاليم زرادشت.

والبوذية تنسب إلى بوذا المُعلم، لكن بوذا لم يتطرق أبدًا إلى فكرة الإله، إنما كان يدعو الناس إلى تعاليمه التي تقوم على التجرُّد والزُّهد تخلُّصًا من الشهوات.

لكن أتباعه قد انحرفوا عن تعاليمه بعد وفاته حتى جعلوا منه إلهًا وعبدوه! وكذلك الانحرافات دائمًا إنما تكون نابعة من جهل الأتباع أو إفراطهم في حب المُتَبَع.

«واتجه بعض اتباعه إلى أن بوذا ليس إنسانًا محضًا بل إن روح الله قد حلت به، وهذه العقيدة تشبه عقيدة النصارى في عيسى، فقد قالوا بحلول الإله فيه، وجعلوا له طبيعتين ناسوت ولاهوت».

والكونفوشيوسية ديانة أهل الصين، وهي ترجع إلى الفيلسوف كونفوشيوس، ويعتقدون بالإِله الأعظم أو إله السماء، ويتوجهون إليه بالعبادة، كما أن عبادته وتقديم القرابين إليه مخصوصة بالملك، أو بأمراء المقاطعات، كما يعتقدون أن للأرض إله، ويعبده عامة الصينيين، وأن للشمس والقمر، والكواكب، والسحاب، والجبال… لكل منها إله. وعبادتها وتقديم القرابين إليها مخصوصة بالأمراء.

والأغرب أنه عندما مات كونفوشيوس قدسه أتباعه فصاروا يعبدونه، ولم يكن كونفوشيوس نفسه يدعي أنه إله.

«وعبادة الصينيين غناء ورقص وموسيقى، وكأنهم بهذه الأعمال يشركون آلهتهم معهم في سرورهم وأفراحهم وأغانيهم وموسيقاهم».

«والكونفوشيوسية ليست دينًا في نظر كثير من المفكرين؛ لأنها مجموعة من الحكم والأقوال العظيمة تفوه بها كونفوشيوس».

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد