من منا لا يملك مؤثرًا فيسبوكيًّا واحدًا على الأقل ومع الرأفة في حائطه الفيسبوكي؟ دعك من أنه يفهم في كل شيء، خبير سياسي، وعالم اجتماع وفيلسوف وعالم موسوعي، يمحص خلفيات الأحداث، هو الأكثر خوفًا على أحوال المجتمع، والأكثر أهلية لتنوير الرأي العام؛ إنه يملك العديد من المعجبين، المعجبين بشعبويته الإلكترونية، التي تستثمر في تفشي جهل المجتمعات العربية، واضمحلال دور المثقف والسياسي فيها. ما سنح الفرصة لعامة الناس بأن يصبحوا بين عشية وضحاها صناعًا للرأي العام في بلدهم، ويدفعون جحافل لتبني مواقهم والتأثر بانفعلاتهم.

«مؤثر فيسبوكي»، العبارة قد لا تحمل دلالة سلبية دائمًا، فكم من شخصيات عمومية اختارت أن تطل على جمهورها من بوابة الموقع التواصلي الأزرق؛ تفاعلًا مع الثورة الرقمية التي يعرفها العالم، وحرصًا على التواصل بطريقة أمثل مع فئة عريضة من الناس، نذكر منهم الإعلامي الجزائري حفيظ دراجي، الذي يقدر متابعيه بالملايين، وصارت منشوراته تشعل الرأي العام الجزائري، أو الدكتور فيصل القاسم، وغيرهم.

الفرق البسيط هنا هو أن هذه الشخصيات العمومية لم تختر أبدًا أن تحمل هذه الصفة، وتملك خلفية ومستوى ثقافي تعطي ولو بشكل نسبي المصداقية للمحتوى الذي تشاركه مع الآخرين. بل أكثر من ذلك، الكثير منهم يجدون الكثير من الحرج حين تطلق عليهم هذه الصفة؛ لأن أغلبهم يستغل هذه المنصة بالأساس للتواصل مع المعجبين به وبمحتواه.

إذا كان الأمر أصبح يدر على أصحابه أموالًا طائلة في مجتمعات صناعية متقدمة، أصبحت الشركات فيها تستغل صورة «المؤثر» للترويج لمنتجاتها، فإن «المؤثر» في المجتمعات العربية لا يكون له غالبًا نصيب سوى قليل من الشهرة والأضواء، وسلطة رمزية على عقول اختارت أن تبني مواقفها وأراءها وقناعاتها بالأساس، انطلاقًا من المحتوى الذي تتلقاه في مواقع التواصل الاجتماعي. ما نستخلصه من هذا أن دوافع المؤثر هي دوافع نفسية بالأساس، تجعله في بحث حثيث ودائم عن الشهرة، ومكانة اجتماعية جديدة.

أتذكر جيدًا حين عرف المغرب حملة مقاطعة شعبية لبعض المنتجات الحيوية، ففتحت مزايدة مسيري الصفحات الفيسبوكية الباب نحو مقاطعات لمنتجات أو قيم مجتمعية أخرى، فمنهم من دعا الرجال لمنع زوجاتهم، وبناتهم، وإخوتهم من التعري، وآخرون لم يتوانوا عن دفع معجبيهم لمقاطعات منتجات لأسباب غير موضوعية أساسًا. ومن منا أيضًا ينسى الضجة التي خلفها موت عالم الفيزياء ستيفن هوكينج؟ فمن المؤثرين الفيسبوكيين من توعد المتعاطفين معه بسوء العاقبة، ومن عد التحسر على موته إثمًا. أو قضية خاشقجي التي ضخمها بعض مسيري الصفحات في الموقع الأزرق، وجعلوها حتى أكثر أهمية من قضايا الشأن الداخلي لبلدانهم، حتى بعد استعراض تفاصيلها الكاملة.

كما ذكرنا في البداية، فالظاهرة بالأساس يعزى انتشارها للعزوف المهول عن القراءة، مما قزم بشكل كبير من دور المثقف، بالإضافة إلى مجموعة من التراكمات في المشهد السياسي، جعلت من خطاب رجل السياسي يفتقر للمصداقية والقدرة على التأثير. سبب آخر هو تزايد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي التي أوصلت ترامب للرئاسة، وأوصلت أيضًا وجوهًا مغمورة جعلت منها البارانويا والبحث عن الشهرة أقلامًا ووجوهًا تصنع الرأي العام في بلدانها عن وعي أو بدونه. الأكيد أن المعرفة تولد وعيًّا، والوعي يولد مناعة فكرية ضد أي خطاب يفتقر لأسس علمية، لذلك فالمؤثر الفيسبوكي يستثمر في جهل المجتمعات العربية وتخلفها، مجتمعات ما أحوجها لأن يبتعد المفكرون فيها عن مكتباتهم للاقتراب أكثر من المواطنين، والتواصل معهم؛ كي لا يزداد حجم الفراغ، ويزداد عدد المتطفلين.

الأسئلة التي يجب أن يجيب عنها أي مؤثر فيسبوكي هي: ماذا يعني أن تعبر للناس عن غضبك، وفرحك، وقلقك، وخوفك؟ وأن تخبرهم بكل كبيرة وصغيرة في حياتك اليومية؟ ما الذي يجعلك ملزمًا بالتعليق على كل القضايا والأحداث، حتى لو كنت تفتقر لخلفية عالمة تخول لك التفاعل معها؟ هل دوافعك هي بارانويا؟ أم بحث عن الشهرة؟ أم قناعة أن ما تقدمه يحمل إضافة نوعية؟ في انتظار إجابة شافية عن هذه الأسئلة، لا يسعني سوى أن أجزم أن «مؤثر فيسبوكي» هي مهنة من لا مهنة له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد