منذ بداية انتشار كورونا في الصين عرف هذا الفيروس تغطية إعلامية كبيرة من مختلف وسائل الإعلام، إلا أنه عرف اهتمامًا منقطع النظير من طرف رواد مواقع التواصل الاجتماعي، هذا الفيروس الخطير الذي يكاد يقود الأنظمة الصحية لدول كبيرة نحو الانهيار، وفي ظل انتشار هذا المرض وإعلانه كجائحة عالمية من طرف المنظمة العالمية للصحة وارتفاع ضحايا هذا الفيروس، ازدادت الضغوط على الأنظمة الصحية للتكفل بجميع الإصابات.

وأمام هذه المعطيات التي توحي كلها بالعجز أمام هذا الغزو الفيروسي ارتفعت حدة الشائعات وانتعش سوق المزايدات والاتهامات بين مختلف الأطراف في محاولة منها لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، ولعل أبرز ميدان جرت على أرضه هذه المعارك كانت مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عرفت هذه المواقع انتشار مئات الآلاف من الصفحات بطريقة تشبه سرعة انتشار الفيروس نفسه وظيفتها الأساسية الترويج لوجهات نظر ومقاربات محددة حول مواجهة الفيروس.

كما كانت تقوم بتوجيه جملة من الانتقادات لأداء بعض الأجهزة الحكومية وطريقة تعاملها مع هذه الأزمة كثير منها تفتقر للموضوعية والجدية، الهدف منها خلق حالات من الجدل وبث الرعب ونشر الذعر والهلع في أوساط الجمهور، يقود هذه الحملات في العادة مجموعة من الأشخاص الذين يمتلكون حسابات مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي اعتادت كتاباتهم على تحقيق نسب عالية من التفاعل وبهدف إرضاء غرورهم النرجسي فإنهم يستغلون كل سانحة للتعبير عن تفوقهم وذكائهم وضرورة إشراكهم في صناعة القرار لتجاوز هذه الأزمة، بالرغم من أنهم في غالب الأحيان يفتقرون للخبرة اللازمة.

امتلاكك لحساب «فيسبوك» وعدد من المتابعين لا يجعل منك خبيرًا إستراتيجيًا ضليعًا في خطط التعامل مع الازمات، كما أن قدرتك على الكتابة وحبك الجمل وصياغة التعابير لا يؤهلك لنقد القائمين على شؤون مختلف القطاعات، ملكاتك في حسن التعبير والصياغة قد تجعل منك كاتبًا أو أديبًا في أحسن الأحوال، ولا تحولك إلى سياسي أو إداري يفهم في تدبير شؤون البلاد وأنت لا تحوز الحد الأدنى من التجربة والتكوين في المجال، يحضرني هنا قول الفيلسوف البريطاني جورج برنارد شو الذي عبر عن مثل هذه الحالات بقول بليغ نصه الآتي: لو تكلم كل واحد منا فيما يفهم لعم صمت رهيب.

فترة الأزمات تحتاج إلى نقد عالم متبصر، وكثير من الصمت الذي يسمح لجنود الميدان بحسن التعامل مع المواقف التي تواجههم كثرة الكلام من شأنه أن يزيد من الضغط عليهم ويؤثر على أدائهم، ويقلل من فرص نجاحهم كما من شأنه أن يرفع من مستوى قلقهم وضجرهم، ويخفض من قدرتهم على الصمود والتصدي لهذا الوباء الخبيث، وكل هذا لا يخدم أي أحد.

فئة أخرى اشتد نشاطها في هذه الفترة همها الوحيد نقل الأخبار بطريقة محمومة تبعث على التساؤل، فلا هي مأجورة، ولا هو من صميم عملها، وفي خضم هذا السعار المحموم حول تناقل الأخبار ونشرها وقعت أخطاء كبيرة فكثيرًا ما نشروا شائعات، وكلام مقاه لا علاقة له بحال الميدان مساهمين بنشر الهلع والذعر في أوساط المواطن البسيط الذي تعوزه القدرة على التحقق من صحة المعلومة ضاربين بذلك قول الحق تعالى عرض الحائط حين دعانا لضرورة التثبت في نشر النبأ مخالفين هدي النبي الكريم حين قال كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع. في هذا العصر أنعمت علينا التكنولوجيا بملايين من القنوات التلفزيونية والإذاعات والجرائد ومختلف الوسائط المتخصصة في نشر ونقل الخبر لذلك قل خيرًا أو اصمت، بل اصمت، واحكم دارك، وشد سابعك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد