لطالما راجعت شريط ذكرياتي – وأنا الآن في العقد الخامس من العمر – عندما بدأ يصلنا من الغرب في ثمانينيات القرن العشرين وما بعدها علوم الحاسب الآلى وتكنولوجيا المعلومات والإنترنت، واستقبلناها بكم كبير من السعادة والتطلع للمستقبل الرقمي، ولعل أبناء جيلى يتذكرون جيدًا أننا كنا – ولحسن الحظ – جيلًا ارتبط ولحق بركب أجيال ما قبل وصول التكنولوجيا الرقمية، وقد تعايشنا مع هذه الأجيال حياة تتسم بالبساطة الشديدة والصفاء النفسي، والهدوء والحميمية، والتفاعل المباشر، سواء في العلاقات الاجتماعية أو حتى في ميادين العمل، أتذكر رؤسائي في العمل الذين لم يستخدموا الحواسب الآلية في عملهم، وإنما هي أوراق وأقلام يخطون بها المخاطبات الخاصة بالعمل، وتجري عملية الإرسال والاستقبال بصورة تتسم بالبطء والهدوء الشديدين من سمات هذه المرحلة.

استقبلنا إصدارت البرمجة الرقمية بداية من MS-DOS ثم إصدارات الويندوز المختلفة، والتى اعتبرناها – فى بدايتها – بوابتنا إلى عالم الأحلام المليء بالتطلعات لحياة أفضل وأسهل وأكثر سعادة، حينها كنا نغبط سعيد الحظ الذي يمتلك هذا الجهاز العجيب فى بيته، والذي يمكن من خلاله امتلاك بريد إلكتروني يرسل أي رسالة لأى إنسان في العالم في ثوانٍ معدودة، أتذكر كيف كانت صفحات الإنترنت تحمل ببطء شديد ونحن نكاد نجن عند الدخول لموقع إخباري أو معلوماتي نستقي منه الخبر والمعلومة، أو عند إصدار برامج المحادثات – Chat-  وكيف كنا مبهورين ونحن نتحدث لشخص لا نعرفه في أي بقعة من العالم ويصلنا الرد في ثوانٍ معدودة.

وبسرعة رهيبة غرقنا في بحر لجي وانفتاح متلاحق لتكنولوجيا الإنترنت والمعلومات، ودخل على الخط معنا الأقمار الصناعية والقنوات الفضائية والأطباق والريسيفرات، وكذلك أجهزة المحمول، التي بدورها جرى تطويرها من مجرد جهاز إرسال واستقبال للمكالمات حتى أصبح الآن جهاز كمبيوتر محمول صغير خارق الإمكانيات.

ليس سرًّا أن هذه التكنولوجيا واكبها تمهيد سياسي وإعلامي دولي بمرادفات جديدة سياسية واجتماعية، كالعولمة، والعالم الذي أصبح قرية صغيرة، وبدأ ينتشر مصطلح السماوات المفتوحة التي يجب أن تكون المعلومة تحت هذه السماوات متاحة للجميع ومحمية من الحجب.

لقد إنتقل العالم فعلًا وبلا سابق إنذار لشعوبنا البسيطة المغلوبة على أمرها إلى الانفتاح الشامل والمفاجئ.

فتحت علينا السماوات وجرت عولمة كل شيء دون مراعاة الاختلافات الثقافية والهوياتية، فكل مجتمع يمر بمراحل تطور اجتماعي وسياسي وثقافي، حتى يصل إلى عقد اجتماعي يتماهى مع معارفه وخبراته وما يرتضيه هذا المجتمع لنفسه من أعراف وعادات وتقاليد تعبر عنه.

فسمات المنتج المعرفي والثقافي المصدر من خلال هذه التكنولوجيا الرقمية قد تكون متوائمة مع العقد الاجتماعي للشعوب الغربية وما ارتضاه الغرب لنفسه من أعراف وأطر وتوافقات، ولكنها عندما انتقلت هذا الانتقال السريع والمفاجئ إلى مجتمعاتنا ذات الأعراف والتقاليد المغايرة للغرب فقد مثلت لنا الصدمة للوهلة الأولى ثم بعد ذلك توالى الاندماج (الخشن) الثقافي والحضاري.

ربما بعضنا كان على علاقة وثيقة بأشخاص من مجتمعاتنا قد أقاموا في الغرب فترات طويلة، واستطاع أن يرصد حجم التغير الطارئ بأفكارهم عن الإنسان والمجتمع، وكذلك التغير الجلي في سلوكياتهم سلبًا وإيجابًا نتيجة تفاعلهم المباشر مع المجتمعات الغربية، أما الآن بفضل تكنولوجيا المعلومات، فقد حدث الانكشاف التام والسريع على الغرب، ونحن ما نزال في أوطاننا لم نبرح أماكننا، لقد عايشنا هذه المجتمعات الغربية بشكل يومي، نتابع أخبارهم التي تصلنا بسرعة البرق، نعرف الكثير عن ثقافتهم، نشاهد أفلامهم، نعلم ما هي حقوقهم وواجباتهم، باختصار عرفنا تفصيلًا كيف يعيشون.

ظهرت جليًّا وانكشفت هذه الهوة السحيقة بين مجتمعاتنا ومجتمعاتهم، نرصد الكثير من الإيجابيات من خلال هذا الانكشاف الكبير، منها أننا تعرفنا إلى الآخر بشكل أفضل وأقرب من ذي قبل، وتعرفنا إلى قيم الديمقراطية والحرية والعمل الجاد، وقدرة الشعوب على محاصرة الاستبداد وانتزاع الحقوق، وكذلك تسلل إلينا الكثير من السلبيات مع هذا الانفتاح، فقد فقدنا جزءًا كبيرًا من خصوصيتنا إلى الأبد، وظهر الانحلال الأخلاقي في مجتمعاتنا وبدأ انهيار الكيان الأسري الذي كان أحد خصائص ومرتكزات مجتمعاتنا وتصاعدت الأخلاق المرتبطة ببيئة العمل ورأس المال، بديلًا عن الأخلاق المجردة من الهوى والمنفعة، وتسللت إلينا ثقافة الشك في كل ما هو غير مشاهد وغير منظور، حتى وصلنا إلى الشك في المقدس والغيبيات (I’m not sure)، والشك هو أصل كل شيء في الغرب وأحد ركائز التعليم والثقافة، وأحد منطلقات حضارتهم.

هذه بعض الإيجابيات والسلبيات المباشرة من الانفتاح التكنولوجي والمعلوماتي، وهناك التأثيرات السلبية غير المباشرة، خاصة لدى الشعوب المقهورة تحت نيران الاستبداد والفساد، فقد زادت عندنا معدلات التوتر المعيشي والاكتئاب الناتج من تسارع وتيرة الحياة وزيادة التطلع لأوضاع معيشية مشابهة للغرب، قد يكون من الصعب تحققها في مجتمعاتنا في المدى المنظور، وكذلك ضعف ارتباطنا وانتمائنا للوطن بعد أن أصبح الانتماء الآن والارتباط لصالح قيم العولمة، وكذلك ظهر الإلحاد (I don’t believe) بوصفه أحد صور الرفض والإنكار لكل ما في هذا الوطن بما في ذلك المقدس.

سعدنا كثيرًا في بداية هذا الانفتاح المعلوماتي والإنترنت والفضائيات ظنًّا منا أن هذه الوسائل ستجعل حياة الإنسان أسهل وتسخر التكنولوجيا في خدمة الإنسان وسعادته ورقيه، ولكن يبدو أننا جميعًا قد خدعنا!

أصبحنا عبيدًا لهذه الآلات والألواح الرقمية، تتحكم بحياتنا دون وازع من ضمير، وتنتهك خصوصياتنا وأجهزت على البقية الباقية من الحميمية والدفء الأسرى الذي كانت تتمتع به مجتمعاتنا، فقد جعلت الإنسان أكثر مادية وأحط أخلاقًا، حتى أصبح الإنسان بفضل هذه التكنولوجيا مجرد سلعة بلا روح تخضع للاختبارات التسويقية على صفحات الإنترنت، يتجسس أرباب هذه التكنولوجيا عليك جهارًا نهارًا، ويرصد احتياجاتك ويتتبع شهواتك ونزواتك ليعرض عليك بضاعته، الغث منها والثمين، حتى أمسى الإنسان آلة استهلاك رهيبة، وصيدًا ثمينًا لتجار التكنولوجيا الرقمية.

أخطر ما يمكن أن تفعله التكنولوجيا الرقمية بمجتمعاتنا هو كشف السوءة ورفع الستر عن البشر، حتى أضحى كل منا يمكنه رؤية سوءة أخيه بوضوح، وهو تمام مراد الشيطان الذؤ حذرنا الله منه، حيث قال:

«فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22)» سورة الأعراف.

قد يبدو في البداية انكشاف سوءاتنا بفعل التكنولوجيا الرقمية نوعًا من أنوع التطهر والصدق مع الذات، فما يلبث أن يتحول الإنسان بعد أن يتعرى إلى كائن لا يهتم لقيمة، ولا يأبه لعرف أو تقليد.

هذه رؤية قد تبدو متشائمة لحاضرنا ومستقبلنا مع عصر المعلومات والإنترنت والفضائيات، وهي تطرح تساؤلًا مهمًّا.

هل التحول التكنولوجي الرقمي في مجمله كان نعمة على البشر أم نقمة؟ وهل بعد ما يقرب من 30 عامًا من التعاطي مع هذه التكنولوجيا قد جلبت الخير للبشر؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد