إن ما أصبح يشهده عالم «سجمون باومان [Zygmunt Bauman  [1» اليوم، من فوضى الاضطرابات وموجات الاستياء المتعاقبة على كل المجالات، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية، أفسح المجال لمفاهيم جديدة، بل أسس لقوانين وثقافات دخيلة غيرت رؤى المجتمعات من منظار التشبث بمنظومة التقاليد والقيم إلى منظومة كونية منفتحة على «اللايقينيات» غيرت ملامح المشهد العالمي. فمنذ أن ظهرت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات اتخذت مجالًا مهمًّا في حياة الأفراد، وجذبت اهتمام الباحثين في كل التخصصات، ومن أهمها إثارة في هذا الحقل هو «الفضاء الرقمي» وما يشكله من حلقات رابطة بين السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة.

إن الثورة الهائلة التي خلفها «الفضاء الرقمي» وتطوره المتسارع، أدى إلى إحداث تغيرات جوهرية بدأت آثارها على مستوى الجماعات والأفراد، محدثًا ظواهر جديدة وتأثيرات مباشرة في مختلف التنظيمات والبنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد ساهمت في ذلك العديد من الأدوات والآليات (شبكات التواصل الاجتماعي أو المنصات الاجتماعية) التي تعد وسيلة من وسائل الإعلام الجديد والذي بدوره هو الآخر نمط جديد يختلف في مفهومه وسماته وخصائصه ووسائله عن الأنماط الإعلامية التقليدية.

وقد ارتقت تلك الأهمية ليصبح للفضاء الرقمي دورًا استراتيجيًّا، تتفاعل فيه جميع مصالح المجتمع الدولي، على الصعيد الاقتصادي، والسياسي، والثقافي، والأمني، والاجتماعي. حولت هذه المتغيرات الفضاء الرقمي إلى عالم موازٍ تمامًا للواقع المادي بكل مكوناته وتعقيداته ومشكلاته. فإلى جانب الاستخدامات السلمية داخل هذا الفضاء، ظهرت استخدامات أخرى غير سلمية، استغلت التوجه البشري الكثيف نحوه، واعتماد المؤسسات والجماعات والأفراد على خدماته الكبيرة، وقد انعكست آثار هذه الاستخدامات على السياسات الأمنية الدولية وعلى مجتمع المعلومات العالمي. فظهور أنماط جديدة من التهديدات غير التقليدية، دفعت إلى تغيير عميق في نمط استخدام القوة في العلاقات الدولية، حيث استبدلت بالقوة الصلبة التقليدية التي كانت محور قواعد القانون الدولي، قوة مرنة ذات طابع إلكتروني متحررة من الإطارات القانونية. إضافة إلى ذلك، فقد دخلت الحركات الراديكالية ذات الخلفيات الدينية أو العرقية أو الأيديولوجية طرفًا أساسيًّا في الصراع الدولي الجديد الذي تخوضه الدول داخل الفضاء الإلكتروني للحفاظ على مصالحها الحيوية. وأخذت تلك الصراعات الإلكترونية صورًا متعددة يقع أغلبها في شكل الإرهاب الإلكتروني.

وإذا كان «الفضاء الرقمي» بكل فسيفسائه قد احتكر أزمة «فيروس كورونا Covid-19»، بوصفه أول وباء في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك في ظل عطالة «الفضاء العام» من جراء حالات الطوارئ التي انتهجتها الدول، فإنه حمل مفاهيم حديثة بأبعاد لم يسبق لها مثيل. وعلى الرغم من أنه ما يزال من السابق لأوانه استخلاص أي دروس محددة من هذا الوباء ، فمن المهم رصد المظاهر «»الرقمية«» الأكثر أهمية من أجل تقديم تحليل أولي لها.

ففي خطاب له أمام مؤتمر ميونيخ للأمن، استخدم مدير منظمة الصحة العالمية (WHO) مصطلح «الوباء المعلوماتي infodemia»، حيث اعتبر أن الأفراد والجماعات والدول ليست في حرب ضد الفيروس بقدر ما تحارب وباء معلوماتيًّا.فما هي إذن أعراض les symptômes هذا الوباء المعلوماتي على جسد الفضاء الرقمي؟

سنحاول هنا فقط رصد بعض الجوانب الأكثر إشكالية لوباء المعلومات هذا، آخذًا بعين الاعتبار، مزايا وإيجابيات وتأثيرات الشبكات الاجتماعية في هذه الفترة الحساسة التي أسست الواقع اليومي للفرد، والأدل على ذلك ما سمحت به للجهات الرسمية والمؤسساتية بالتواصل وإبلاغ الجمهور بسرعة وباستمرار عن تطورات الوباء؛ فضلًا عن ما أتاحته من مرونة العمل عن بعد في العديد من القطاعات (التعليم عن بعد)، كما أنها وفرت للأشخاص المعزولين وسيلة للحفاظ على الروابط الاجتماعية أثناء فترات الحجر؛ وشجعت على مضاعفة الدعم ومبادرات المساعدة وحشد الأفراد للانخراط والمساهمة.

فإذا كانت هذه الجوانب الإيجابية للفضاء الرقمي في ظل الأزمات، تحجز له تذكرة على أجندات الحكومات والمنظمات الدولية، فإنها لا تختزل الأبعاد الكارثية للظاهرة، التي تؤجج غضب هذه الأخيرة، وتبرر قلق منظمة الصحة العالمية. ويتعلق الأمر بالتهويل والتضخيم المصاحب لانتشار الفيروس عبر نقل معلومات مضللة تغذي الشعور بالخوف والقلق والاستياء والانقسام (الاندفاع إلى رفوف الأسواق والتهافت على الكمامات أكثر مظاهرها إثارة)، مقابل إجراءات فاشلة وارتجالية مضادة لم تُظهر سوى فعالية محدودة في الحد من نشر الأخبار المضللة والزائفة، إذ لم تشهد البشرية في تاريخ أوبئتها (وباء الطاعون الوافد من الإيالة الجزائرية للمغرب عام 1792، والإنفلونزا الإسبانية 1918- 1919، والإنفلونزا الآسيوية 1957- 1958، وإنفلونزا هونج كونج عام 1968، أو الإيدز أو فيروس إيبولا، أو السارس) لم تشهد تضخيمًا يضاهي «فيروس كورونا» رغمًا عما شكلته من خطورة الفتك. حيث لم تظهر «أزمة كوفيد-19» مؤشرًا على الاختلالات البنيوية في الدول والتوترات التي كانت موجودة مسبقًا في المجتمع فقط، ولكنها أثبت أن الفضاء الرقمي أضحى «المحرك أو المحرض» الذي يعمل عمل الرأس في الجسد بالنسبة للجمهور حسب طرح «جوستاف لوبون»؛ إذ تبدو الجماهير عاجزة عن تشكيل أي رأي شخصي ماعدا الآراء التي لقنت لها، وأوحيت لها من قبل الآخرين، عبر النفخ في جمر الوباء المعلوماتي وتغذية وإثارة الذعر والشائعات المزعزعة للاستقرار في لحظة أصبح فيها التماسك ضروريًّا لقفز حاجز الوباء.

وإذا كانت الشبكات الاجتماعية وسيلة اتصال بامتياز، فإن «حرب المعلومات» غيرت من رسالتها، وأصبحت الآن قضية هيكلية للأمن المجتمعي. وإذا كانت حكومات الدول هي المسؤولة في نهاية الأمر، عن سن التشريعات والقوانين لصد «الظواهر الشاذة»، فإن فسيفساء المجتمع المدني معنية بدورها بهذا الموضوع الذي ينطوي على أهمية كبرى، حيث يمكن لها أن تقدم وجهة نظر مفيدة للغاية، بوصفها القادرة عن تزويد المجتمعات بمصل المناعة ضد مخاطر العالم الأزرق، عبر تغيير السلوك والمواقف في إطار مبادرات تشاركية، وإنجاز أعمال فعالة ومنظمة للساكنة بتقوية قدراتهم في التعامل مع خطر «»الفيروس المعلوماتي». ولن يستقيم هذا الطرح الا بضمان تنسيق أفضل فيما يخص الأعمال والوسائل والبيانات المعلوماتية بين مختلف المتدخلين (الوزارات،القطاع الخاص، المجتمع المدني،…)فضلًا عن ردم الهوة بين الأبحاث وصنع السياسات من منطلق التفاعل بين العلم والسياسة بوصفها ممارسة.

[1] اعتبر سيغمون باومان في مؤلفه «الحداثة السائلة» أن «اللايقين هو اليقين الوحيد في عالم متغير».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد