انتقد الفيلسوف الألماني الشهير «إيمانويل كانط» ظاهرة انتشار الكتب في عصره وإقبال الناس على القراءة الكثيرة، وذلك أن القراءة الكثيرة (في الكتب الرديئة) تؤدي إلى ضعف التفكير النقدي، وتكريس القراءة السطحية حسب رأيه.

أما في عصرنا فقد أصبح مدى انتشار المعلومات أضعافًا مضاعفة عما كان الوضع عليه في السابق؛ إذ نشهد طوفانًا من المعلومات في كافة المجالات على شكل أخبار وتحليلات ومحاضرات ودراسات وأبحاث، بالإضافة إلى منشورات لا حصر لها على مواقع التواصل الاجتماعي عن التجارب الشخصية اليومية والمواقف الطريفة والأسفار وغيرها. فحسب إحصائية تعود لعام 2018م، ذكرها موقع «البحث والتعليم – Forschung und Lehre» الألماني نُشرت 450 ألف تغريدة على موقع تويتر، و 3.3 مليون منشور على موقع فيسبوك، ورُفعت 500 ساعة من المواد المصورة على موقع يوتيوب، كل ذلك تم إنتاجه كمعدل عام في الدقيقة الواحدة فقط؛ ناهيك عن الكميات الهائلة من الدراسات الجامعية والأبحاث التي تنشر في المجلات العلمية وعلى المنصات البحثية مثل مواقع Academia أو Google Scholar أو ResearchGate وغيرها، والمحصلة طوفان معلوماتي بمقاييس لا نهائية لم تعرفها البشرية من قبل.

هذه الظاهرة في تقديري من أهم التغييرات التي حصلت وما زالت تفعل فعلها في مسيرة الإنسان الفكرية والثقافية المعاصرة، وإنه لمن السذاجة الكلام عن الوفرة المعلوماتية باعتباره (خير كبير) وقع بين أيدي الناس، دون إمعان النظر في آثار هذا الانفجار المعلوماتي على المدى القريب والبعيد. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الظاهرة لم تأخذ حظها من الدراسة والتحليل والبحث، خاصة في عالمنا العربي. ومن ثَم فلا بد من الاهتمام الكبير بدراسة نموذج «الاستهلاك المعلوماتي»؛ إذ إن هذه الظاهرة تنطوي على مخاطر ملموسة على التصور المعرفي والفكري والديني، ولها تبعات ثقيلة على الأجيال القادمة.

والمشكلة أن كثير من الدراسات العربية في هذا الميدان تتجه إلى محاولة شرح طبيعة علم المعلوماتية أو إدارة المعلومات، وكيفية الاستفادة منه في التسويق والدعاية والإدارة والتحكم، وهي بذلك تركز على الناحية العلمية التقنية، وتهمل الناحية الثقافية والفكرية، التي تعكس جوهر الإنسان وقناعاته ونظرته إلى الحياة والكون.

في هذه المقالة نلقي الضوء على تأثير هذه الظاهرة على الجانب المعرفي والثقافي، وفي البداية نتطرق لأنواع نماذج إنتاج المعلومات من ناحية الإرادة، ثم نعرض للآثار السلبية لهذا التطور.

نماذج صناعة المعلومات

النموذج الأول: الإنتاج الإلزامي للمعلومات

من أمثلته:

١ النظام البحثي في الجامعات: من إشكاليات نظام الجامعات البحثي الحديث أنه يفرض على الباحثين، خاصة في المراحل المتقدمة، تقديم عدد معين من الأبحاث والدراسات لتحصيل درجات علمية أو وظيفية معينة، والمعروف أنه ليس من السهل دائمًا الإتيان بالجديد في أي مجال من المجالات العلمية، خاصةً في مجال العلوم الطبيعية، وإذا توفر الإبداع لدى أحد الباحثين فإنه لا يتوفر بالضرورة لدى الباقي، وهناك بعض المجالات والموضوعات تكون قد قُتلت بحثًا، فيشرع الباحث في القص واللصق والتجميع وإعادة الصياغة من أبحاث سابقة، فتتوالد الرسائل العلمية، وتُستنسخ دون تقديم الجديد، والنتيجة كم هائل من الدراسات والرسائل الجامعية التي خضعت لعمليات التكرير وإعادة التدوير.

والإشكالية هنا هي ضرورة الإنتاج بغض النظر عن توافر الرغبة والإبداع. صحيح أنه ليس من المنطقي أن نطلب من الجميع أن يجدد في مجاله، كما أنه لا سبيل إلى إنكار فوائد البحث العلمي بالنسبة للباحث، ولكن نحن في صدد الكلام عن مصدر الطوفان المعلوماتي والبحث في الآثار المترتبة على ذلك في المجتمع (بما في ذلك الوسط العلمي). ولا نقصد بهذا الكلام، القول بأن النظام البحثي الحديث معيب برمته، ولكن اقتصرنا على ذكر هذه السلبية لاتصالها بموضوعنا.

٢الشركات التجارية: وهذه من أكثر الأطراف استفادة من الوفرة المعلوماتية، والشركات الكبرى في شره دائم للحصول على المعلومات، سواء بصورة شرعية أو غير شرعية، ولقد أصبحت بعض الشركات العملاقة بفضل بنوك المعلومات الضخمة المتوفرة لديها عن بيانات المستخدمين والزبائن، بالإضافة إلى امتلاكها برامج ذات خوازميات تحلل رغبات وميول زبائنها؛ من أكثر المؤسسات قوة وتأثيرًا على مستوى العالم، وقد تنبأ بعض المتخصصين في هذا المجال بدنو اختفاء المتاجر والمحلات الصغيرة والمتوسطة من السوق لصالح هذه الشركات. إن شركة مثل أمازون مثلًا تستعين بها السلطات وأجهزة المخابرات الأمريكية للحصول على بيانات المجرمين والخارجين عن القانون؛ ولهذا كله فهذه الشركات من كبار المستفيدين من المعلومات والمنتجين لها أيضاً على شكل دعايات مفصلة حسب ميول كل شخص، وأيضًا عن طريق أبحاث علمية ودراسات تمولها لإنتاج حقائق علمية (مزيفة) أو دحض حقائق أخرى؛ بحيث يعزز هذا الأمر في النهاية مصالحها التجارية.

٣الإعلام: معلوم أن السيولة المعلوماتية مصدر رزقه، وإن لم يكن هناك أحداث تنتج المعلومات في سبيل تحريك عجلة الإنتاج الإعلامي من أخبار وتعليقات وتحليلات، فليس عند البعض مانع من اختلاقها، وكلما كان الحدث أكبر والقصة أفظع، كان التفاعل أكبر، وبالتالي العائد المالي أعلى، فمصائب قوم عند قوم فوائد.

وإلزامية الإنتاج المعلوماتي في هذه الأمثلة الثلاثة ليس المقصود منه أن السيف فيه مسلط على الرقاب، ولكن النجاح العلمي أو الوظيفي أو الكسب المادي من الدوافع الأساسية المحركة للإنسان في عالم اليوم، ويرى فيه الناس نوعًا من الضرورة أو الحاجة الملحة، وطبعًا يختلف الوضع بين حال وحال وبين مكان ومكان. ولكن الأهم من ذلك هو أن (الإلزامية) ترجع إلى اعتبارات متعلقة غالبًا بالمنتِج فقط، والإنتاج يتم دائمًا لتحقيق مصالحه، وقد لا يكون للمتلقي حاجة به، وقد لا يشكل أي نوع من الفائدة بالنسبة له، وعلى الرغم من ذلك لا يمكن إيقافه، وهو يساهم بشكل كبير في تشكيل الطوفان المعلوماتي، فيغرق الناس في محيطات من المعلومات، تواجههم في كل مكان دون أي حاجة لها أو منفعة تحصل لهم منها.

النموذج الثاني: الإنتاج الحر للمعلومات

ومن أمثلته:

١ – الإنتاج الإدماني للمعلومات: يذكر الدكتور جلال أمين قصة طريفة في كتابه «خرافة التقدم والتخلف» أجدها مناسبة في هذا السياق؛ تقول (بتصرف): إنه كان هناك فيل هرب من حديقة الحيوانات، فهرع بعض الناس إلى شرطي كان يتواجد بالقرب من المكان، وأبلغوه عن الأمر فتوجه مسرعًا إلى مكان الحادثة، وكان كلما يقترب من مكان الفيل كان يرتفع صوت الناس المصطفين على جانبي الطريق، وكانت هتافاتهم وعبارات التشجيع تتعالى كأنهم يشاهدون معركة ستبدأ للتو، وما كاد الشرطي يصل إلى المكان إلا وقد امتلأ توترًا وغضبًا، ووصل الاندفاع عنده إلى أقصى مداه، فما كان منه فور مشاهدته للفيل إلا أن أخرج مسدسه بسرعة خاطفة وأطلق النار عليه فأرداه قتيلًا. لم يكن الفيل يشكّل خطرًا على أحد، ولم يدر الشرطي ما فعل، ولماذا فعل، ولكنه شعر بأنه البطل المنقذ الذي لا يجوز له أن يخيب آمال الجماهير الغفيرة التي تشاهده؛ أما الناس فقد كانوا يريدون أن يشاهدوا مشهدًا مختلفًا، فيه الإثارة والتشويق، يكون فاصلًا مسليًا يكسر وقع الروتين اليومي الممل.

صحيح أن الإنسان كائن اجتماعي لكنه كائن ضعيف، يحب لفت الأنظار وجذب الاهتمام ويهوى سلطة التأثير. ووسائل التواصل وفرت هذه الأشياء للناس، وأطلقت على بعضهم لقب «مؤثرين Influencer» و«صناع محتوى»، فأصبح بعضهم يعيش في هذا الوهم الكبير، والحقيقة أن كثير منهم (إن لم نقل الأغلبية) أصبحوا هم أشد (المتأثرين) وصاروا (صناع الفراغ) بحق، بحيث يصبح همهم إرضاء الجماهير، والالتزام بمعايير الانتشار (مثل: الطرافة، الغرابة، خوض المعارك الكلامية.. )، وكل هذه الأمور يطلبها الناس للمتعة والتسلية، فيصير حال (المؤثر) تمامًا مثل حال الشرطي في قصته مع الفيل، وتصبح حياته عبارة عن مسرحية تعرض يوميًّا على خشبات العالم الافتراضي، والمشكلة هنا أن الإنتاج المعلوماتي يصبح ضرورة ماسة، وإلا زال الاهتمام وتحولت الأنظار الى مسرحية أخرى وبطل آخر، ذلك أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تعاقب المتكاسلين، فتقلل دائرة انتشار المنشورات كلما كان الغياب عن الساحة الافتراضية أطول، فهي لا تتحمل الجفاء ولا تتسامح في الانشغال عنها لأي عذر. وعليه لا يعود باستطاعة هؤلاء أن يتوقفوا، وهم مدفوعون بفعل عامل داخلي على الإنتاج المتواصل بحكم الإدمان على كسب الاهتمام وجمع علامات أصابع الإبهام. لا يهم ما هو المحتوى وما هي القيمة، المهم فقط هو استمرار عجلة الإنتاج والبقاء في دائرة الأضواء. ولا بد للنجاح والانتشار من إتقان فن التذلل للمعجبين والإلحاح في طلب الإعجابات والمشاركات، وعندها من المنطقي أن نسأل من المؤثر ومن المتأثر؟

إن هذا النوع من الإنتاج هو بالدرجة الأولى من أجل إشباع رغبات النفس، وغالبًا تتوفر فيه رغبة أكبر من النوع الأول، ومنه ما هو على مستوى عالٍ من الإبداع والابتكار، ولكن أغلبه ليس إبداعًا في عظمة المضمون، بل في كيفية لفت الانتباه.

وخلاصة الكلام أن النجاح في البقاء في دائرة الأضواء يتطلب من الإنسان أن يدخل هذا العالم بكل تفاصيله ويخضع لقوانينه بحذافيرها، والثمن ليس زهيدًا، وأخطره تكييف نمط الحياة على هوى الخوارزميات، ومتطلبات المعجبين، وجعلها كتابًا مفتوحًا، والإتجار في الخصوصيات والبوح بالأسرار، وعندها تصبح مصطلحات مثل (التأثير) و(صناعة المحتوى) وهمًا وتخديرًا، لا يصحو الضحية منه إلا بعد خسائر إنسانية فادحة.

٢الإنتاج القيمي للمعلومات: لا شك أنه يوجد أيضًا الإنتاج المعلوماتي من أجل رسالة سامية أو قيمة عالية، ويوجد كثير من المنتجين أصحاب الوعي والقيم العالية؛ لكن بعض هؤلاء أصبح من منطلق الحرص على الانتشار يضطر إلى النزول على رغبات الجماهير حتى في اختيار الموضوعات وتحديد المضمون، حتى صار ينطبق على البعض منهم مقولة «أفسدوه قبل أن يصلحهم». إن الحرص على مخاطبة الناس على قدر عقولهم يعني تحديد العمق العلمي للخطاب بما يتناسب مع قدرة المخاطب على فهمه واستيعابه، ولا يعني بأي حال من الأحوال المساهمة في إراحة هذه العقول من عناء التأمل والتدبر، ودفعها إلى التعلم والتطوير المستمر، ولا يعني أيضًا عدم التذكير بالواجبات والمسئوليات، ولكن العاقل لا يفوته أن بلوغ المرام مرتبط باستصحاب الرفق واللين والرأفة بالسامعين.

 كما أن البعض الآخر من أصحاب العلم والفضل يهمل الاستعانة بالأدوات والوسائل الحديثة في نشر العلم وفي سبيل إيصال القيم والأخلاق السامية، مما يجعل بضاعته في صعوبة الوصول إليها وضعف انتشارها كالإبرة في كومة القش. وما نحتاجه هو الموازنة بين الحفاظ على جوهر المضمون الهادف تفاعلًا مع الواقع وتحدياته ومحاولة لإصلاحه بما يتوافق مع المسئولية الدينية والإنسانية من جهة، وبين التجديد في الوسائل ومواكبة العصر من جهة أخرى.

وفي العموم يواجه أصحاب الرسالة منافسة شرسة وتشويشًا مزعجًا من الأنماط الإنتاجية الأخرى. وقد تنظر بعض النفوس الراقية والقلوب السليمة إلى سهولة الوصول إلى النافع من المعلومات وإلى الوفرة الكبيرة لها، فتظن أن الأمر نزهة في بستان، ينتقي الإنسان منه ما يعجبه من الأزهار. والحقيقة أن الأمر ليس بهذه البساطة، ولعل ذلك يتبين في المقالة القادمة إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد