إن آيات الميراث في القرآن الكريم قد جاء فيها قول الله: «للذكر مثل حظ الأنثيين»، لكن كثيرين من الذين يثيرون الشبهات حول أهـلية المرأة في الإسـلام، متخـذين من التمايز في الميراث سبيلًا إلى ذلك لا يفقـهون أن توريث المـرأة على النصـف من الرجل ليس موقفًا عامًا ولا قاعدة مطّردة في توريث الإسلام لكل الذكور وكل الإناث. 

فالآيات لم تقل يوصيكم الله في المواريث والوارثين للذكر مثل حظ الأنثيين وإنما قال «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين» أي أن هذا التمييز ليس قاعدة مطّردة في كل حـالات الميراث وإنما هو في حالات خاصة ومحدودة من بين حالات الميراث.

الشريعة الإسلامية ميزت المرأة على الرجل في كثير من قضايا الميراث، فكما أن حكما واحدًا أعطى للرجل ضعف الأنثيين فهناك مواضع كثيرة أعطى ميراثا متساويًا، وفي مواضع أخرى أرثها ضعفه، بل في بعض المواضع جعلها ترث وحدها. ولهذا الذين استغلوا حكاية الميراث في الإسلام لإثبات أنه ميز الرجل على المرأة يجهلون الشريعة ولا يعرفون الإسلام،أو يعرفون ويقصدون الإساءة للإسلام. 

للمرأة نصف حق الرجل في الميراث في حالة واحدة ونصيب المرأة في الميراث أكثر من الرجال في بعض الحالات ومساو للرجل في حالات أخرى. هناك حالات يرث الرجل ضعف المرأة وحالات ترث فيها المرأة مثل الرجل. وهناك حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل وحالات ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل.

بالنسبة لقضية الميراث في الإسلام يجب أن نضع أمام أعيننا القواعد المنظمة لذلك، والاعتبارات التي أخذ بها الإسلام عند توزيع الأنصبة بين الورثة ما تبين منه عظمة التشريع والعدل الإلهي وتكريمها عكس ما يشاع من أن المرأة لها نصف نصيب الرجل في الميراث وأن هذا الأمر دلالة على تدني مكانتها بالنسبة له هذا قول محض افتراء ولا سند له من الحقيقة ولا يقول به إلا من جهل حقيقة التشريع الإسلامي الرفيع.

إن النظرة المتعمقة لفلسفة الإسلام في الميراث توقفنا على أن الإسلام يأخذ بعدة اعتبارات أخرى لا دخل للذكورة أو الأنوثة فيها، وعند تطبيقها كما تجعل المرأة ترث النصف من ميراث الرجل، فإنها تجعلها في أحيان ترث بقدر مساوٍ له، وأحيانا أخرى ترث ضعفه أو أكثر، وفي أحيان ثالثة ترث هي ولا يرث نظيرها من الرجال.

إن الورثة ينقسمون إلى أصحاب فروض وإلى عصبات وأصحاب الفروض هم المنصوص على أنصبتهم في القرآن والسنة، وهم المقدمون في الميراث وأن من يرث تعصيبا يأتي تاليا لأصحاب الفروض بعد استيفاء حقهم والعصبات غير محدودة أنصبتهم في الميراث وقد يكون نصيب من يرث تعصيبا أقل ممن يرث فرضا، وأحيانا يستوفي أصحاب الفروض التركة بأكملها ولا يكون هناك شيء يتم توريثه تعصيبا.

والقرآن الكريم عندما ذكر أصحاب الفروض ذكر إثنى عشر فردا ثمانية من الإناث وأربعة من الذكور. النساء هن: الأم، الجدة، الزوجة، الابنة، ابنة الابن، الأخت الشقيقة، الأخت من أب، الأخت من أم، والرجال أصحاب الفروض هم: الأب، الجد، الزوج، الأخ لأم. 

من خلال هذا التقسيم فإن الإسلام بسط حمايته في إعطاء حق الميراث لشريحة من النساء أكبر من الرجال.. وبذلك نقض التقليد الظالم الذي درج عليه العرب قبل الإسلام وهو التقليد الذي كان يقصر الميراث على المقاتلين من الرجال وحدهم، وذلك عندما قرر حق المرأة من حيث المبدأ في الميراث من خلال الآية القرآنية «للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا» النساء:7.

ثم هو بعد هذا لم يكن تقرير حق الميراث للمرأة مثل الرجل، بل نص على حق الميراث للمرأة مثل الرجل، بل ونص على حق الميراث لفئات من النساء ضعف ما نص عليه بالنسبة للرجل. هذا إلى جانب أنه عندما اعتبر أن الأخ من الأم من أصحاب الفروض بالنسبة للرجال كان في هذا أيضا يبسط حمايته لفئة من الأفراد كانت محرومة من الميراث لنسبتهم إلى المرأة، فالمرأة ومن ينتمون إليها بصلة قرابة لا حق لهم في الميراث في الجاهلية. فجاء الإسلام لينقض هذا الأمر ويجعل للأخ من الأم حقا في الميراث ثابتا بعد أن كان محروما منه. 

هذا إلى جانب أن الإخوة من الأم يرثون حظًا مساويًا بدون تفرقة بين الذكر والأنثى.  فالقواعد الحاكمة بتوزيع الثروة لاعتبارات لا علاقة لها بالذكورة والأنوثةن فبالنسبة لدرجة القرابة إلى المتوفى، فكلما كان الوارث أكثر قربا من المتوفى كان نصيبه من الميراث أكبر، فالابنة ترث أكثر من العم، وإن كانت أكثر من واحدة فلهما الثلثان والزوجة ترث الثمن والأم ترث السدس والباقي على قلته يرثه العم أو الأعمام، وبذلك يكون نصيب ابنة المتوفى أكثر بكثير من نصيب شقيقه وهو رجل
أيضا ترث الأخت لأم نصيبا مساويا مع الأخ الشقيق بالرغم من أنها أبعد قرابة من الأخ الشقيق.

وهذا ما أخذ به من سيدنا عمر بن الخطاب وزيد وعثمان رضي الله عنهم بينما سيدنا علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم يعطون للأخت من أم نصيبها في الميراث ويحجبون الميراث عن الأخ الشقيق.

وعن موقع الجيل الوارث من الجيل المتوفى، فكلما كان الجيل الوارث أصغر سنا ومستقبلا للحياة كانت حاجته للمال أكثر لذلك كان ميراثه أكبر من الأجيال السابقة المدبرة. لذلك فإن نصيب الابنة في الميراث يفوق نصيب الجد وهي أنثى وهو ذكر حيث يكون نصيبها النصف إن كانت واحدة والثلثين أن كانتا اثنتين أو أكثر أما الجد فنصيبه السدس فقط. 

كذلك فإن نصيب الابن يفوق نصيب الجد وهما ذكران وقد يكون الجد هو السبب في تكوين ثروة ابنه المتوفى ونمائها وقد يكون الحفيد صغيرا في المهد. وأيضا إذا توفيت امرأة فالابنة ترث النصف والزوج يرث الربع والابنة أنثى والأب ذكر وهي ترث ضعفه.

أما العبء المادي، وهو الذي يجعل ميراث المرأة على النصف من ميراث الرجل، حيث ترث المرأة نصف الرجل في أربع حالات فقط هي: وجود البنت مع الابن وذلك لقوله تعالى: «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين» النساء: 11

 عند وجود الأب مع الأم ولا يوجد أولاد ولا زوج أو زوجة وذلك لقوله «فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث» فهنا فرض الثلث للأم والباقي الثلثان للأب. وجود الأخت الشقيقة أو الأخت لأب مع الأخ الشقيق أو الأخ لأب، وذلك لقوله تعالى «وإن كانوا أخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين» النساء: 176.

وبذلك تجد النساء في النهاية تتساوى مع الرجل أو تفضله حيث إنه مكلف بالنفقة الكاملة عليها وهي مرفوع عنها جميع التبعات المالية حتى أنها غير مكلفة بالنفقة على نفسها وأولادها، وأن ما تنفقه على نفسها أو أبنائها يدخل في حسابها صدقة مهما بلغ ثراؤها والرجل هو المكلف بكل الالتزامات المالية للمرأة.

ثم هناك حالات ثلاث أخرى للميراث ترث فيها المرأة مثل الرجل وحالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل، وحالات ترث فيها المرأة ولا يرث الرجل. ففي الحالات التي ترث فيها المرأة مثل الرجل، حيث في حالة ميراث الأم مع الأب في حالة وجود ابن ذكر وزوج يحصل الزوج على ربع التركة والأب على السدس والأم السدس، والابن بقية التركة، وحالة تساوي الأب والأم مع وجود بنت واحدة وزوج يحصل الزوج على ربع التركة، والبنت نصف التركة والأب السدس والأم تحصل على السدس.
وفي حالة تساوي الأب والأم مع وجود بنتين، فيحصل الأب على السدس، والأم السدس والبنتان على الثلثين.

وهناك حالات تأخذ فيها الجدة مثل الأب مع كونها جدة لأم، وهي أبعد من الميت وهي نموذج للخروج عن معيار التساوي بين الرجل والمرأة في درجة القرابة لصالح المرأة مما يظهر مدى كرم الإسلام للمرأة مع كونها في هذه الحالة أبعد صلة بالميت من ورثته 

وبهذا  فإن الفقه الحقيقى لفلسفة الإسلام في الميراث تكشف عن أن التمايـز في أنصبة الوارثين والوارثات لا يرجع إلى معيار الذكورة والأنوثة،وإنما لهذه الفلسفة الإسلامية في التوريث حِكَم إلهية ومقاصد ربانية قد خفيت عن الذين جعلوا التفاوت بين الذكور والإناث في بعض مسائل الميراث وحالاته شبهة على كمال أهلية المرأة في الإسلام. 

وذلك أن التفاوت بين أنصبة الوارثين والوارثات في فلسـفة الميراث الإسلامى ـ إنما تحكمه ثلاثة معايير:

أولها: درجة القرابة بين الوارث ذكرًا كان أو أنثى وبين المُوَرَّث المتوفَّى فكلما اقتربت الصلة، زاد النصيب في الميراث، وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب في الميراث دونما اعتبار لجنس الوارثين. 

وثانيها: موقع الجيل الوارث من التتابع الزمنى للأجيال. فالأجيال التى تستقبل الحياة، وتستعد لتحمل أعبائها، عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التى تستدبر الحياة. وتتخفف من أعبائها، بل وتصبح أعباؤها عادة مفروضة على غيرها، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات.. فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه وكلتاهما أنثى، وترث البنت أكثر من الأب! حتى لو كانت رضيعة لم تدرك شكل أبيها، وحتى لو كان الأب هو مصدر الثروة التي للابن، والتي تنفرد البنت بنصفها! وكذلك يرث الابن أكثر من الأب وكلاهما من الذكور.

وفي هذا المعيار من معايير فلسفة الميراث في الإسلام حِكَم إلهية بالغة ومقاصد ربانية سامية تخفى على الكثيرين! وهي معايير لا علاقة لها بالذكورة والأنوثة على الإطلاق.

وثالثها: العبء المالي الذي يوجب الشرع الإسلامي على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين، وهذا هو المعيار الوحيد الذي يثمر تفاوتًا بين الذكر والأنثى، لكنه تفـاوت لا يفـضي إلى أي ظـلم للأنثى أو انتقاص من إنصافها، بل ربما كان العكس هو الصحيح!

ففي حالة ما إذا اتفق وتساوى الوارثون في درجة القرابة.. واتفقوا وتساووا في موقع الجيل الوارث من تتابع الأجيال – مثل أولاد المتوفَّى، ذكورًا وإناثًا – يكون تفاوت العبء المالي هو السبب في التفاوت في أنصبة الميراث. ولذلك، لم يعمم القرآن الكريم هذا التفاوت بين الذكر والأنثى في عموم الوارثين، وإنما حصره في هذه الحالة بالذات، فقالت الآية القرآنية: «يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين»، ولم تقل: يوصيكم الله في عموم الوارثين. 

والحكمة في هذا التفاوت، في هذه الحالة بالذات، هي أن الذكر هنا مكلف بإعالة أنثى هى زوجه مع أولادهما، بينما الأنثـى الوارثة أخت الذكر إعالتها، مع أولادها، فريضة على الذكر المقترن بها. فهى مع هذا النقص في ميراثها بالنسبة لأخيها، الذى ورث ضعف ميراثها، أكثر حظًّا وامتيازًا منه في الميراث.. فميراثها مع إعفائها من الإنفاق الواجب هو ذمة مالية خالصة ومدخرة، لجبر الاستضعاف الأنثوي، ولتأمين حياتها ضد المخاطر والتقلبات.. وتلك حكمة إلهية قد تخفى على الكثيرين.

وإذا كانت هذه الفلسفة الإسلامية في تفاوت أنصبة الوارثين والوارثات وهي التي يغفل عنها طرفا الغلو، الديني واللاديني، الذين يحسبون هذا التفاوت الجزئي شبهة تلحق بأهلية المرأة في الإسلام فإن استقراء حالات ومسائل الميراث كما جاءت في علم الفرائض (المواريث) يكشف عن حقيقة قد تذهل الكثيرين عن أفكارهم المسبقة والمغلوطة في هذا الموضوع.. فهذا الاستقراء لحالات ومسائل الميراث، يقول لنا:

  1. إن هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل كما ذكرنا من قبل.
  2. وهناك حالات أضعاف هذه الحالات الأربع ترث فيها المرأة مثل الرجل تمامًا وقد ذكرنا بعضها.
  3. وهناك حالات عشر أو تزيد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل وذكرنا بعضها.
  4. وهناك حالات ترث فيها المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال وذكرنا بعضها.

أي أن هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل، أو أكثر منه، أو ترث هي ولا يرث نظيرها من الرجال، في مقابلة أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل.

تلك هي ثمرات استقراء حالات ومسـائل الميراث في عـلم الفرائض (المواريث)، التي حكمتها المعايير الإسلامية التي حددتها فلسفة الإسلام في التوريث.. والتي لم تقف عند معيار الذكورة والأنوثة، كما يحسب الكثيرون من الذين لا يعلمون!

وبذلك نرى سقوط الشبهة الأولى من الشبهات الخمس المثارة حول أهلية المرأة، كما قررها الإسلام. وبهذا يا صديقي الملحد الجاهل فكلما حاولت أن تخرج شبهة فلتتقدم لرجال العلم حتى نكشف إليك ما غاب عنك، وأنت أيها المتدين المتشدد ما هكذا انتشر ديننا ولا هكذا انتصر الإسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد