يبدو أن قانون «الانتخاب الطبيعي»  يُحدث أثره على مستوى الدول والأمم المعاصرة فالقاعدة لا تزال صحيحة، قاعدة وحيدة يقوم عليها هذا القانون، أن بقاء كائن ما «طبيعي أو اعتباري» رهن بقدرته على التكيّف مع المحيط البيئي حوله. فإن فعل ضمن بقاءه، وإن أهمل وتغافل عن القانون، أصبح مصيره طبقة من طبقات الأرض يختفي بداخلها كحفرية تؤكد قوة القانون وتشي بغباء الكائن.

وعلى مستوى الأمم والكيانات الاعتبارية، نجزم أن ذات القانون لا يزال يؤتي ثماره ويؤثر في بقاء الدول أو انهيارها وزوالها، لتصبح بدورها واحدة من الأحفوريات السياسية والاجتماعية.

على مدار الساعة، وبصورة لا تخطئها العين، ولا يمكن للأريب أن يتجاهلها، تندفع الإمارات العربية في طريق لا نحسبه مفروضًا عليها بقدر كونه اختيار يتوافق عليه الكافة، ونقصد هنا أن دولة الإدارات العربية تتجه بخطوات ثابتة لوراثة تكتلات إقليمية في منطقة الخليج، وتتصاعد وتيرتها ببطء لتصبح أداة فاعلة ونافذة في المنطقة، ولعل ثمة اتفاق بين كافة الأطراف الدولية سواء بصورة خفية أو صريحة باعتبارها، أي الإمارات، بديلًا قويًا ومتوازنًا لكيانات سياسية مجاورة.

دولة نأت بنفسها ومنذ استقلالها، عن الأنماط السياسية التقليدية السائدة بمنطقة الخليج، بداية من التوجه الاقتصادي غير الريعي، فلم تعتمد كغيرها على الاقتصادي الريعي الاستخراجي للنفط، بل نوّعت مصادر دخلها القومي لتشمل أنشطة اقتصادية سواء إنتاجية أو خدمية غير نمطية، وعلى المستوى السياسي، استقلت بتوجه سياسي خاص بها، جنّبها الخوض في مغامرات سياسية غير محسوبة. خطّت لنفسها خطا مدنيا منفتحا على العالم الخارجي، أعادة رسم صورة صحية جديدة إيجابية عن العالم العربي.

اليوم لم يعد للحجم أو النطاق الجغرافي أهمية للدول كما الماضي، تكتسب الأمم اليوم أهميتها وتستمد نفوذها من القدرات القيادية المتاحة لديها، الرؤى المستقبلية لوضعها وما ترغب أن تصبح عليه.

ولعله ليس من قبيل المبالغة القول أن الإمارات العربية، دولة يتفق معها الأصدقاء والخصوم في المنطقة أو العالم بأسره، لتصبح معادلًا طبيعيًا وموضوعي لتحقيق استقرار المنطقة، دونما أزمات مفتعلة أو حروب دينية طائفية بالوكالة عن أحد أو لحساب أحد. بمرور الوقت أصبحت هذه الدولة «رمانة الميزان» الجديد في منطقة الخليج.

مصر والإمارات العربية.. شراكة أم تحالف وإعادة صياغة جديدة في المنطقة؟!

أصبحت دولة الإمارات الشريك الرئيسي لمصر، حاليا ومستمرة مستقبلا، وهي شراكة لا تقوم على أنشطة اقتصادية فقط. (فبغض النظر عن اتفاق القارئ هنا مع أو ضد النظام الحاكم في مصر، إلاّ أن مصر الدولة والإدارة، تتجه بقوة وثبات للبحث عن استثمارات جديدة تعينها على تكملة برنامج الإصلاح الاقتصادي) لكنها وفي ذات الوقت، تهتم بالتلاحم الاستراتيجي مع البلدان التي تعينها على إعادة صياغة رسم المنطقة بكاملها وفق مصالح متوازنة للجميع وليس ضمن نطاق شرق أوسط كبير يقضي على الأخضر واليابس.

المؤكد أن العلاقة بين الدولتين (مصر والإمارات العربية) تشهد نموا منذ فترة، لكنها سوف تتأجج بقوة خلال فترة قصيرة، فحاجة الدولتين لبعض قائمة ولا يمكن غض الطرف عنها، التصور الأقرب لتحالف إقليمي جديد يضمن تواجدًا مصريًا محسوسًا كقوة عسكرية متعاظمة، تحالف تكون الإمارات طرفا رئيسيا ضمنه مع أطراف أخرى ربما لم تتضح الصورة بشأنها بعد.

التصور هنا أن تصبح الإمارات، شريكا رئيسيا في المعادلات السياسية الجارية بمنطقة الخليج وصولا للشرق الأوسط جميعه، وأن تضمن مصر تدفقا استثماريا قويا خلال السنوات القادمة، العمل على تجفيف منابع التيارات المتطرفة من منشئها، وما لم تطرأ متغيرات سياسية جديدة سواء طبيعية أو مصطنعة تظل المعادلة صحيحة، بأن الاقتصاد والأمن صنوان لا يفترقان وهما أساس التحالف الجديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد