في بلادي ظلموني أغنية الألم التي خرجت من مدرجات جماهير فريق الرجاء المغربي لتعبر عن بؤس ومعاناة ملايين الشباب المغربي المخنوق والمكتوم صوته، والذي لم يجد وسيلة للتنفيس عن عذاباته سوى في ملاعب الكرة؛ حيث انفجرت الأصوات الشبابية لتوصل صوتها للعالم عن بؤس الحال الذي وصلت إليه.

بعض الجهات ذهبت في المغرب إلى حد محاولة تجريم هذه الأغنية، ومنعها في مدرجات ملاعب الكرة خوفًا من انتشار الصرخة القوية إلى خارجها، فتتحول من هتاف جمهور كروي إلى هتاف شعبي يقض المضاجع، ويهدد مصالح نخبة المتنفذين والمنتفعين القاتلة للأحلام.

انتشرت أغنية الألم والحزن المغربية «في بلادي ظلموني» انتشارًا غير مسبوق، وحققت شهرة منقطعة النظير، حتى تلقفتها أصوات فنية مغاربية وعربية لتحقق بها أعلى المشاهدات وربما المبيعات، بل وتصدرت أحيانًا قائمة الأغاني الأكثر مشاهدة في العالم العربي.

بيد أنه إذا كانت الثلاثية المعروفة: «مؤلف- ملحن- مغني» تضبط عادة كل الأغاني، فإن عفوية وتلقائية خروج «في بلادي ظلموني» تجعل منها استثناءً غريبًا عصيًا على المعايير الفنية، فلا معايير تقيس الألم والظلم والبؤس وضيق الحال، من يغني قهرًا وكمدًا ليس كمن غنى أو يغني للشهرة أو المال.

فبلادي ظلموني لا يعرف لها مؤلف واحد بالاسم غير جماهير الرجاء المغربي، بل وجماهير الشباب المغربي الحزينة الخائفة من المستقبل المظلم الحالك، المدفونة أحلامها في أنفاق الظلم الطويلة التي حفرت منذ عقود، هي ببساطة أغنية الألم المغربي تأليفًا وأداءً وتلحينًا، خرجت من أعماق القهر والظلم.

لم يكن حتمًا في خلد واضع كلمات في بلادي ظلموني، التي تغنت وتتغنى بها الحناجر المقهورة المخنوقة، تحقيق ملايين المشاركات والإعجابات على وسائل التواصل، وتحقيق العائدات والأرباح المالية؛ ليثار بذلك السؤال المهم: هل من حماية لمضمون هذه الأغنية العربية التي أحيت أشواق الربيع العربي المقموع من كل شرار الأرض، ورفعت منسوب الأمل لدى الشباب العربي في أن الربيع حتى وإن لم يزهر، لكنه لم يمت ما دام هناك شباب حالم يسقيه ويتعهده بالأمل في غد عربي أفضل قادم حتمًا من تحت براثن القهر!

لحقوق المؤلف وضع أشبه بالمقدس عند الكتاب والفنانين، رغم سهولة القرصنة والنشر العابرة للقارات التي يوفرها الوحش العنكبوتي، بيد أن صرخة «في بلادي ظلموني» الحزينة صارت منتوجًا يتسابق الفنانون على احتضانه، وربما تحقيق أرباح ضخمة منه لسهولة انتشار الأغنية المحبوبة.

صحيح أن من عمدوا إلى أداء الأغنية وتصويرها ونشرها عملًا فنيًّا فرديًّا قائمًا بذاته، قد ساهموا في إيصال مضمونها ورسالتها إلى أكبر عدد ممكن من الشعب العربي، لكن حماية أصل الأغنية الشعبي والجماهيري أمر لا بد منه؛ حتى لا تذهب صرخة شعبية وزفرة متألمة إلى استوديوهات الاستغلال المادي والابتذال الفني، خصوصًا في زمن صار فيه الفن مرادفًا للبحث عن المال، وسهرات الفنادق ذات الخمس نجوم؛ حيث عالم الشهرة والثراء الذي لا علاقة له بجماهير صرخت صرخة ألم تحتج على طغيان الفاسدين، بعد أن ضاقت الصدور ولم تعد قادرة على الاحتمال.

«في بلادي ظلموني» غنتها جماهير الرجاء الرياضي المغربي، وأعادتها جماهير مغربية وعربية، وشاركتها ملايين الجماهير العربية على وسائل التواصل، «في بلادي ظلموني» صوت كل مسجون ومعتقل في بلاد الربيع العربي، زفرة هادرة مدوية وليست أغنية استوديوهات مكيفة، هي دوي شعبي مرعب يوشك أن يوقظ أسود الربيع العربي المغدور، وإن كان من حقوق لمؤلفها فهي حق واحد: أن يعود العدل لبلاد العرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد