وضعت التشريعات القانونية لبيان الحقوق والواجبات الملقاة على عاتق المواطن، وكما أن للمواطن الحق في المطالبة بحقوقه أيضًا فرضت عليه الواجبات وكان هنالك جزاء حال مخالفته للواجبات، فكان هنالك قانون العقوبات الذي بيَّن الجرائم والمخالفات والعقوبات المناسبة لها.

غير أنه في بعض الأحيان قد تتشابه دلالات بعض الألفاظ على الرغم من اختلاف مدلولها القانوني، الأمر الذي يلبسها الغموض عند العامة من الناس، فلا يُدرك الفارق بين اللفظ والمعنى، ومثال ذلك تعبير البراءة وعدم المسؤولية في القضايا الجزائية، فهو عند عموم المواطنين توصيف لحالة معينة هي إخلاء السبيل، ولكنه في مفاهيم علم القانون والقضاء مختلف ويوجد بينهما فرق شاسع.

إذًا إن لكل جريمة أو مخالفة عقوبة محددة بالقانون. ولبيان ماهية الفرق بين البراءة والمسؤولية، علينا أولًا تعريف الجريمة وبيان أركانها، والفرق بين البراءة وعدم المسؤولية ثانيًا.

أولًا: عرفت معظم القوانين الجريمة بأنها: كل فعل أو امتناع عن فعل يقرر له القانون عقابًا. أما عن أركان الجريمة، للجريمة ثلاثة أركان، وهي:

1- الفعل:

وهو الركن الأساسي في الجريمة، والذي يمثل السلوك المنحرف الذي صدر عن الشخص المتهم، وقد يكون هذا الفعل إيجابيًّا، والذي يمتد أثرها إلى الغير بالإيذاء مثل السرقة، والقتل. أو فعلًا سلبيًّا يقتصر أثرها على عدم القيام بما يمليه القانون عليه، مثل التزام السائق بقواعد السير.

2- أطراف الجريمة.

الجاني: وهو الشخص الذي قام بالفعل الإجرامي أو السلوك المنحرف طبقًا للقانون.
المجني عليه: وهو الشخص الذي يقع عليه فعل الجاني.

3- العلاقة السببية: أي يجب أن تكون هنالك علاقة مباشرة بين فعل الجاني والضرر الذي سببه للمجني عليه.

ثانيًا: الفرق بين البراءة وعدم المسؤولية.

جاء في معظم القوانين أنه: تقضي المحكمة بالتجريم عند ثبوت الفعل، وبالتبرئة عند انتفاء الأدلة أو عدم كفايتها، وبعدم المسؤولية إذا كان الفعل لا يؤلف جرمًا أو لا يستوجب عقابًا. وهذا ما أكدته معظم الدساتير والقوانين بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وأن الشك دائمًا يفسر لمصلحة المتهم.

-البراءة:

يقصد بالبراءة: هي عدم كفاية الأدلة لإدانة المشتكى عليه في الجرم المنسوب إليه. وللبراءة حالتان، وهما:

1- انتفاء الأدلة أو عدم كفايتها: إن أي إدانة يجب أن تبنى على أدلة واضحة لإدانة المتهم فإذا انتفت هذه الأدلة أو كانت غير كافية لإدانة المتهم يجب تبرئة المتهم؛ وذلك لأن الإدانة يجب أن تبنى على الجزم واليقين لا على الاستنتاج والتخمين.

2- ثبوت عدم وقوع الفعل: قد تكون هنالك جريمة ما قد حدثت، وقد يتهم شخص ما بفعل الجريمة، وأثناء المحاكمة يظهر الشخص المقتول حيًّا، وبالتالي فإن فعل القتل لم يحدث وعلى المحكمة الحكم ببراءة المتهم لأنه لا يوجد جريمة قتل أساسًا.

-عدم المسؤولية:

عندما يكون الفعل لا يشكل جريمة باعتبار أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. هنالك بعض الافعال لا تشكل جرمًا ولا يعاقب عليها، ومثاله استفاد الفاعل بأحد أسباب التبرير والتي تسمى قانونًا «انتفاء الركن القانوني»، ومنها:

أ- ممارسة الحق ومثاله انتقاد أعضاء البرلمان لأداء بعض الوزراء.

ب- الدفاع الشرعي، كما في حالة تعرض شخص ما لاعتداء غير محق ودفاعه عن نفسه ضد هذا الاعتداء.

ج- أداء الواجب، كأن يقوم موظفو الضابطة العدلية بملاحقة المشتبه بهم تنفيذًا لواجبهم، فالملاحقة هنا جاءت وفقًا لأوامر القانون.

د- إجازة القانون مثل: الضرب المراد منه تأديب الأولاد، أعمال العنف في بعض الألعاب الرياضية إذا روعيت قواعد اللعبة، العمليات الجراحية والعلاجات الطبية المنطبقة على أصول الفن.

و- رضاء المجني عليه: إن القاعدة العامة هي أن رضاء المجني عليه لا يعد سببًا عامًّا من أسباب التبرير، وإنما يمكن أن يكون سببًا لإباحة بعض الجرائم التي تتعلق بحقوق يستطيع أصحابها التصرف فيها. كما في جرائم التعدي على المزروعات والحيوانات والآلات الزراعية.

وأسباب التبرير هذه تخرج الفعل من كونه جريمة ويغدو مشروعًا لا يعاقب عليه. وقد يحكم بعدم المسؤولية في حال وجود أحد موانع المسؤولية مثل: القوة القاهرة والقصر بالنسبة للأحداث، واستفادة الفاعل من أحد الأعذار المحلة التي عينها القانون على سبيل الحصر. وبعد هذا العرض يمكننا القول إن الحكم بعدم البراءة ليس نهائيًّا، إذ يجوز للنيابة العامة العدول عنه في حال ظهر دليل يشير إلى ارتكاب الفعل والطعن به ما دامت مواعيد الطعن مفتوحة.

أما الأحكام الصادرة بعدم المسؤولية فهي أحكام نهائية؛ فالجاني أو المدعى عليه يقر بأنه ارتكب الفعل، لكن القضاء قرر عدم المسؤولية وذلك يعود لأسباب نص عليها القانون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد