التجديد وحاجة الأمة إليه

التجديد هو سنة ربانية أصيلة في كل أمة أرادت البقاء لنفسها، بل إن الأمم التي اندثرت معالمها كان السبب الأصيل عدم وجود تجديد في هذه الأمم؛ مما جعلها تتهدم لتهلك هذه الأمم لتأتي أمة أخرى تمتلك فكرًا آخر، ونورًا جديدًا تضيفه في الحياة، وربما يختلط هذا النور بضلالات كثيرة «مثل الإباحية التي تنتشر في وجود حضارة مادية لم يسبق لها الجنس البشري من قبل».

ولكي نقف على ماهية التجديد يجب أن نعرض هذه الكلمة لغةً واصطلاحًا:

التجديد في اللغة العربية من أصل الفعل «تجدد» أي صار جديدًا، جدده أي صيّره جديدًا، وكذلك أجدّه واستجده، وكذلك سُمِّي كل شيء لم تأت عليه الأيام جديدًا.

قال الدكتور سيف عبدالفتاح، ومن خلال هذه المعاني اللغوية يمكن القول: إن التجديد في الأصل معناه اللغوي يبعث في الذهن تصورًا تجتمع فيه ثلاثة معانٍ متصلة بالتجديد:

أ- أن الشيء المجدد قد كان في أول الأمر موجودًا وقائمًا وللناس به عهد.

ب- أن هذا الشيء أتت عليه الأيام فأصابه البلى وصار قديمًا.

جـ- أن ذلك الشيء قد أعيد إلى مثل الحالة التي كان عليها قبل أن يبلى ويخلق. أهــ

ووجود تصور للمجدد

– أن يكون عالمًا بحال المجتمع الآن مع علمه بثقافة أمته وماضيها وما أتى عليها من ثقافات.

– أن يكون لديه القدرة على التصور والعمل في آن واحد.

– أن يواجه إشكالات عصره لا إشكالات زمن آخر.

سبب الحاجة للتجديد

1- أن الحاجة للتجديد تعود في وجود حراك فكري في المدن المتحضرة، هذا الحراك يكون أفكارًا جديدة بمرور الأيام والسنين، هذه الأفكار إما أن تكون موافقة لمبادئ المجتمع أو مخالفة له. وتؤثر هذه الأفكار وتتأثر بعوامل خارجية، كالتحاق ثقافات جديدة بالمجتمع، ومحاولة المجتمع إدماجها، خاصة وقت انهيار المجتمعات، وظهور مجتمعات أخرى أكثر رقيًا في الجوانب المادية، فيضطر المجتمع عن حب أن يتقبلها ظنًّا منه أن هذه المبادئ هي التي أقامت هذه الحضارة، مثل النظريات الجديدة «الماركسية- الوجودية» فإن المجتمع لم يقبلها في الأصل إلا لشعوره بالحاجة للتجديد، أو لمواكبة العصر، وذلك لوجود فجوة ثقافية يجب أن تسد.

2- عدم معرفة أولويات العصر، وعدم القدرة على التنسيق بين مبادئ المجتمع، والتمسك بظاهر الأمور أحيانًا، بل والتمسك بما ليس في أصل هذه المبادئ والقيم الأصيلة، إلى مبادئ أخرى منها ما يكون متساهلًا إلى حد البعد، ومنها ما يكون جامدًا إلى حد التصلب.

3- الركود في العلوم والصناعات يؤدي حتمًا إلى الفشل، وضحالة الفكر، وسوء التصور، لذا كان التجديد سنة ربانية لا شك في ذلك.

التجديد ومفهومه في الإسلام

التجديد ركن ركين في الإسلام يدلك عليه قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد دينها».

فكان التجديد أساسيًّا، بل هو من واجبات الأمة لتستنهض نفسها، ولأن أمتنا تختلف عن غيرها فهي تبني مبادئ وماديات، فوجب هذا التجديد وهو إيقاظ المعاني من جديد كما كانت في عهد النبوة، مع إبراز معنى الحل من هذه المعاني، لا أن ينشئ منهجًا جديدًا أو مبادئ وأخلاقيات جديدة، بل يأتي ليعيد الأصل الأول بفهم النبوة لا بفهم رجال ربما لا يستطيعون فهم هذه المعاني؛ لذلك قال رسول الله: «بلغوا عني ولو آية فرب مبلغ أوعى من سامع».

وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». رواه البيهقي

يدل على أن غاية المجدد أن يعيد الناس إلى الأصل الأول لا في الشكل وفقط، بل في السلوك، بل فيما أعز وأغلى، وهو الفهم الذي يخطئ فيه الكثير.

ونجد أن علماءنا تكلموا في التجديد ومعناه، وفهموه جيدًا، ومن أمثلة ذلك:

– الإمام الغزالي بقوله: يظهر تفسير «التجديد» هنا بمعنى «إحياء ما اندرس من السنة» أو «إحياء الدين».

وهو فهم دقيق للحديثين، وأما إحياء الدين فهو فهمه وظهر ذلك في كتابه الإحياء لما وجد الناس تمسكت بالمظهر دون الجوهر؛ فربط بين الأمرين، ولم ينفِ مظهر الإسلام؛ بل ربطه بالجوهر.

وقول الزهري (المجدد عمر بن عبد العزيز)، دل على فهم الزهري رحمه الله لمفهوم التجديد، وأن عمر رضي الله عنه جاء ليقيم معنى ضاع فسماه مجددًا.

ونفهم منه أن المجدد إما أن يكون مفكرًا، أو أديبًا عالمًا بحضارة أمته ومشكلات عصره من أمثال الشافعي والغزالي والعز بن عبد السلام، أو قائدًا محنكًا تحتاجه السياسة، فربما كان الخلل في السياسة أصلًا مثل عمر بن عبد العزيز.

والعنصر الآخر هو المجدد

والسؤال من المجدد؟

إن المجدد غالبًا رجل يهتم بالتنظير والتطبيق معًا.

فهو رجل فكر وحركة، معتد بماض عريق، طامح في غد مشرق، رجل يحمل فكر أمته في نفسه مع التطلع إلى أن تسابق من حولها لأن ثقافتها وما تملكه من مقومات تجعلها هكذا.

يؤمن بالتطور، ويكره الغلو، لكن في ضوء أسس الثقافة التي تعلمها، وهو رجل يجمع بين القيادة الحركية والدعوية والعلمية، مثل نورالدين محمود، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والعز بن عبد السلام، وغيرهم. وأحيانا تنفصل القيادة الحركية عن العلمية، وإذا انفصلا فإننا نرى أنهما يكملان بعضهما البعض، وأن الحراك المجتمعي لا يحدث إلا بالتناسق بين رجل العلم والفكر، ورجل الحركة والسياسة.

ويظهر هذا المثال جليًا في حراك المغرب العربي على يد عبد الله بن ياسين باعتباره القيادة الفكرية، مع يوسف بن تاشفين باعتباره القيادة الحركية.

كيف يظهر المجدد؟

المجدد يأتي بوضع يده على نقطة الضعف في الأمة، مع محاولة حلها وإبراز الحل وطرقه، ونقطة الضعف إما أن تتراكم على مدى الأعوام كما الثقافات التي تتراكم، وهو ثابت في الحديث النبوي أن المشكلات في الأمة تتراكم وتحتاج إلى حلول جذرية  في قوله صلى الله عليه وسلم: «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضًا الحكم وآخرهن الصلاة». رواه أحمد وغيره وصححه الحاكم، أو أن تكون وليدة نتيجة كارثة ظهرت في الأمة، مثل شيوع التصوف الفاسد الذي ينشر التواكل دون العمل في الحياة.

ونقطة الضعف وإبرازها مع كيفية حلها؛ أمران لا يفترقان أبدًا، وإلا لا يكون مجددًا، فالفكر وحده سيظل حبيس الأرفف، والعمل بلا فكر هو عمل أهوج يعيدنا إلى نقطة الصفر، ونقطة الضعف يكون معها نقاط هامشية ربما يتمسك بها البعض، لكن المجدد يضع يده على الداء وعلى علاجه. ونقطة الضعف تختلف من زمن لزمن كما قلنا. فإذا جئنا بكلام المجدد في القرن الماضي لنطبقه هذا القرن، فإننا نبتلي الأمة بداء جديد.

فمثلًا في زمان الإمام الشافعي تاهت الأمة بين الرأي والحديث فجمعهم على كلمة سواء.

وشيخ الإسلام يرى أن الأمة تاهت وتفرقت «تفرقًا داخليًّا فصار الخطر في الأمة نفسها» على مشاحنات ومطاحنات بين المذاهب والمنطق، تاركين الأصل: القرآن والسنة فردهم لذلك. وكان الإمام الغزالي يرى بعد الناس عن الروحانيات، وتمسكهم بالظواهر، فكتب الإحياء ليقيم ويربط بين ظاهر العبادة وروحها، وسقطت الخلافة فقامت الدعوات لتستنهض ذلك، ولم يفكروا مثلًا بإيقاظ اختلاف قديم مثل مسائل القدر، والجبر والاختيار؛ لأنها ليست مشكلة الأمة الآن، فلو حاولت الدعوات إيقاد المنازعات القديمة بين المعتزلة والسنة، فإنما أوقدت داءً جديدًا، ولكن ركزت على الداء الموجود.

وأخيرًا الأمة الإسلامية وتخلفها عن مواكبة العصر

تظل الأمة الإسلامية لا تستطيع أن تتعرف على الداء في هذا العصر، والسبب في ذلك محاولة تمجيد المجددين القدامى في عصور سابقة

متمسكين بتراثهم، متشددين في التمسك والجمود، غير واعين أن هذا القرن له أمراضه الخاصة التي يجب أن تعالج بطريقة مختلفة، ومن أبرز ما ترى أن الجماعات الإسلامية تشدد وتكبر وتبرز أهداف أصحابها رحمهم الله غير ساعية إلى التجديد، ولا التنوير، متمسكة بماضٍ صار التمسك به جزءًا من الجمود وهبوط الأمة، لا رقيها وتقدمها، ولو كان هذا المجدد موجودًا لبنى فكرًا جديدًا لوجود أزمة جديدة.

واجب الأمة ودورها

وعلى أمتنا أن تعرف دورها وتأخذ طريقها، وتتكاتف حتى تعطي حلًّا ويكون فيها المجددون، فلربما يكون المجدد الأمة كلها، أو جماعة في ظل دولة المؤسسات، وهذا ثابت وارد أن الأمة إذا اجتمعت وقامت جددت كثيرًا، فربما لم تعد فكرة الفرد واردة، وذلك لأن المشكلات صارت أكبر من الفرد.

أو ربما يكون الفرد، وعلى الأمة أن تعود إلى تربيتها لأبنائها حتى يخرج من بينهم صالح، فإن صلاح الدين ما أعاد بيت المقدس إلا والشاطبي يقرئ الناس بمصر، وتضج دور العلم بالعلماء، وأصحاب الصناعات قائمون، وفي ثورة هذه الحياة قام المجدد وتربى.

لكن كل ما نحتاجه هو التجديد، وهو ضرورة المرحلة وواجبها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التجديد
عرض التعليقات
تحميل المزيد