في زمننا هذا، لم يعد ينظر إلى الابتكار باعتباره فعلًا عجائبيًّا غرائبيًّا كما في السابق، لقد أضحى الابتكار ميدانًا يمكن ضبطه وإدارته، وتلقين أساسياته عبر نظريات ومفاهيم تم التوصل إليها من خلال دراسة مفهوم الابتكار. وقبل أن نسترسل في موضوعنا لا بد من تبيان الفرق بين الابتكار والاختراع، لأن هذين المفهومين يجدان لهما نفس المدلول عند كثير من الناس. فالاختراع هو القيام بتطوير شيء جديد (منتوج،برنامج،…) أما الابتكار فهو توظيف الاختراع في تطبيق عملي ينتفع به الإنسان، فما لم يتم تبني الاختراع لتلبية حاجيات معينة، يجد بها مكانه في السوق،فهو لا يرقى إلى مستوى الابتكار، فكم من براءات اختراع لم تلق اهتمام الشركات، ولم يتم استغلالها في تقديم منتوج جديد أو خدمة جديدة. إذن فالابتكار هو اختراع يلقى سبيله إلى السوق.

في السنين الأخيرة، أضحت الحاجة إلى الابتكار ضرورة ملحة لدى الشركات إن هي أرادت البقاء، وإلا فإن زوالها أمر حتمي وهو مسألة وقت فقط، ففي ظل التقدم التكنولوجي ذي الوتيرة المتسارعة، يصبح معدل عمر المنتوجات قصيرًا جدًا، إذ لا يكاد منتوج يعرف طريقه لشريحة واسعة من المستعملين، حتى يزيحه من مضمار المنافسة منتوج آخر أكثر تطورًا، كما أن سرعة انتشار استعمال هذه المنتوجات الجديدة، تغير من مكانتها عند المستعمل في ظرف وجيز، فتصير شيئًا عاديًّا لا تختلف قيمته عن بعض مستلزمات الحياة كالكهرباء مثلا. كل هذا جعل من دراسة فعل الابتكار لتأسيس نظريات حوله،أمرًا ضروريًّا، حتى تتسنى إدارته، والتعاطي بشكل فعال مع الإشكالات المتعلقة بخوض غمار هذا الميدان.

ومن التحديات التي تواجهها الشركات في سعيها إلى تبني الابتكار كقاطرة لنموها، مسايرة الكم الهائل من الاختراعات والأبحاث، والتي تغطي مساحة شاسعة من تخصصات مختلفة، فبالقدر الذي تشكل به وفرة المعلومة وسهولة الولوج إليها نقطة إيجابية للمهتمين بالابتكار للإبداع في هذا الميدان، من حيث اعتماد الابتكار على معارف متنوعة تغطي ميادين مختلفة، يشكل تتبع مختلف الإصدارات الجديدة تحديًّا كبيرًا، إذ على المهتمين الوقوف عل كل جديد لاختيار المناسب منه من أجل ابتكارات في المستوى، ويتطلب منهم هذا الأمر مستوى كبيرًا من الإلمام ومن بعد النظر حتى يكونوا مؤهلين للقيام بالاختيارات المناسبة من بين كل الفرص المتاحة ودمجها في مشروع ابتكاري.

تحد آخر، يتعلق بطبيعة المعرفة في عصرنا الحالي، فللخروج بابتكار ما، نحتاج إلى توظيف كثير من المعارف من ميادين مختلفة، وكما هو معلوم، فالميدان المعرفي بشكل عام والتكنولوجي بشكل خاص،أضحى مجزءًا بشكل كبير، نحتاج معه في كل مشروع ابتكاري إلى عدد كبير من ذوي الاختصاص، يشتغلون فيما بينهم، كل بما تقتضيه مهمته، لكن تحت إمرة مسؤولين يتولون مهمة التنسيق، ينبغي أن تتوافر فيهم كفاءات نادرة، تجمع بين ذكاء المهندس، موسوعاتية الدكتور، وحنكة المدير.

لذا فنحن نرى في السنين الأخيرة ظهور أدوار ومهمات جديدة داخل الشركات، لحل الإشكاليات التي تعوق سعيها نحو الابتكار، ولتطوير منظومات تضع هذا الأخير في صلب اهتماماتها وخططها الاستراتيجية، بغية الحفاظ على تنافسيتها.

إذ تقوم هذه الشركات بإحداث وحدات تتكون من أُطر مختلفة، منهم مهندسون ودكاترة، ويقوم دورها على تطعيم الشركة بأفكار جديدة من الخارج كمشاريع جديدة للابتكار، من خلال تتبع دقيق لمستجدات الميادين العلمية، من اختراعات وأوراق بحث، كما تقوم على المستوى الداخلي، بالتنسيق بين مختلف الوحدات التي تشتغل في إطار هذه المشاريع.

إن قدرة الإنسان على تطويع مفهوم الابتكار في قوالب نظرية تدرس كباقي العلوم، من شأنه الزيادة في زخم الابتكارات، والرفع من حدة التنافسية في شتى المجالات، وهو ما تتجلى بوادره في عالمنا، هذا إن لم نقل أنه حاصل فعلا، وعندما نتحدث عن الابتكار، فنحن لا نقتصر على المسائل التقنية البحثة، فالابتكار يشمل كل المجالات، وفيه يكمن الحل لإيجاد حلول للكثير من المشاكل التي يواجهها عالمنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك