ذكرنا في المقالة الأولى، إن الشخصية الإنسانية هي مزيج بين (الطبع والعادات المكتسبة والبيئة الاجتماعية)، علمًا أن الطبع يسبق ولادة الإنسان، والعادات المكتسبة تأتي من التربية المنزلية والاجتماعية بمعناها الواسع.

بالإضافة إلى ذلك قمنا بذكر أحد عشر نوعًا من الشخصيات الإنسانية المختلفة، وفي هذه المقالة سنستطرد في هذا الموضوع ونكمل حديثنا حول أبرز الشخصيات المتبقية، والوقوف على إيجابياتها وسلبياتها.

12- الشخصية غير المكتملة: هنالك أشخاص لديهم عقدة عدم اكتمال واضحة، وتبدو بشكل ظاهر وملموس لعامة الناس، لا للمتخصص في علوم النفس فحسب، بل لدى أبسط الناس، وهذه العقدة تعتبر نقصًا في السلوك.
ويعرف السلوك بأنه كل ما يصدر عن الفرد من استجابات مختلفة إزاء موقف يواجهه أو إزاء مشكلة يحلها، أو قرار يتخذه أو مشروع يخطط له، أو أزمة نفسية يتكبدها، فالسلوك إذن هو مفتاح معرفة الشخصية بما تحمل وما يدور بداخلها، وهو يعتمد أيضًا على تقدير الفرد بقيمته ولأهميته مما يشكل دافعًا لتوليد مشاعر الفخر واحترام النفس أو عكسه، الشعور بالنقص والذل والضآلة.

هذا النمط من الشخصية يحمل الكثير من الصفات، فهو يشعر بالضآلة وعدم الاكتمال وضعف الثقة بالذات حتى لو امتلك الأموال، والبيوت، والعمارات، والسيارات الفارهة، ونجح في العمل التجاري، أو حقق ذاته في الحصول على أعلى المستويات العلمية أو السلطة وزمام الأمور في الحياة، فتراه ينظر إلى الأقل منه مرتبة مالية أو إدارية أو علمية، نظرة ملؤها الحسد والغيرة، رغم أن ما يملكه صاحبنا، صاحب الشخصية الناقصة الكثير والكثير، إلا أنه يظل غير مكتمل في إشباعاته النفسية.

ولعل من أبرز صفات صاحب هذه الشخصية، أنه يستحقر ذاته عند حصول الإطراء والثناء، ويشعر بالذنب دائمًا، حتى ولو لم يكن هناك علاقة بالخطأ، وأيضًا يعتقد بشكل لا شعوري بعدم الاستحقاق لهذه المكانة أو تلك أو لذلك العمل، وغالبًا يميل إلى سحب أو تعديل رأيه خوفًا من سخرية أو الرفض.

13- الشخصية الابتكارية: السلوك الابتكاري وسمات التفوق العقلي والقدرات غير الاعتيادية تظهر منذ مرحلة الطفولة وهناك بعض المؤشرات التي تنبئ باحتمال ظهور الإبداع في المراحل العمرية اللاحقة في الكبر، ومن أهم هذه المؤشرات في حياة الأطفال والأحداث هي وجود مظاهر واضحة على التخيل الواسع والذكاء مثل حب الاستطلاع ومعرفة الكثير من الحقائق عن الكون والخلق وتكوين الحياة، فضلاً عن كثرة الأسئلة والبحث عن إجابة لها من الوالدين أولاً، ثم الانشغال بالبحث عن آليات عمل الكون أو صنعه.

ونستطيع القول إن الشخصية الابتكارية المتفوقة لها قدرة خاصة متميزة لحل المشكلة وإبداع الرؤية في العمل الفني وأسلوب حلها وطريقة إنتاج أعمال أصيلة وأفكار تتميز بالخلاقة في الرسم والشعر والرياضيات والكتابة والموسيقى وفي كل المجالات، حتى أن نتاجهم الفني والإبداعي يكون تام التكوين ويرقى إلى التفرد النوعي، هذه المقومات لا نجدها في الإنسان العادي، وإنما تكون لدى المبدع المتفوق حصرًا.

يذكر أن صاحب الشخصية الابتكارية دائمًا يتميز بالحس المفرط والمقدرة الفكرية وقابلية الحركة.

14- الشخصية الفصامية: خصائص هذه الشخصية  شبيهة إلى حد كبير بنمط الشخصية الانطوائية مع الفارق في وجود المظاهر العاطفية المتمثلة في الحساسية الزائدة وسرعة في الحساسية العاطفية.

ومن صفات هذه الشخصية أن صاحبها حساس، وعنيد، وشكاك، وكتوم، فضلاً عن أنه قليل الرغبة في إقامة صلات اجتماعية أو صداقات واسعة، ويبتعد دائمًا عن المشاركة الجماعية وفي ممارسة الألعاب الجماعية أيضًا ويحاول أن يفضل الكتاب على الناس، وكثيرًا ما وصف الأهل صاحب هذه الشخصية في طفولته بأنه كان أشبه بالملاك، هادئًا، غريبَ الأطوار، حتى إنه يشعر بغموض وصعوبة في التعبير عن أفكاره.

إلى جانب صفات عدة تميز صاحب الشخصية الفصامية منها: إنه سريع الأفكار المتطايرة مع ضعف في الترابط بينها، ولا يستطيع ربط الأفكار ببعضها البعض، وعادة يجد صعوبة في إيجاد المعنى المناسب بسهولة للفكرة أو الكلمة، وكذلك قلما يستطيع التركيز على المعنى المطلوب، ويتميز بأنه شخص تائه الأفكار لا يعرف ما يريد في أغلب الأحيان.

15- الشخصية المتباهية: الشخص المتباهي يرفض بعنف قبول أي نصيحة، إنه يتصف بروح المعارضة الشرسة أحيانًا، وكأنها عزة نفس ولو كان مخطئًا، آه كم تركت فينا طفولتنا جروحًا لم تندمل ومنها تربية التباهي!

إنه يرفض بقسوة أي دعم يعرض عليه، إنه يريد أن يقضي حياته دون أن يطلب من أحد شيئًا كي لا يكون مدينًا لأي شخص كان بشيء ويعتقد أنه يعيش شامخ الرأس ويرفض أن يعترف بالخطأ.

إنه لا يحتمل النقد إطلاقًا مهما كان بسيطًا، ولا يقبل أنه هزم في موقف أو حالة ولو كانت بسيطة أو جدال أو مباراة لكرة القدم على سبيل المثال، وإذا لم يستطع أن يعبر عما يدور بداخله وهو طفل نراه يصرخ ويضرب رأسه ويعتدي على الآخرين، فينشأ نرجسيًّا، أنانيًّا لا يحب حتى زوجته بقدر ما تربطه بها من علاقة مصلحة أو يكون خانعًا لها أو رافضًا لها تمامًا.

16- الشخصية الدونية: الشعور بالدونية يبدأ منذ السنوات الأولى في حياة الإنسان بفعل التربية حيث ترى الدراسات النفسية أن كل طفل صغير يحس بالحيرة والعجز أمام القوى التي تحيط به، ضعيف يجهل العالم الذي لا يحس به سوى إحساس غامض فيتقبل الأوامر التي يتلقاها من والديه أو من يقوم على تربيته لكي يسلم من العقاب، ولهذا السبب يبحث كل طفل عن الأمن قبل كل شيء ويبحث عن الدعم والتعزيز من القائمين عليه كلما انصاع لما يريدون وهي مصادرة كما يعتقد علماء النفس تلقائية الطفل وطفولته.

17- الشخصية الغيورة: إن من تتصف شخصيته بالغيرة تتصف أيضًا بالأنانية رغم أن درجة الأنانية موجودة بنا نحن البشر بنسب متفاوتة وقدر معقول يصبح معقولاً ومحتملاً في بعض الأحيان لأن إرهاصات الإنسان في مواقف الحياة كثيرة ومحاكاته تظهر هذه الحالة في الشخصية إلا إذا كانت سمة فإنها تأخذ ملامح الشخصية الغيرية، فترى الأدبيات النفسية فرقًا بين أن يكون الإنسان أنانيًّا أو يكون مهتمًا بنفسه.

فالأناني هو الذي يريد كل شيء لنفسه بطريقته متجاهلاً رغبات واحتياجات الآخرين، يريد أن يكون وحده يمتلك ويقول ويفعل ما يريد فلا يفسح للآخر مجالاً.

18- الشخصية المهزومة: من أهم صفات الشخصية المهزومة هو التعامل مع ضغوط الحياة بأسلوب الخيال والتمني وهي إستراتيجية شعورية يلجأ إليها الأفراد في مواقف الحياة الصعبة لغرض استعادة التوازن، وهو بنفس الوقت هروب وتجنب الناس أو المواقف أو الأشياء التي تثير في نفسه القلق الذي لا يستطيع مواجهته أو رده.

19- الشخصية العاجزة: وتتميز بالسلبية وضعف النشاط الجسمي والعقلي وعدم الاستمرار أو المثابرة على نهج واحد لمدة طويلة، وكثيرًا ما يفشل هؤلاء في الدراسة وهم دائمو التنقل من عمل إلى عمل آخر نظرًا لعدم استطاعتهم تحمل المسؤولية، كما أنهم أزواج فاشلون إلا إذا كانت الزوجة من النوع المسيطر فتنقلب الأوضاع ويصبح الزوج من ذوي الوظائف البسيطة الذين لا يطلبون من الحياة إلا الطعام والشراب.

20- الشخصية المهووسة: الشخصية المهووسة هي التي تعاني من الهوس، وهو ما يعرف بالاضطراب الذهني الذي يتسم بالغرابة والنشاط النفسي الحركي الزائد والهياج والمرح الذي لا يسيطر عليه الفرد.

كثيرًا ما نتقابل مع شخصيات تتسم بالتفاؤل أو المرح المفرط والضحك والتحمس الزائد والإقبال على الحياة بشكل مبالغ فيه يدعونا إلى الدهشة والتأمل، إلا أننا سرعان ما نكتشف أن هؤلاء الأشخاص يعانون من اضطراب الشخصية الذي يعرف بالهوس.

والهوس هو اضطراب عقلي يتميز بزيادة النشاط والمرح الذي لا يمكن السيطرة عليه كالضحك المتواصل الذي لا يتناسب مع الموقف.

وقد اختلف الباحثون في أسباب الهوس، فالبعض يرده إلى عامل الوراثة، بالإضافة إلى وجود أسباب نفسية متعددة كوجود صراعات عنيفة ومشاعر فشل وإحباط قد ترجع إلى المراحل الأولى من الطفولة، وقد وجد البعض أيضًا أن الهوس قد يرجع إلى عادات سلوكية خاطئة تعلمها المريض نتيجة أنها وجدت استحسانًا من الآخرين.

21- الشخصية المتجنبة: السمة الرئيسية في صاحب الشخصية المتجنبة نمط من الانزعاج الاجتماعي والجبن والخوف من التقييم السلبي الذي يسود حياة المصابين به، بمعنى آخر هذا الاضطراب هو أنموذج من التثبيط الاجتماعي، ومشاعر القصور وعدم الكفاية، وفرط الحساسية نحو التقييم السلبي، ويبدأ هذا الاضطراب في فترة البلوغ ويتظاهر في سياق العديد من التصرفات.

وصاحب الشخصية المتجنبة يتأذى بسهولة من انتقاد الآخرين له أو عدم استحسان تصرفاته، وليس لديه أصدقاء مؤتمنون أو مقربون – ربما صديق واحد – من غير أقارب الدرجة الأولى، فهو يبدي تحفظًا ضمن العلاقات الودية بسبب الخوف من أن يكون موضع استهزاء وخجل، ولا يرغب بإقامة علاقات مع الآخرين ما لم يكن متأكدًا من أنه سيكون محبوبًا.

يذكر أن هذه الشخصية شائعة بشكل واضح في وقتنا الحاضر.

(ملاحظة): هدف هذه المقالة تثقيفي، وتوعية المجتمع من بعض التعميمات الخاطئة التي يطلقها، فمن الخطأ أن نتحدث عن أن فلانًا من الناس شخصيته قوية والآخر ضعيفة، والصحيح هو أن شخصية الأفراد مختلفة ولا توجد في مفاهيم علم النفس شخصية قوية وأخرى ضعيفة، بل شخصيات مختلفة، ولكل شخصية جوانب إيجابية وأخرى سلبية، والمهم هنا أن يدرك الفرد نقاط القوة والضعف في شخصيته ويحاول أن يطور مراكز القوة ويعمل على التغلب على مكامن الضعف في شخصيته.

وعندما يعرف الفرد طبيعة شخصيته فإن هذه المعرفة سوف تساعده كثيرًا على التكيف مع متطلبات الحياة وتجعله أكثر سعادة ونجاحًا في مجال اختيار العمل والارتباط العاطفي، رغم أن بعض الشخصيات التي تم ذكرها في غالبها تتضمن جوانب سلبية، ولكن هذا لا يجب أن يكون مانعًا للشخص بالاعتراف بشخصيته السلبية والعمل على تحسينها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد