طالما شُغلت بموضوع تفوق الجنس الأبيض على غيره من الأجناس الملونة لا سيما ذلك الجنس البشري أسود اللون. وثمة صراع مخفي يدور داخلي وفي عقلي يتطلب حسمًا للمسألة يجفف منبعها ويقطع حبل نموها. صراع اقتضاه الواقع الذي يعلن بشكل صارخ عن تفوق غير محدود لأصحاب البشرة البيضاء والرقاب الحمراء في كل مجال من مجالات الحياة المادية لدرجة جعلت غيرهم من الملونيين مجرد مجموعة من الشحاذين الذين يتحلقون حول موائدهم المترعة بصنوف الأطعمة والأشربة، علهم يصيبوا فتاتًا يسقط من فوقها. هذا الفتات الذي يسمحون به تارةً ويغضون عنه الطرف تارةً ويسعرونه لهم – على حقارته – تارةً ثالثة.

هذا من جانب، ومن جانب آخر تعلقي بنصوص الوحي الخالد التي تنفي بشكل قاطع أن يكون ثمة فروق تفوقية مبنية على اللون أو الجنس، وما يعضد ذلك من وقائع – كلها من الماضي – تؤكد وتبين كيف كانت الحالة المزرية التي عاشها هؤلاء البيض في الوقت الذي كان فيه الملونون من العرب والفرس والترك وغيرهم عبر مراحل زمنية معينة يتسيدون ناصية الحضارة بشقيها المادي والأخلاقي. بيد أن الملفت للنظر أن تلك الفترات التي علا فيها نجم الشرق بملونيه، توسطت أمواجًا هادرة من مد المحيط الأبيض سابقة عليها في زمان اليونان والرومان قديمًا، ومزيحة لها في زمان الأوربيين والأمريكان في العصر الحديث. وكذلك، فإن الغرب الأبيض في أوجِه وطأ الشرق وساد عليه ردحًا من الزمن ولا يزال، والشرق الملون في أوجِه ساد نفسه سياسيًّا، ولم تطأ قدمه بلاد الغرب وطأً استقر به فيه، اللهم إلا ما كان زمان الأندلس وسرعان ما ذرته الرياح كأن لم يكن.

قد يغبش على هذه الحقيقة – فيما أرى- تلك المقالات التي تتهم الرجل الأبيض بمسئوليته عن تردي أوضاع حياة غيره من الملونين وخاصةً السود الذين استعبدهم عبر مراحل تاريخية ممتدة، والسؤال: لماذا لم يكن الأسود هو من استعبد وشرد وعلا وترأس؟ ولك أن تقول أن البيض هم المتحكمون في مصائر الشعوب عبر الحكام المستبدين، ولولا ذلك لكان الحال غير الحال. نعم، ولكن لماذا لم يكن العكس؟ لماذا سقط البيض وسرعان ما قاموا من سقوطهم، في الوقت الذي أصبح السقوط فيه منهج حياة الملونين في كل مكان من الأرض باستثناءات بسيطة تثبت القاعدة ولا تنفيها.

هل هناك تفوق من نوع ما مبني على اللون والجنس؟ سمّه تفوق إرادة، عزيمة، إصرار، صبر، مثابرة..إلخ المهم أنني ألمح تفوقًا مرده إلى الجنس بعكس ما تقوله الآراء والنظريات ومنها آراء طبية ونفسية واجتماعية معتبرة.

ولقد خطر لي أن هناك نصوصًا شرعية تشير من طرف خفي لتفضيل الأبيض في كل شيء، يصح أن يكون لونًا له الأفضلية على غيره من الألوان وخاصةً الأسود، دون بيان سبب معقول لهذا التفضيل بحسب اللون إلا للون ذاته وحسب.

فمثلا تجد أن النبي- صلى الله عليه وسلم – ينصح بلبس الأبيض من الثياب لأنه خير الثياب لا لخامة الثوب، وإنما للونه. وكذلك يوصف القلب السليم بالبياض، ويوصف غيره بالسواد رغم أن الألوان بذاتها محايدة غير متحيزة. ونهر الكوثر ماؤه أبيض من اللبن، واللبن نفسه خير المشروبات على الإطلاق لونه أبيض، ورأس النعيم الحسي في الجنة هم الحور العين، وهم كما وصف القرآن ” «كأنهن بيض مكنون». وحتى في الحديث العادي اليومي يستخدم الناس اللون الأبيض للتعبير عن كل ما هو جميل، والأسود للتعبير عن ضده، فيقولون لليوم الجميل: نهار أبيض، وتقول مهددًا ولدك أو خصمك:(نهارك أسود). ويستخدم القمر الذي هو أبيض كمشبه به في وصف جمال النساء فيٌقال: بيضاء مثل القمر، لو لم يكن القمر أبيض ما استخدموه في هذا الغرض. والسؤال: لماذا لم يكن العكس هو الصحيح فيقوم الأسود مقام الأبيض في وصف المحببات إلى النفوس من الطعام والشراب والملبس والنساء. وأزيدك أن ملائكة الرحمة بيض الوجوه وملائكة العذاب سود الوجوه كما نص الحديث، فأي تصريح بفضل الأبيض على الأسود بعد هذا ؟ اقرأ معي لو سمحت:«يوم تبيض وجوه وتسود وجوه..» انظر إلى الآية من سورة البقرة لترى المصير المنصوص عليه والمحدد لنوع اللون. كل الدلائل تشي بفضل الأبيض على الأسود في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة أيضًا. فليسامحك الله أيها القارئ النبيل على سبك وشتمك واتهامك، بل ولعنك لي، فلتعلم أني ملون مثلك تمامًا، وكلامي ليس إلا مخلبي أنهش به لحمي، ولكني بصدق أتساءل وأطلب ممن قرأ واستوعب أن يعترض عليَّ مفندًا لا معنفًا، ومفحمًا لا مجحفًا، ومناقشًا لا مجادلًا. وللكلام بقية. والله من وراء القصد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد